الفساد إحدى أخطر المشكلات التي تواجهها المجتمعات العربية، فهو أشبه ما يكون بسرطان خبيث يلتهم كل معدلات التنمية.. وفي مصر بالذات أصبحت قضايا الفساد تتصدر عناوين الصحف اليومية وتعج بها قاعات المحاكم، وهو ما ينذر بانفجار البناء الاجتماعي.
ولأنها مرآه تعكس نبض الشارع اتجهت الدراما التلفزيونية لمعالجة هذه القضايا ليكون المشاهد العربي على موعد خلال رمضان المقبل مع أكثر من 18 مسلسلا تناقش الفساد في شتى صوره ومستوياته.. ابقوا مع التفاصيل.مع تراجع الدراما التاريخية، وانعدام الدراما الدينية، وخروج الدراما الرومانسية على استحياء، استحوذت دراما الفساد على المشهد الرمضاني هذا العام، فظهر العديد من المسلسلات التي تناقش الفساد المجتمعي بصفة عامة كعلاقة السلطة بالفساد وقضية البطالة..وكان أكثر الألوان التي طرحتها الدراما فساد رجال الأعمال والفساد السلوكي، ومن ثم استغلال السلطة والوظيفة والابتزاز والرشوة، ثم فساد الشرطة والتزوير وفضائح الكبار، ولم تهمل الدراما الفساد الحزبي وفساد الوزراء والرشوة الجنسية والاختلاس والمحاباة والمحسوبية والفساد الوطني والعمولات ثم الفساد الإعلامي والبرلماني وغسيل الأموال وفساد المحامين وتجارة المخدرات والفساد التعليمي والكسب غير المشروع والتربح واستغلال النفوس للحصول على ممتلكات الغير.
امرأة في ورطة
في هذا العام تناقش دراما رمضان قضايا الفساد في عدد من المسلسلات منها «امرأة في ورطة» بطولة إلهام شاهين وعبير صبري ومحمود قابيل، وتدور قصته حول «ندى» أرملة أحد الوزراء السابقين التي تنتمي إلى طبقة أرستقراطية وتقع في حب أحد رجال الأعمال وتتزوجه سراً ويتعرض للقتل من خلال مجموعة من الأشخاص الذين استغلوا سلطتهم ووظائفهم،وتتهم بقتله، وتحاول إثبات براءتها بشتى الطرق.
كذلك يناقش مسلسل «بفعل فاعل» تورط بعض المسئولين في قضية التطبيع وتأثيرها على الأطراف المشاركة في العمل الرسمي في مصر والصفقات التي يقومون بعقدها مع الكيان الصهيوني، ويتم حالياً تصوير مشاهده الخارجية في الولايات المتحدة الأميركية حيث تلعب بطولته تيسير فهمي ويوسف شعبان وطارق لطفي.
بينما يرصد مسلسل «القطة العميا» الذي تلعب بطولته حنان ترك وأمل رزق الفساد الذي استشرى بين فئة من أعضاء مجلس الشعب، ويفضح ذلك علاقتهم المشبوهة من خلال محامية شابة تعمل في مكتب محام شهير وتحلم بأن تكون محامية شهيرة وتقع في مشاكل مع عضو مجلس الشعب الذي يستغل نفوذه فيتعرض ابن المحامي الذي تعمل معه للقتل على يد بعض أتباع عضو مجلس الشعب ويتم اتهامها بقتله وتبدأ رحلة مطاردتها، كما يناقش المسلسل أيضا الكثير من مشاكل الفساد القابع بتلك المناطق النائية، وفي النهاية تضطر لتسليم نفسها للشرطة وتثبت براءتها.
العار
الفنان مصطفى شعبان يعود مع النجم أحمد رزق وحسن حسني وشريف سلامة؛ لشاشة رمضان من خلال مسلسل «العار» ليناقش وجها آخر من وجوه الفساد، حيث يستغل بطاقة والده تاجر الجلود المستوردة في تهريب الأدوية المخدرة والمحظورة.
ويقنع والده بجدواها وعائدها المادي والاقتصادي، فيقرر الدخول في الصفقة التي ينجو منها في أول مرة، وفي الثانية يحاول تهريب المخدرات لكن ابنه يموت، وتتوالى الأحداث لتوزيع ميراث أشقائه من الأموال الحرام.
فساد بنكي وحزبي
بينما يناقش مسلسل «منتهى العشق» الذي يلعب بطولته مصطفى قمر وديانا كرازون، الفساد من منظور آخر، فتدور أحداثه من خلال رجل الأعمال عبدالله المنصور الذي يمتلك مشروعاً سياحياً ضخماً في مدينة «شرم الشيخ».
يتزوج المنصور من سكرتيرته التي تمتلك تطلعات سياسية واقتصادية فتزوج ابنتها الأولى من أحد رجال البنوك ليسهل لزوجها الحصول على قروض بدون ضمانات وابنتها الثانية من ابن أحد الوزراء طمعاً في أن يرشح زوجها كوزير، وتتوالى الأحداث التي تؤكد تورط الجميع في قضايا الفساد وتكشفها الابنة الثالثة.
أما مسلسل «أكتوبر الآخر» فيرصد التغيرات المجتمعية التي ظهرت بعد حرب أكتوبر 1973 واتباع الدولة سياسة الانفتاح الاقتصادي، فينتشر الفساد وتتبدل متغيرات العصر، يلعب بطولة المسلسل فاروق الفيشاوي وبوسي ونهال عنبر.
ويعتبر مسلسل «بابا نور» تجسيداً للفساد الحزبي في مصر، حيث يرى بابا نور الذي يجسد شخصيته النجم حسين فهمي انه الأحق بالحزب بعد وفاة زعيمه لكن يخذله الجميع فيقوم بتقديم استقالته بعد أن يتعرض للخيانة داخل مقر الحزب أكثر من مرة ليصاب باكتئاب شديد نتيجة ما تعرض له على يد أتباعه الذين باعوه في منتصف الطريق ويكشف خلاله عن أكثر من نموذج للفساد الحزبي في مصر.
فساد مجتمعي
ولم تكن دراما 2010 الوحيدة التي انخرطت في مناقشة قضايا الفساد في مصر لكن السنوات العشر السابقة احتلت فيها أيضاً قضايا الفساد والرشوة مساحة كبيرة وإن كان آخرها مسلسل «متخافوش» العام الماضي للنجم نور الشريف الذي ناقش الصراع العربي الإسرائيلي بما يتضمنه من جاسوسية وقضايا سياسية.
وعلى الرغم من اتهام الشريف بأن مناقشة هذه القضية في المسلسل إقحام على الدراما فإنه عاد وأكد أنها تناقش أهم قضية تشغل بال المواطن العربي بسبب فساد الرأي والقرار، كذلك مسلسل «أفراح إبليس» للنجم السوري جمال سليمان وقبله بثلاث سنوات «حدائق الشيطان» من خلال شخصية الطاغية همام أبو رسلان.
و«الباطنية» الذي أعاد مناقشة قضية المخدرات من باب أوسع لكونها أحد العوامل التي تسبب الفساد المجتمعي علاوة على مسلسلات: أزهار، قضية نسب، امرأة فوق العادة، حق مشروع، عفريت القرش، والدالي.
أجندات الإعلام
وعن تصدي الدراما لقضايا الفساد يؤكد الدكتور وجدي سلمي صاحب أول رسالة دكتوراه تناقش هذه الظاهرة أن الدراما العربية نجحت في تقديم معالجة كافية حول كل أشكال الفساد الموجودة في مصر والوطن العربي أيضاً لكونه من أهم القضايا التي تعطل مسيرة المجتمعات، حيث استطاعت الدراما أن تجسد هموم الجمهور ونظرته لهذه القضية التي باتت تشكل خطراً واضحاً على المجتمع.
وقد تصدت الدراما للفساد منذ فترة طويلة بعد أن تفاقمت هذه المهزلة مع نهاية القرن العشرين وفرضت نفسها بقوة على أجندة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة وأصبحت تحظى باهتمام شديد ومتابعة عالية عل كل المستويات الثقافية والاجتماعية.
خاصة بعد أن ظهرت شريحة اجتماعية غنية في الحقبة الماضية استفادت من التحولات السياسية في الأجهزة الداخلية للدولة والانفتاح على العالم وانتشار الرشوة والمحسوبية والفساد الإداري بكل درجاته ومستوياته، وظهور قوى معارضة مع الانفتاح الديمقراطي تدعو إلى مكافحة الفساد وتفضح رموزه.
مواجهة
مشكلة الفساد برأي د.وجدي إحدى المشاكل التي استشرت في العالم بأكمله وأخذت تشكل عامل قلق رئيسيا فأعطت بعض الدول أولوية لمحاصرتها، ودعت المؤسسات الإعلامية بصفة عامة إلى التصدي باحترافية للفساد وتطوير الأداء الإعلامي من خلال كتاب الدراما والصحف والتلفزيون والراديو مع ضرورة التركيز على التفاؤل والتأكيد على انتصار الخير في المعالجات الدرامية التي تتناول قضايا الفساد وعدم ترك النهايات مفتوحة حتى لا يصاب الجمهور بخيبة أمل في مواجهة قضايا الفساد.

