«فهلوي، مراوغ، زنديق، داهية، خائن، أمين، أحمق، عربيد، مثالي، وصولي، انتهازي، فوضوي، عبثي، ساذج».. كل هذه الصفات المتناقضة وغيرها الكثير من الصفات المتباينة كتباين ألوان الطيف، صاغتها الدراما المصرية، خصوصا السينمائية في شخصية «المحامي»، ذلك المشتغل بالقانون.

والحريص أبدا ودوما على الحصول على براءة موكله بشتى الطرق والوسائل، ظهر في نماذج شتى تكاد تكون متناقضة تماما، فبين فهلوة عادل إمام الذي قدم هذه المهنة في أكثر من عمل له منها «الأفوكاتو»، و«طيور الظلام»، ظهرت فيها أساليب المراوغة والعبثية في تجسيد الشخصية، إلى ذلك العربيد الفوضوي الذي جسده أحمد زكي في «ضد الحكومة»، والذي ما لبث أن عاد فجأة إلى إنسانيته، واستعاد بقايا شرف وأمانة حرص كثيرا على تشويههما بداخله لكن القدر أبى إلا أن يستعيدهما..

إلى نمط آخر من المحامين الذين يرتدون عباءة الشيطان فيحلون الحرام ويحللون الحلال، ويخونون كل ما أقسموا على أمانته وتأديته، وهذا النمط قدمته الدراما في مئات الأعمال، إلى غير ذلك من الأنماط التي نتعرف إليها عبر السطور التالية.

انتشر مسمى الأفوكاتو كمصطلح دارج لدى العامة في مصر ولا يعلم كثيرون أن أصل الكلمة يرجع إلى اللغة الفرنسية، فطُرحت من خلال المحامي قضايا اجتماعية وسياسية في غاية الخطورة، فلا يمكن أن ننسى أحمد زكي في ضد الحكومة، أو عادل إمام في طيور الظلام.

كما لا ننسى الأستاذة فاطمة، التي جسدتها سيدة الشاشة فاتن حمامة في بداية حياتها الفنية، فقد تم إنتاجه عام 1952م من إخراج فطين عبدالوهاب وبطولة كمال الشناوي، عبدالوارث عسر، عبدالفتاح القصري، رياض القصبجي، صلاح نظمي، لولا صدقي..

وتناول قصة فاطمة التي تخرجت في كلية الحقوق ويتعرض خطيبها المحامي إلى مأزق يتهم على اثره في جريمة قتل، فتضطر للدفاع عنه وهو الذي لم يكن يؤمن بها أبدا كمحامية، حتى تستطيع إثبات براءته وتأكيد جدارتها بهذه المهنة.

ضد الحكومة

بينما قدم الفنان الراحل أحمد زكي نموذجا فريدا لأصحاب الرداء الأسود، وذلك ضمن فيلم ضد الحكومة، الذي شاركه بطولته لبلبة، عفاف شعيب، أبو بكر عزت، المنتصر بالله، أحمد خليل، ومحمد نجاتي.. حيث قدم شخصية مصطفى خلف المحامي الذي اعتاد استغلال سذاجة ضحايا حوادث الطرق.

فيأخذ من أسرهم توكيلات للمرافعة عنهم لطلب تعويضات ويحقق أرباحا طائلة مع مجموعة من زملائه المحامين الفاسدين، حتى يفاجأ ذات يوم بإصابة صبي في حادث ضمن رحلة مدرسية ليكتشف أن هذا الصبي هو نجله الذي يعيش بعيدا عنه مع طليقته، فيتغير سلوكه إلى النقيض.

ويرفض أن يسير في طريق التعويضات المشبوه، لكنه يرفع قضية ضد الحكومة باعتبارها المسؤولة عن حماية وتأمين تلاميذ المدارس، حتى يتحول الأمر إلى قضية رأي عام ويواجه الكثير من المتاعب، ويتم تلفيق بعض التهم له، وتؤخذ قرائن ماضية ضده، لكنه يصر على موقفة ضد الحكومة حتى النهاية التي جاءت حسب قوله في سياق السيناريو لتغسله من كل ذنوبه السابقة في لحظة صدق وصفاء نادرة.

طيور الظلام

بينما قدم الفنان عادل إمام شخصية المحامي في أكثر من عمل سينمائي وبصور متنوعة بين السذاجة والدهاء والانتهازية والوصولية والعربدة المغلفة بإطار من الوطنية والتعاطف مع البسطاء كما في فيلم طيور الظلام الذي أنتج العام 1995، من اخراج شريف عرفة وبطولة عادل إمام، يسرا، جميل راتب، أحمد راتب، رياض الخولي، عزت أبو عوف، عن قصة وحيد حامد.

وتدور أحداثه حول ثلاثة محامين أصدقاء، الأول فتحي نوفل (عادل إمام) الذي يتحول من رجل له موقف إلى انتهازي، يصعد اجتماعياً ليصبح مدير مكتب أحد الوزراء.

والثاني علي الزناتي (رياض الخولي) فهو ينضم إلى الجماعات المتطرفة ويحاول تجنيد فتحي إلى صف جماعته الإرهابية، أما الزميل الثالث محسن (أحمد راتب) فهو موظف بسيط متمرد يقرر أن يبقي بعيداً عن الصراع الدائر بين الحكومة والجماعات الدينية.

فينجح فتحي في توظيف العاهرة سميرة (يسرا) لتعمل في التجارة، ويساعدها بنفوذه حتى تصبح عشيقة الوزير رشدي (جميل راتب) ثم تتزوجه عرفياً، وما يلبث أن يتم القبض عليها فتعترف على فتحي، وفي السجن يلتقي فتحي مع زميله علي، وتستمر المواجهة..

ويقال إن هذا الفيلم كتبه وحيد حامد بعد خلافاته مع منتصر الزيات محامي الجماعات الإسلامية الشهير وأحد كبار قادتها والذي كتب فيه عن شخصية المحامي الخصوصي للجماعات المتشددة.

أيضا، قدم عادل إمام شخصية المحامي في فيلم آخر بعنوان الأفوكاتو والذي شاركه بطولته يسرا، إسعاد يونس، حسين الشربيني، صلاح نظمي، علي الشريف، وقدم فيه أيضا شخصية المحامي الانتهازي الفهلوي والفوضوي، لكن بلمحة إنسانية.

محامي خلع

نموذج آخر للمحامي المستهتر والذكي في آن، قدمه الفنان هاني رمزي بلمحة كوميدية من خلال فيلم محامي خلع الذي تدور أحداثه حول محامي شاب من الأرياف تخصص في قضايا الخلع تقع في غرامه سيدة من الطبقة الراقية تأتي إليه لترفع قضية خلع ضد زوجها.

وتتوالى الأحداث بعد ذلك في إطار كوميدي لتتكشف من خلال الأحداث صراعات المجتمع الذي نعيش فيه من فوارق طبقية إلى قدرة الإنسان على الانسلاخ من بيئته، وشارك هاني رمزي بطولته كل من علا غانم، داليا البحيري، حسن حسني، والإخراج لمحمد ياسين.

سينما المحامين

إلى ذلك، يؤكد الناقد طارق الشناوي أن السينما المصرية أجادت كثيرا في استخدام شخصية المحامي فقدمت أفلاما تعتبر من العلامات في سينما المحامين، فحين انفجرت قضايا التعويضات تلتهم المجتمع من خلال محامين معدومي الضمير يستغلون كوارث البشر لكي يصعدوا على أكتافها ويكنزون الثروات تصدى للأمر الفنان أحمد زكي بفيلم صارخ هو ضد الحكومة الذي يعتبر واحدا من أهم أفلام أحمد زكي وأهم أفلام فترة التسعينات.

ويضيف الشناوي أن السينما لم تتخذ من شخصية المحامي نموذجا دائما للدفاع عن الحقوق بعدالة ونزاهة، إنما قدمته كمادة فساد تدل على فساد المجتمع ككل، والدليل على ذلك فيلم طيور الظلام للفنان عادل إمام.

والذي كتبه وحيد حامد وأخرجه شريف عرفة، والذي تم إنتاجه أيضا في فترة التسعينات، فقد وصف الفيلم الصراع الدائر في الخفاء بين تيارات مختلفة من المجتمع، منها المحامي الممثل للتيارات المتطرفة، وأيضا المحامي الذي يفعل أي شيء لينجو من دائرة الفقر ويصبح من أثرياء المجتمع وأصحاب المناصب العليا، ونموذج ثالث محايد بينهما.

شخصية ثرية

بينما أكد الناقد رفيق الصبان أن السينما استطاعت بذكاء التقاط شخصية المحامي الثرية واستخدامها لطرح قضايا كبرى في شكل مبسط قد يكون كوميديا مثل فيلم محامي خلع الذي ناقش قانون الخلع الصادر في مطلع الألفية الثالثة، والذي تسبب في إثارة زوبعة كبرى للأسرة المصرية، فعلى الرغم من أن الفيلم كوميدي إلا أنه قدم القضية وعالجها بشكل هزلي.

فالسيدة التي تريد التخلص من زوجها لأتفه الأسباب يساعدها المحامي لمجرد أنه أعجب بها ووجد أن الحياة بينها وزوجها الغيور الهمجي مستحيلة بدلا من أن يوفق بينهما؛ لذا تكون طموحاته بأن يرتبط بسيدة ثرية وجميلة تنتمي إلى طبقة تختلف عن طبقته الاجتماعية، سببا في فضائح له ولعائلته، فيعود إلى رشده، ما يعني عودة إلى الأصول وعدم افتعال أزمات لا مجال لها بسبب قوانين غير مدروسة.

ويلفت الصبان النظر إلى المعالجة المرنة التي طرحت قضية المساواة بين الرجل والمرأة من خلال فيلم «الأستاذة فاطمة»، الذي كتبه الراحل علي الزرقاني وأخرجه الراحل فطين عبدالوهاب، والذي تم إنتاجه في العام الذي قامت فيه الثورة المصرية، فتم طرح قضية المساواة بين نصفي المجتمع من خلال قصة حب ومشاكسة بين أسرة فاطمة، فاتن حمامة، وأسرة الفنان كمال الشناوي.

فالمرأة متمثلة في فاتن حمامة تريد أن تثبت للرجل أنها تستطيع أن تنجح في مهنة المحاماة على الرغم من صعوبتها، وهو يؤكد لها أنها لن تنجح إلا وهي معه، وهذا الفيلم، رغم بساطته، يرسخ لتعاون المرأة والرجل في بناء المجتمع، فحين يتعرض الرجل للاتهام في قضية قتل لم ينقذه منها سوى فاطمة، وهذه إشارة إيجابية للفيلم بعيدًا عن قيم الاستهلاك والتسلية.

وقد ساعدت شخصية المحامي في صناعة حبكات سينمائية مثيرة مثل فيلم «ملاكي إسكندرية» الذي قام بدور المحامي فيه الفنان أحمد عز للدفاع عن قاتلة ظن أنها بريئة، فهذا الفيلم يرسخ للدفاع عن المظلوم حتى لمجرد وجود ظن من قبل المحامي بأن موكله مظلوم.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية