يمكن أن تبدو ممارسة رياضة السير على الأقدام عبر جبال الألب بالتأكيد مشروعا مخيفا أو مثبطا للعزيمة، ومن الناحية النظرية، يعد عبور سلسلة الجبال العظيمة من الشمال إلى الجنوب أحد أكثر قوافل الرحلات تحديا في أوروبا، وتغطي الرحلة 400 كيلومتر وتختلف الارتفاعات فيها لتصل إلى 20 ألف متر فوق مستوى سطح البحر.
وهذه هي النظرية: بمجرد إتمام أول رحلات الصعود، يسارع هواة المشي فوق المرتفعات الذين يقومون بالرحلة من ألمانيا في الشمال إلى إيطاليا في الجنوب ببدء قافلة السير على الأقدام، وتتسع الابتسامات على وجوههم وهم يتعجبون من قدرتهم على الاحتمال ومن المناظر الخلابة التي تثير في نفوسهم الذهول. وإذا لم يتغير الطقس ليصبح سيئا، وإذا لم تكن ثمة مشكلات صحية فيمكن إكمال رحلة عبور الألب بسهولة في غضون ثلاثة أسابيع من ميونيخ عاصمة ولاية بافاريا الألمانية.
وبالنسبة للأشخاص الذين لديهم مزيد من الوقت الإضافي يمكنهم أن يتمتعوا باستراحة في بلدة بيلونو بالشمال الإيطالي ومواصلة خمس مراحل أخرى حتى يجدوا أنفسهم في ميدان سان مارك في فينيسيا. وتقود كثير من طرق السير الزوار عبر سلسلة الجبال الهائلة، وأحد الطرق التقليدية هو «طريق الأحلام ميونيخ/ فينيسيا»، واكتشف هذا الطريق هاوي المشي فوق المرتفعات المحنك لودفيج جراسلر منذ أكثر من 30 عاما، وعلى الرغم من أن هذا الطريق غير رسمي إلا أنه يتمتع بإقبال كبير. ويتقابل العدد الكبير من المشاركين في هذه الرحلة والذاهبين إلى فينيسيا مرة سنويا في الثامن من أغسطس عند ميدان ماريان بميونيخ للإعداد لرحلة السير الطويلة على المرتفعات.
ويتم توجيه النصح لمحبي السير على المرتفعات الأكثر طموحا بتجاوز الأجزاء المسطحة السهلة الأولى والانطلاق من باد تويلز، كما أن البدء من نقطة بنديكتنفاند إلى منطقة توزينجر هوته يعطي محبي السير الفرصة للتأكد من أن مستوى لياقتهم البدنية يكفل لهم مواصلة بقية الرحلة. وبعد الوصول إلى نقطة فوردريس يصعد الطريق عاليا إلى كارفيندلهاوس وهو مطعم ومكان للاستراحة غالبا ما يكون مزدحما بالزوار خلال الموسم على الرغم من أنه يقع على ارتفاع 1800 متر عاليا فوق الألب.
ومن المعقول حجز مكان للإقامة في هذا المكان وفي وقت مبكر على قدر الإمكان خاصة بالنسبة لمحبي المشي الذين يعزفون عن النوم في عنابر كبيرة، وتتيح معظم الشاليهات في الألب ترتيبات للنوم تستوعب إما ستة أو أربعة أشخاص أو فردين في غرفة واحدة، أما الغرف الأكثر خصوصية فتكلف مبلغا إضافيا صغيرا ولكنها تستحق التكلفة.
ويستمر الطريق من كارفيندلهاوس إلى نزل بيركارهوتيل الذي يقع في سفح جبل بيركارسبيتزه وهو أعلى جبل في السلسلة بالمنطقة ويبلغ ارتفاعه 2747 مترا، والطريق الهابط إلى وادي هينتراو يتسم بالانحدار الشديد والانزلاق وتم تأمين بعض أجزائه بإقامة أسوار من الأسلاك. ولا يجب السير على هذا الطريق إلا في جماعة وأيضا وسط ظروف جوية ملائمة، وبعد عبور مراعي زليرتال بالألب يصعد الطريق إلى ممر توكسريوش الجبلي، وهو أراض جبلية عالية بالألب ويوجد أمامها عدد قليل من الممرات الوعرة.
وأي شخص يصل إلى هذا الحد من الرحلة يمكنه بسهولة التعامل مع التضاريس التي تنتظره، أما الزوار الذين من طبيعتهم التوتر فيمكنهم اختصار الطريق بركوب حافلة على الرغم من أن هذا الاختيار سيحرمهم من رؤية المناظر الرائعة لبحيرة شليجيس ومياهها الفيروزية المتلألئة.
ويصل محبو المشي سريعا إلى منطقة جنوب تيرول بإيطاليا، وتعلم الحدود صخرة في ممر دي فيزي غير أن محبي المشي لا يزالون بعيدين عن بيلونو أو فينيسيا. وحتى الآن لا يزال الجزء الأكثر روعة من الطريق ينتظر الجميع، وهو طريق السير عبر جبال دولومايت وهي سلسلة من القمم الضخمة مع أسوار مهيبة من الصخور الجرداء.
وأفضل وقت لعبور هذا الجزء من الألب هو بين شهري أغسطس وسبتمبر عندما يذوب الجليد من الأماكن العالية، ويجب أن يتم تنظيم الرحلة بحيث تتزامن مع وقت افتتاح الشاليهات الإيطالية والتي تغلق بعضها أبوابها أمام الضيوف بعد موسم صيفي قصير، ويغلق البعض الآخر أبوابه للقيام بعمليات التجديد أو بسبب الافتقار إلى مدير.
وتتيح هضبة سيلا أعلى حصن سيلا الضخم للناظر مشاهدة مناظر طبيعية غريبة تشبه الصحراء، وبعد قضاء ليلة على هضبة بو أوت التي يبلغ ارتفاعها 2900 متر فوق سطح البحر يكون هناك خيار أمام محبي المشي الذين يسعون لتحقيق إنجاز وهو المضي قدما على ارتفاع 300 متر إضافية للوصول إلى نزل «كابانا فاسا ريفيجيو» الرائع.
وهذا النزل الصغير يلتصق بشكل خطير بجوانب جبل بيز بو وهو أعلى منطقة جبلية بسلسلة سيلا، وعندما يكون الطقس صافيا يمتد المنظر البانورامي إلى قمة مارمولادا على ارتفاع 3340 مترا.
وتأخذ المراحل التالية من الطريق محبي المشي حول جبل مارمولادا الضخم الذي تكسوه الكتل الجليدية، ولا توجد هنا فروق كبيرة في الارتفاعات غير أن رحلة المشي عبر الأسوار الحجرية خلال المراعي وغابات أشجار الصنوبر الجبلية قصيرة الطول تحت أشعة الشمس القوية يمكن أن تسبب الإنهاك، وبعد الصعود إلى أكواخ منطقة بان دي فونتانا لا يكون الجزء الأكثر مشقة من الرحلة قد انتهى بعد.
ويبقى أمام محبي المشي يوم واحد فقط ليصلوا إلى بيلونو، ويحين الوقت ليقولوا وداعا للمناظر الطبيعية الساحرة بمنطقة الألب، كما يودعون الإيقاع الذي أصبح مألوفا الآن لطعام الإفطار القصير الذي تعقبه ساعات من المشي، وكميات هائلة من الهواء النقي والأمسيات الممتعة التي يقضيها الزوار داخل الأكواخ المشيدة من جذوع الأشجار والليالي الهادئة التي يسودها النوم العميق.
وبعض هواة المشي يقومون برحلة عبر جبال الألب وهم يحملون حقيبة ظهر تحتوي على أغراض يصل وزنها إلى 20 كيلوجراما وهو أمر لا يتم النصح به، فيكفي حمل أغراض شخصية وأدوات يتراوح وزنها بين ثمانية إلى عشرة كيلوجرامات كأساسيات تحتاجها رحلة من هذا النوع. ويجب على محبي المشي أن يأخذوا معهم دائما كميات كبيرة من المياه مع تموين جيد مكون من أصابع الموسيلي وهي مزيج من الحبوب الجافة والفاكهة وتعد وجبات خفيفة مثالية للتناول على الطريق.
«د ب أ»- الحواس الخمس


