منذ ما يقرب من 20 عاما اختفت السينما الاجتماعية الخفيفة، وفي المقابل صعدت السينما التجارية، وأصبحت هي الجواد الرابح في صالات العرض، فلم تعد هناك أفلام مثل «يوم من عمري»، «إشاعة حب»، «صغيرة على الحب»، و«لصوص ولكن ظرفاء»، وغيرها من مئات الأفلام التي نشاهدها إلى الآن على الرغم من مرور أكثر من خمسين عاما على إنتاجها.

وما يسمى بالأفلام الكوميدية الاجتماعية التي نشاهدها اليوم وتناقش قضايا العنوسة وفساد رجال الأعمال والعشوائيات والبطالة، فهي حسب وصف النقاد مفهوم خاطئ يوقع السينما في فخ المباشرة، ويحولها إلى برامج «توك شو» تهتم بعرض القضايا فقط، متجاهلة أن السينما وسيلةً للترفيه، وأن الجمهور لا يذهب للسينما من أجل الحصول فقط على جرعة ثقافية مكثفة، ليبقى التساؤل الأهم:

أين موقع السينما الاجتماعية الآن، وهل يمكن للسينما الاجتماعية الخفيفة أن تحقق إيرادات تغري المنتجين لخوض تجربة إنتاج هذه النوعية من الأفلام مرة أخرى؟.

تصف لنا الناقدة السينمائية ماجدة خير الله المشكلة بقولها: السينما المصرية انخرطت منذ عشرات السنين في نشر موجة جديدة من الإسفاف عن طريق أفلام العنف والجريمة والأفلام الهابطة.

وأصبح الفن التجاري يسطو على الثقافي، ظهر ذلك جليا في نوعيات الأفلام المنتجة تحت ستار مناقشة القضايا المثارة وإشاعة روح الفروسية والرياضة بين الشباب، وبتحليل نفسي بسيط يتبين ما تحدثه هذه النوعية من الأفلام من تدمير عقول ونفوس الشباب في غياب تام للمضمون الاجتماعي لوسائل الاتصال مع الجماهير.

ومن هذا المنطلق، كما تقول خير الله، بدأ النجوم أيضا يتخلون عن مبدأ المشاركة في أفلام اجتماعية كوميدية خفيفة تحكي الواقع الذي نعيشه، واكتفوا بالأدوار البعيدة عن واقع مجتمعاتنا العربية سعيا وراء الأموال والإيرادات وليس الفن ومصلحة الجمهور.

وعن أهمية السينما الاجتماعية الخفيفة المختلطة بالكوميديا، ترى خير الله أن الواقع الاجتماعي المختلط بالكوميديا الخفيفة هو نوع من الهدم وإعادة البناء في الوقت نفسه، وهو سلاح قوي الفاعلية والتأثير .

وهذا ما جعل السينما الأمريكية تعود إليه مرة أخرى بإنتاج غزير من الأفلام الاجتماعية الخفيفة التي تعتمد على سيناريو قوي ومحبوك وبسيط لا يحتوي على مشاهد عنف شديدة أو جنس مفتعل، فلا يشغل بال صُنَّاع السينما هناك المسائل المادية وتحقيق الإيرادات بقدر الأهمية العظمى التي تشغلهم من ناحية بناء الدراما، وتطور الحبكة، حتى يظهر الفيلم على درجة معقولة من الجودة.

صائد الجوائز

واستكمالاً لرؤية ماجدة خير الله، فإن الفيلم الأميركي «صائد الجوائز» يعد من أهم الأفلام الأميركية الممزوجة بالدراما الاجتماعية الخفيفة، حيث يشارك في بطولته عمالقة النجوم الذين استطاعوا إثبات وجودهم على خريطة السينما العالمية، وعلى الرغم من ذلك قدموا الدراما الاجتماعية المعروف نهايتها لنا، على سبيل المثال في السينما المصرية.

وهو زواج البطل والبطلة، لكنهم قدموها برؤية أمريكية بحتة، حيث يعيش المشاهد متعة المشاهدة؛ ليفاجأ بأن خطوط النهاية لم تكن الخطوط التي وضعها في مخيلته، لكن الذي يجعله يشعر بتذوقها طريقة السرد السينمائية.

والتي تعتبر أهم من الحكاية نفسها، وهذه الأمور تجاهلها صُنَّاع السينما المصرية التي خلت خلال السنوات الماضية من هذه النوعية من الأفلام، وتكون النتيجة أننا لا نستطيع تقديم أفلام مثيرة للبهجة تطرح قضايا دون أن تقع في فخ المباشرة، بل الأكثر من ذلك أنها تفتقد لأبسط قواعد الجذب السينمائي؛ حتى أصبح معظم النجوم والمخرجين في حاجة ضرورية لإعادة تأهيل.

تجربة لم تستمر

وطالما نتحدث عن الأفلام الاجتماعية فلابد أن نستحضر تجربة المخرج شريف عرفة التي لم تستمر، حيث كان عرفة من أكثر المنتجين اهتماما بالسينما الاجتماعية الحقيقية، وكانت باكورة أعماله فيلم «الأقزام قادمون»، كذلك قدم العام 1987 فيلمه الثاني «الدرجة الثالثة»، وهو رؤية «فانتازية» حول الصراع التقليدي الذي يدور بين مافيا المجتمع والبسطاء.

وقدم هذا الصراع في صيغة مبتكرة، وأسلوب ساخر، وجاء فيلمه الثالث «سمع هس» من النوعية نفسها العام 1990، وقدم مزيجا من الكوميديا الاجتماعية الحقيقية والفانتازيا الاستعراضية، واستطاع من خلاله تقديم نموذج للظلم الاجتماعي الواقع من كبار اللصوص على الشرفاء، وجاء فيلمه الرابع «اللعب مع الكبار» ليقدم نماذج من العبث الاقتصادي والاجتماعي بمصائر البشر.

ولم يقف شريف عرفة، الذي لقب بشيخ مخرجي الأفلام الاجتماعية، عند هذا الجدل، بل قدم فيلم «يا مهلبية يا» العام 1991، وكان عبارة عن دراما اجتماعية سياسية في قالب كوميدي استعراضي ساخر يطرح رؤية فانتازية خاصة لشكل النضال في فترة الأربعينيات من خلال سيناريو مدروس بعناية فائقة.

وبعدها كرر عرفة تجربته الناجحة مع عادل إمام في «الإرهاب والكباب» الذي يعد أفضل نموذجا للدراما الاجتماعية الكوميدية الخفيفة التي يمكن وصفها بالفانتازيا السياسية، كذلك فيلم «المنسي»، وبذلك أكد شريف عرفة أنه يتميز كمخرج عن مخرجي جيله الآخرين لامتلاكه حس فانتازي كوميدي، ويعتمد الكوميديا ليس للإضحاك أو التهريج.

ولكن باعتبارها أقرب إلى تحريك ذهن المشاهد، وتجعله يستدعي أو يربط علاقات وليس مشاعر فلا يستطيع المشاهد أن يمنع نفسه في التفكير فيها، وبالتالي تؤدي مغزاها.

كباريه وفرح

وإذا كان هناك اتفاق على اختفاء السينما الاجتماعية، وأن نموذج شريف عرفة نفتقده الآن على المستوى السينمائي، فإن الناقد الفني سمير الجمل يرى أن الفيلم الاجتماعي الكوميدي الخفيف لم يغب، ولكن ما حدث هو رغبة صُنَّاع السينما في استثمار الجانب الاجتماعي اختلطت بالجانب التجاري، والدليل على ذلك نجاح فيلم «كباريه»، فجميع النقاد قالوا إن الفيلم اجتماعي رغم ما يحمله من تناقضات متعددة.

لذلك تم استثمار نجاح هذا الفيلم في فيلم اجتماعي آخر هو «الفرح»، حسب قول الجمل، ويضيف: «اشترك الثلاثي سامح عبدالعزيز مخرجا والكاتب أحمد عبدالله والمنتج أحمد السبكي الذي تحمل تكاليف عالية، مقارنة بالتوقعات التي صاحبت الفيلمين.

واستطاع كسر احتكار فكرة نجم الفيلم أو البطل التقليدي، وأصبحت الجماعية هي البديل؛ لذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقال إن الفيلم الاجتماعي الخفيف قد انتهى، وتمت الاستعاضة عنه بالسينما الحديثة، ولكن تم دمجه فيها بحس تجاري، وفهم لطبيعة المزاج العام الذي يحكم المشاهدين».

مهمة الكاتب

ويرى الجمل أيضا أن الكاتب تقع عليه مسؤولية كبيرة في جعل خطوط الفيلم تسير في اتجاه اجتماعي كوميدي خفيف، ويستطيع بمهاراته الفنية الغوص في الشخصيات وتقديمها بأسلوب خفيف وجاد في الوقت نفسه، وهذا ما نجح فيه الكاتب الساخر أحمد عبدالله في «كباريه» و«الفرح».

وفشل فيه في عدة أفلام أخرى حاول مزجها بالدراما الاجتماعية، لكنها تحولت إلى وصلات من حلقات التهريج والسخافة مثل «لخمة رأس» و«عليا الطرب بالثلاثة»، فقد خضع فيها لمنطق السوق ووضع أدواته تحت سيطرة رأس المال ومتطلبات الإنتاج.

كلمني شكرا

ولم يكن «كبارية» أو «الفرح» هما الفيلمان ذات الطبيعة الاجتماعية الكوميدية، على حسب قول سمير الجمل، لكنه أكد أن هناك أفلاما عدة تحمل الصفة نفسها، وإن كان آخرها فيلم «كلمني شكرا» للمخرج خالد يوسف الذي يتميز بخلطة جيدة ما بين الدراما والكوميديا الخفيفة والساخرة أيضا، حيث يتسم بالبساطة وعدم الفلسفة في عرض القضايا، ويسخر مما يجري في الواقع، فيجعل المشاهد يتمتع ويضحك ويتفاعل مع الشاشة والقضية المعروضة.

حيث برع خالد يوسف في السيطرة على هدف ووظيفة الفيلم، عكس ما ينكره عليه النقاد والمناهضون الذين لا يتفهمون ماهية أفلامه، بينما يستطيع هو أن يمسك بخيوط الفيلم كافة، ويحولها إلى دراما اجتماعية من خلال براعته في نسج الأحداث والانتقال فيما بينها، ما يعطيه القدرة على تحقيق إيقاع سريع متدفق؛ ليصبح ملائما لفيلم اجتماعي كوميدي لايت.