أرق، هواجس، سخط، انطواء، اكتئاب، وساوس، هيستيريا، إحباط؛ من المؤكد أنك صادفت إحدى هذه الحالات إما في ذاتك أو في كثير ممن حولك، وما المتهافتون على حجز أماكنهم في جوف النيل ببعيد عنك.. فحتما شاهد وترى من تتقاذفهم الأمراض والتوترات النفسية ككرات الشراب، فإذا كنت أحد المحبطين، وممن يكرهون التردد على عيادات الطب النفسي التقليدية، يصحبك «الحواس الخمس» إلى تقنية علاجية تميز فيها خبير مصري، وهي العلاج بمقطوعات موسيقية صوتية.. فإلى التفاصيل.

في كل يوم تخرج علينا أنواع لم تكن مألوفة من العلاجات لأمراض ربما لم تكن هي أيضاً معروفة من قبل، منها العلاج بالصوت، وهو تجربة فريدة من نوعها استحدثها عالم مصري حاصل على درجة الدكتوراه في الموسيقى الإلكترونية من النمسا ويعمل أستاذا بمعهد الكونسرفتوار، نجح في ابتكار تقنية علاجية جديدة باستخدام المؤثرات الصوتية في إحداث مؤثرات علاجية تحقق الشفاء، وطبقها على الكثير من المرضى النفسيين بنجاح كبير، هذا هو د. محمد عبدالوهاب الذي أوضح قائلا: استهواني العلاج بالصوت لأني مؤمن بأن المستقبل سيكون للعلاج غير النمطي وغير التقليدي.

خصوصا بعد أن ثبت عيوب العلاج بالمواد الكيماوية، ولقد فكرت في أنه بدلاً من أن نذهب لعيادة الطبيب نذهب لعازف موسيقي، ولذلك طالبت بإنشاء الطب الموسيقي بجامعة القاهرة أسوة باتجاه موجود في الخارج يساعد المرضى النفسيين، وهذا ليس أمراً غريباً، خصوصا بعد أن اكتشف العلماء أن بعض الأصوات تحفز النبات على النمو وعلى إخراج زهور أزهى، كما وُجد أن الأبقار تدر كميات أكثر من الحليب عندما تستمع لهذه الأصوات.

مؤثرات صوتية

يضيف: من هذا المنطلق فكرتُ في استغلال هذه المؤثرات الصوتية في إحداث تأثيرها الإيجابي على البشر، ولكن قارنت بين ما يفعله الضوء وشعاع الليزر في العين لأني درست الصوت دراسة تخصصية، فقارنت بين الضوء والصوت وكليهما موجات، وقلت إنه إذا كان للضوء تأثيره الإيجابي في العمليات الجراحية فالضوء حتماً سيكون مفيداً، الشيء نفسه للصوت المشابه له في أنه موجة، وقد استخدمته بتفاوت حسب شدته وقيمة تردده ولونه، وظللت لمدة 8 سنوات أبحث في هذا المجال.

وعلى مدار حفلات موسيقية إلكترونية عدة أقدمها على مسرح دار الأوبرا المصرية تحت عنوان «مشاهدة الصوت» أدخلت هذا العنصر في حفلاتي وجربته على مرضى كانوا من الجمهور دون أن يدركوا ذلك، وكان له تأثير إيجابي عليهم، حيث استخدمت مجموعة أصوات بديلة عن أصوات من الطبيعة، ووجدت أن لكل صوت وظيفة في علاج شيء معين، وهو ليس علاجاً بالموسيقى، لأنني لا أستخدم الموسيقى فقط، إنما العلاج بالصوت الذي يعتبر العلاج بالموسيقى أحد فروعه، لأن الموضوع ليس مجرد علاج باللحن إنما مؤثرات صوتية.

اكتئاب وجنون

ومن خلال التحكم في طول الموجة الخاصة بالصوت المستخدم، والكلام لـ د. عبد الوهاب، يمكن علاج بعض المشاكل النفسية، وقد ثبت علمياً أن الموسيقى الجميلة لها تأثير إيجابي على حالات الاكتئاب، بل إننا اليوم نرى تطوراً خطيراً في استخدام تأثير هذه الأصوات في علاج حالات الجنون والأمراض العقلية مجهولة الأسباب، وعلاج المرضى الذين يعانون الشلل النصفي وجلطة المخ ورعشة الأطراف، كذلك علاج مرض التشتت وعدم التركيز.

وهو يعالج تحديداً بصوت خرير الماء، فقد وجدنا أنه يجعل الإنسان يستغرق في الناحية التأملية بما يقوي لديه حاسة التركيز فتختفي شكواه من حالة التشتت، ويعتمد العلاج في هذه الحالات على تنبيه وتنشيط مراكز الحس عند فاقدي الشعر في مناطق معينة، وقد تعاونت مع بعض الأطباء النفسيين لتطبيق هذه الوسائل مع مرضاهم، وإن كانت الفكرة غريبة في المنطقة العربية، فإنها مقبولة في أوروبا والدول المتقدمة، وعلينا أن نشجع الفكرة.

ويضيف: نجاح التجربة مرتبط بأن يكون المعالج صديقاً للمريض حتى تكون هناك صراحة من المريض فيما يشكو منه، وعلى ضوء شكواه أو اعترافاته نحدد نوع الذبذبات الصوتية التي يتعرض لها، ونستدرجه ليسمعها دون أن يدرك أنه يعالج، وقد توصلت لوسائل صوتية عدة للعلاج أطلقت على واحدة منها «القهقهة»، وهي صوت الضحك وتأثيره العضوي الإيجابي، واستخرجت من صوت الضحك نوعاً من الموسيقى الضاحكة، علماً أنها تصيب من يسمعها بعدوى الضحك وهو ما جرّبته عملياً على بعض المرضى، وكانت استجابتهم جيدة جداً، وقد طورت هذا الصوت بإضافة مواقف تمثيلية مع الصوت لتقديم توليفة صوتية لها تأثير حيوي صحي.

أطياف

وحول أفكاره المستقبلية للتوسع في هذه الطريقة وزيادة مساحة القطاع المستفيد منها، قال: أحاول دائماً في كل حفلة أقيمها أن أزيد جرعة الطب النفسي بلغة الأطباء دون أن يشعر المريض، وأضفت جديداً آخر باستخدام الطيف (الأطياف) أي الضوء، حيث يستطيع أن يؤثر الصوت على المستمع فيحدث لديه التأثير السمعي والبصري . وأفكر أيضاً في قطاع الصُم لأشعرهم بالصوت عن طريق الأطياف المختلفة، ولي علاقة قوية بطلاب معهد «النور والأمل» من فاقدي البصر، ونجحت في جعلهم يشاهدون الصوت، واكتسبت من تعاملي معهم خبرة كبرى في ترجمة المؤثر الصوتي إلى مؤثر علاجي، ودرّست لهم لسنوات كثيرة حتى أصبحوا يستطيعون معرفة حالتي النفسية والمزاجية من أول كلمة أنطقها، وأتمنى استكمال التجربة وتطبيقها على جميع الصم والبكم في العالم العربي.

تباين

إلى ذلك، يقول د. أحمد شوقي العقباوي، أستاذ الأمراض النفسية بكلية طب جامعة الأزهر: هناك انقسام بين الأطباء حول العلاج بالموسيقى أو بالصوت بصفة عامة للمرضى النفسيين، لكن هناك تجارب محترمة تمت بالفعل لبحث إمكانية أن تكون الموسيقى إحدى وسائل العلاج النفسي، وأنا مقتنع جداً بهذه التجارب.

وقد قدمت منذ سنوات طويلة رسالة ماجستير عن الموسيقى كإحدى وسائل العلاج الجمعي، ولاحظنا أنه بعد تقسيم المرضى لنوعين: أحدهما استخدمت معه الموسيقى، والآخر لم تستخدم معه، وجدت أن استجابة الفريق الأول أسرع للعلاج النفسي، حسب نوع النغمة والإيقاع الصوتي المستخدم، وبالمناسبة سبق أن أعطيت د. محمد عبدالوهاب الفرصة لإجراء دراساته وأبحاثه لاختبار أي النغمات المرتبطة بعلاج حالات معينة وتحققت نتائج جيدة معها، منها أمراض الاكتئاب والفصام والوسواس القهري، وكل ما نحاول معرفته الآن هو تحديد أثر الموسيقى بأشكالها المختلفة على كل مرض ما، وتحديد نوعية المعزوفات والأصوات الأكثر ملاءمة لكل حالة.

كما لفت إلى دراسة أجريت في لوس أنجلوس لرابطة الطب النفسي الأميركية أكدت أن هناك مؤثرات صوتية يمكن أن تكون إيجابية أو سلبية على الإنسان، مثل الموسيقى الصاخبة ذات الإيقاع السريع اللاهث، والمشاعر المرتبطة بالعدوان، ووجدوا أن لهذه الأصوات تأثيرها في خلق بيئة اجتماعية أكثر عدوانية، وبالتالي فإن العكس صحيح.

القاهرة - دار الإعلام العربية