«بات من السهل لمن يعانون من الأرق، أو مشاكل اجتماعية، أو ضغوط نفسية في العمل أو المحيط الأسري، معالجة هذه المشاكل عبر التنويم الإيحائي الذاتي أو بواسطة منوم مختص.

فضلا عن إمكانية الغوص في دواخل الأشخاص الذين يعانون من فوبيا مزمنة لا يعرف أسبابها»، بتلك العبارات يتحدث الأستاذ الدكتور الصادق محمد عبد الحليم، خبير التنويم الإيحائي، وأستاذ علم النفس بجامعة الخرطوم ل«الحواس الخمس»، معددا فوائد التنويم الإيحائي التي تعدت العلاجات العادية إلى علاجات الكثير من المشاكل الاجتماعية، خصوصا التي تكون لها تراكمات منذ الطفولة وبواكير الحياة وامتدت أثارها لتشكل عقدة اجتماعية أو سلوكية لصاحبها.

* كيف تعلمت التنويم الإيحائي، وهل لديك شهادات في هذا التخصص؟ ـ تعلمت التنويم الإيحائي عبر كورسات ودراسات متخصصة على يد الخبير الدكتور الطاهر خاطر في مستشفى «العصبية» في الخرطوم بحري في السودان، وساعدني تخصصي في علم النفس في التعمق فيها، حيث نلت بكالوريوس علم النفس من جامعة الخرطوم، ورسالة الماجستير حول الضغوط النفسية، ورسالة الدكتوراه لم تخرج عن إطار علم النفس؛ فكانت عن «علم النفس البيولوجي».

* وماهو التنويم الإيحائي؟ ـ التنويم الإيحائي علم يدرس، وله تقنياته الخاصة، وتاريخ طويل، فقد استخدمه قدماء الفراعنة منذ مئات السنين، لكن البداية الحقيقية لهذا العلم كانت في العام 1788 تحت مسمى «التنويم المغناطيسي»، ثم تطور التنويم الإيحائي وفيه يقوم الطبيب المعالج بتنويم المريض بإيحاءات وعبارات تساعده في الاسترخاء الكامل ثم التدرج في النوم، ومنها النوم الخفيف والعميق والمستغرق، ثم النوم التخشبي، وهو أعلى مراحل التنويم الإيحائي، ويكون فيها جسد الشخص المنوم أشبه بالخشب.

هل لك تجارب تنويم أشخاص ما عبر القدرات الإيحائية؟

كثير من الحالات في السودان، ولدي مشاركتي في المؤتمر الدولي الثاني للرابطة العالمية لعلماء النفس المسلمين، الذي أقيم في الشارقة، وشاركت في ندوة نظمها النادي السوداني في دبي عن التنويم الإيحائي، وقمت بتنويم حالتين الحالة الأولى تنويماً جزئياً لأحد الحضور، ويدعى عبد السلام سيد احمد، وفيه كان المنوم حضورا ذهنيا متكاملا لكنه في حالة استرخاء كامل، أما الحالة الثانية؛ فكانت للطالبة صفية وحيد محمد عثمان، وتم تنويمها تنويماً كاملاً واستنطقت اللاشعور فيها لتسرد لنا تفاصيل من احد أيامها الدراسية عندما كان عمرها أربع سنوات، ثم أمرتها بأداء بعض الحركات وتسليم كتاب لأحد المشاركين في الندوة، وبعد ما فاقت من التنويم سألتها عما فعلت فلم تتذكر شيئا.

وهل لديك تجارب علاجية عبر التنويم الإيحائي؟

عالجت الكثير من الحالات المستعصية، اذكر منها حالة لطالبة في كلية الصيدلة في جامعة الخرطوم كانت تخاف من الطيور «الحمام»؛ فأخضعتها لجلسات تنويم إيحائي متكامل، وخاطبت اللاشعور فيها، وتعرفت إلى جذور المشكلة، وهي عندما كان عمرها أربع سنوات كان عمها يخاف من الطيور وزوجته ترعبه بذلك، فترسخ هذا الخوف في عقلها الباطن، لكن بواسطة الإيحاءات العلاجية قمت بإزالة هذه المخاوف من عقلها الباطن فتماثلت للشفاء، وحاولت في حالة أخرى للاعب دولي في احد الأندية السودانية الكبيرة لكنه لم يستجب للجلسات.

هل يمكن استخدام التنويم الإيحائي بديلا للتخدير الموضعي لإجراء العمليات الجراحي؟

نعم يمكن ذلك، ولا يحتاج الا لقدرات خاصة من قبل المنوم، وبعدها يسهل اجراء العمليات الجراحية، وقد استخدمه الأطباء في السودان كمخدر موضعي لكثير من العمليات الجراحية، منهم الدكتور الراحل التجاني الماحي اختصاصي علم النفس، الذي أجريت له عملية جراحية في رجله من دون تخدير، ولجأ إلى تنويم نفسه إيحائيا ومن ثم أجريت له العملية.

هل يستطيع خبير التنويم الإيحائي أو شخص آخر أن ينوم نفسه.

نعم بالإمكان فعل ذلك، ويسمى علميا التنويم الإيحائي الذاتي، ويمكن لشخص عادي عبر عدد من التدريبات أن يفعل ذلك. وليس ضرورياً لحدوث التنويم أن يكون عقلك الواعي مدركاً لذلك التغيير. ونحذر من عنده ذهان أو غير مستقر عقلياً ألا يحاول التنويم الذاتي.

ومن يريد ان ينوم نفسه أن يحسن اختيار المكان، ويكون مستريحا ومسترخيا بالكامل حتى تحدث عملية التنويم وتحقق أهدافها بالكامل، ويمكن أن يكون جالسا أو ممددا أثناء ذلك، ووضع الجلوس يفضل كونه يمنع الشخص من الدخول في نوم عميق، وينبغي أن تكون الجلسة متوازنة مع النظر إلى الأمام، والتنفس ببطء وسهولة واسمح لنفسك بالاسترخاء الكامل، ومن ثم ستدخل تدريجيا في حالة النوم الخفيف، والتي بعدها يمكن أن تبدأ في تحقيق الهدف الذي نومت نفسك من اجله سواء تعزيز الثقة في قدراتك او الخروج من دوامة مشاكل، أو ضغوط نفسية سواء كانت عملية او اجتماعية.

بمعنى أن تضع لنفسك عبارة نهائية حول الحالة التي تريد أن تكون عليها عندما تكتمل جلسة التنويم، قد تكون الحالة المرغوبة لديك هي أن تعود إلى حالة اليقظة، وأنت تشعر بنشاط وانتعاش وحيوية، أو ربما تكون قد قمت بهذه العملية قبل موعد نومك المعتاد، وتحب أن تخرج من حالة التنويم هذه وأنت مرتاح ومستعد للنوم.

هل بالضرورة تحديد وقت فترة التنويم قبل بدايته؟

نعم يجب تحديد الوقت الذي تريد أن تقضيه تحت التنويم (شْفَكم) وذلك بإعطاء عبارة واضحة ومحددة لعقلك اللاواعي عن طول المدة التي تريدها مثل «أريد أن أدخل في حالة تنويم وأبقى لمدة عشرين دقيقة، وبعدها ستعمل ساعتك الداخلية بدقة لمساعدتك لتكون مستيقظاً في الوقت الذي حددته لنفسك.

كيف نفرق بين السحر والشعوذة والتنويم الإيحائي؟

التنويم الإيحائي كما ذكرت لك علم يدرس وتخصص من تخصصات علم النفس، واكتسابه لا يحتاج إلى قدرات خاصة والعمل به يتوافق مع الكتاب والسنة بعكس الدجل والشعوذة، كلها أعمال تتعارض مع الدين والأخلاق والأعراف الاجتماعية، وأعمالهم ادعاءات جزافية لا تستند لعلم ولا دراسات.

ما طبيعة اللغة التي اخترعتها للتواصل بين الصم والمكفوفين؟

البداية كانت عبر بحث لطلاب علم النفس بجامعة الخرطوم أشرفت عليهم للتوصل إلى لغة بين المكفوفين والصم، وهي تستند على اللمس، ولاحقا طورتها إلي لغة تواصل متكاملة عن طريق اليدين بحركات لمس متبادلة وهي عبارة عن جهاز مزود بسماعة وشاشة وكيبورد للكتابة، حيث يقوم الكفيف بكتابة ما يريد وتظهر كتابته على الشاشة؛ فيتمكن الأصم من قراءتها، ويرد الأصم؛ فيتحول رده لصوت يسمعه الكفيف وهكذا.

هل تم تجربة الجهاز واثبت نجاحه؟

من ابرز نتائجها تمكن شاب كفيف من التواصل مع أخته الصماء بعد فشله في ذلك على مدى 24 عاما.

هل جائزة الملكية الفكرية التي نلتها من جنيف لها علاقة باختراع لغة التواصل بين المكفوفين والصم.

هي جائزة دولية لا علاقة لها بالاختراع، عبارة عن ميدالية ذهبية، وشهادة تمنحها منظمة «الوايفو» ومقرها جنيف لأصحاب التفوق الأكاديمي وأفضل طرق تدريس في العالم، واعتبر ثاني خمسة في العالم يحملون هذه الجائزة وقد نلتها في حفل نظم بجامعة الخرطوم بتاريخ 23 من مارس.

دبي - عماد الدين إبراهيم