على الرغم من أن سباق «رويال آسكوت» البريطانيّ يأخذ مكانه في المملكة المتّحدة، إلا أن عشّاق سباق الخيل في العالم كلّه تتجه أنظارهم إلى مدينة «آسكوت» في مقاطعة «بيركشاير»، حيث يوجد المضمار العريق.
يعود تاريخ هذا الحدث إلى عهد الملكة آن، الابنة الثانية للملك جيمس الثاني، حيث كانت من الشخصيّات المشهورة عالميّاً بعشقها للخيل، وكلّ أنواع الرياضة المتعلّقة بها؛ ففي يوم من الأيّام، كانت تركب الخيل على بعد أميال عدة جنوب قلعة «ويندسور»، ووقعت عينها على حقلٍ شاسع ومسطّح ضمن مدينة «إيست كوت»، والتي أضحت «آسكوت» لاحقاً، وارتأت في هذا الحقل موقعاً مميّزاً ليصبح مضمار سباق الخيل لطالما كانت تحلم به.
وبالتالي تحقّق حلمها وحضرت أوّل سباقٍ يتمّ تنظيمه في المضمار بتاريخ 11 أغسطس العام 1711. ولاحقاً عندما تمّت تولية العرش للملك جورج الثاني العام 1760، أصبح السباق المُقام في مضمار أسكوت أضخم ثاني حدثٍ للخيول في المملكة المتّحدة، إذ كان «إبسوم»، الذي تمّ إطلاقه في القرن السابع عشر لايزال يحتفظ بالأولويّة. في فترة لاحقة، قرابة الربع الثاني من القرن التاسع عشر، وسّعت مباني المضمار لتتضمّن منصّة كبيرةً فيها الكثير من غرف الاستقبال للملك والملكة، كيّ يتمكّنوا من حضور السباقات، وإلى جانبها مجموعةٌ من الاسطبلات الخاصّة، والمرابط المُغلقة، والمساحات الحقليّة المخصّصة لسرج الخيول وتبييت العربات. وزيادةً على ذلك تمّ بناء قاعة كبيرة لتناول الطعام واحتضان الحفلات الاجتماعية.
وقد ساعدت هذه التحديثات في البناء في أن يكون المضمار مكاناً يتمّ فيه تنظيم الاحتفالات الاجتماعيّة المميّزة، ووجهةً تستقطب أهمّ النوادي الاجتماعيّة في القارّة العجوز كي تكون لهم فيه خيمٌ خاصّة يجهّزونا بالتزامن من الحدث الاجتماعيّ الأبرز في مختلف الفصول. ولا ننسى بالطبع الحضور الكريم للأسرة المالكة البريطانيّة، وأفراد المجتمع الإنجليزيّ الراقي، والذي تتسابق الصحافة العالميّة لالتقاط الصور لهم بأزيائهم الفخمة، وقبّعاتهم الملفتة للأنظار.
أناقة القبّعات
في يوم الخميس من أسبوع آسكوت، والذي يُطلق عليه «يوم السيّدات»، اعتادت النساء على تقليدٍ قديم يسيرون فيه بما يشبه الكرنفال ويعرضون فيه تصاميم قبّعاتهم غير الاعتياديّة. وتُدعى هذه القبّعات بغير الاعتياديّة لأنّها مليئةُ بالإضافات الغريبة من الفرو والريش والتطريزات المنمّقة، إلى مدى يُمكن أن يُخفي وجه المُشتركة. فلطالما كانت القبّعات مزيةُ المجتمع الراقي الانجليزيّ، لأنّه كان من الواجب ارتداؤها في الاحتفالات أو اللقاءات الملكيّة. وفي اللقاء الملكيّ ضمن احتفاليّات «آسكوت»، لا يُمكن لأيّ سيّدة دخول الاحتفال الحصريّ المُقام بحضور الملكة، إلا إذا كانت ترتدي قبّعةً تُغطّي القسم العلويّ من رأسها.
سلبيّاتٌ وإيجابيّات
بكونه وجهة للعائلات المالكة والأغنياء من كلّ أنحاء العالم، اجتذب سباق الأحصنة هذا الكثير من المحتالين العالميين واللصوص في بعض الأحيان، كما كان أيضاً ملعباً للمقامرين قبل أن يتمّ حظر هذا النشاط فيه. وفي بعض الأحيان كانت تنشب فيه خلافاتٌ قد تتطوّر إلى مناوشاتٍ وعراكاتٍ كبيرة، مما دعا القيّمين عليه إلى إصدار تشريعاتٍ وقوانين قاسية بحقّ كلّ من يتسبّب بهذه الشجارات بشكلٍ مباشر أو غير مباشر. كما ذكرنا سابقاً، يدوم السباق لأربعة أيّام، إلا أنّ الحدث الرئيسيّ «كأس آسكوت الذهبي»، والذي استهلّ تنظيمه في العام 1807، يدوم ليومٍ واحد، حيث تتسابق الاحصنة التي يزيد عمرها عن 3 سنوات لمسافة تُقدّر بميلٍ واحد.
المضمار
بُني مضمار السباق في منطقة جيولوجيّة معروفة باسم رمال، «باغشوت»، وهي جافةٌ خلافاً لطبيعة بريطانيا الماطرة في أغلب أيّام السنة، مما يجعل العناية بالعشب أمراً صعباً للغاية. وجهدت الجهة المنظّمة في تغيير نوع التربة واستيراد أقوى أنواع العشب الأخضر، وتطبيق أحدث أنظمة الريّ، حتّى إنّهم استعانوا بقطعان الخراف لاستخدام السماد الطبيعيّ، إلا أنّ محاولاتهم كلّها باءت بالفشل حتّى كادوا أن يدمّروا أرضيّته بشكلٍ كامل.
يأخذ المضمار شكلاً بيضويّاً طوله 66 ياردة، قسمه الأوّل منخفض نسبيّاً، في حين يأخذ القسم الثاني، واسمه «الميل القديم»، مكانه على قمّة هضبة. أما المضمار الجديد، والمعروف بال«ميل الجديد»، يزيد طوله عن الميل بقليل، ويأخذ مكانه على قمّة هضبة وفي سهلٍ مستقيم.
اللقاء الملكي
أمر الملك جورج الرابع في العام 1822 المعماريّ المخضرم جورج ناش، ببناء إسطبل ملكيّ من طابقين، لا يحقّ لأيٍّ كان دخوله إلا بدعوةٍ رسميّةٍ من الملك شخصيّاً. وسمّيت المنطقة المحيطة بهذا الاسطبل بمنطقة «اللقاء الملكيّ»، يحمل كلّ من يدخلونها بطاقةً صغيرة تُظهر أسماءهم وألقابهم، كانوا اُمراء أو دوقات أو ماركيزات أو سُفراء أو أعضاء بالبرلمان. كما لا يُسمح بإدخال الكاميرات إلى هذا الحدث، إلا ضمن منطقة مخصّصة للقنوات الإعلاميّة العالميّة، كيلا تتمكّن كاميرات الصحافة من التقاط صورٍ غير مُناسبة لأفراد الأُسر الأرستقراطيّة
إعداد: علي محيي الدين



