الأعمال التشكيلية على مستوى العالم تُعد من المقتنيات التي تُباع بمبالغ طائلة، باعتبار أنه كلما مرَّ عليها الزمن علت قيمتها فنيًا وماليًا، ما أثار شهية الفنانين المصريين لعرض أعمالهم لتحقيق الثراء من خلال بورصة الفن التشكيلي المشتعلة، والتي صارت حلم كل فنان يرغب في تسويق لوحاته، إلا أن بعض الفنانين لم يُعيروا هذه الحروب السِّعرية أي اهتمام، وفضَّلوا الاحتفاظ بأعمالهم معتبرين إيَّاها لا تُقدَّر بثمن.. وبين الحالمين باستثمار الفن، والمكتفين بعرضها فقط لهواة المستمتعين بالجمال، آراء مختلفة..
بداية يؤكد الفنان التشكيلي إبراهيم عبدالملاك أن بورصة الفن التشكيلي أصبحت ضرورية للغاية بعد بروز «موضة» ارتفاع أسعار الأعمال التشكيلية من لوحات وتماثيل في صالات العرض العالمية؛ لأنها تُعد من أهم الاستثمارات الفنية في العالم، فمن الممكن أن تكون هناك لوحة واحدة يصل سعرها إلى 1000 دولار، وتُباع في العام التالي بـ10 آلاف دولار، لكن في الحقيقة يتأثر واقع الفن التشكيلي في مصر بعدة أمور، أهمها عدم توافر الوعي الكافي لدى مؤسساتنا الحكومية والأهلية لإدراك قيمة هذه الأعمال الفنية.
ويشير إلى أن مصر شهدت في الفترة الأخيرة طموحات تجارية تُشكل الوجه الحقيقي لعدد من الصالات والمعارض التي اتسمت بوضع الأسعار على بعض اللوحات وليس عرضها فقط، كما كان يحدث قبل ذلك، وأصبح الهدف هو الاستثمار والربح حتى تفاقمت الأزمات بأن تحوَّل الإبداع إلى سلعة، وأصبح الفنان يبحث عن الربح فقط، ما جعل الكثيرين يتجهون إلى تسويق كل ما هو مطروح، مستهلك، مألوف، ومستنسخ، فظهرت على سطح الواقع التشكيلي أسماء معروفة بدأت تساير موضة ارتفاع أسعار اللوحات التشكيلية من أجل البيع، على الرغم من أن المبدعين الحقيقيين يرفضون بيع لوحاتهم بملايين الدولارات ظنًا منهم أن الفن لا يُباع ولا يُشترى.
أحلام ثراء... ولم تتوقف رغبة الثراء عند الكبار فقط، بل أصبحت تطلعات الفنانين الشباب خُرافية، لدرجة أن «هاوية» لا تزال في بداية طريقها فرضت أسعارًا عالية على لوحاتها التي تخلو من الإبداع، لكنها تمكنت بالفعل من ترويجها لدى عدد من رجال الأعمال الذين يدفعون أموالهم في أي شيء حتى وإن كان لا يساوي ربع هذا المبلغ؛ حيث يقومون بالإنفاق بسخاء لاقتناء لوحات رديئة، في حين يسكن الفن الجيد في صالات المحترفين بعيدًا عن المجموعة التي اعتبرت نفسها منشقَّة عن الجيل القديم، وأقامت معارض خاصة معتمدة على علاقاتها الشخصية لتسويق أعمالها، ويبقى المقتني هو الضحية.
آليات جديدة
أكد عبدالملاك ضرورة إيجاد آليات واضحة ودقيقة للتعامل مع الأعمال الفنية، وأن يلعب النقاد دورهم في تقويم العمل الفني؛ حيث يتطلب ذلك منهم أن يكونوا على دراية بقيمة الفنان وتاريخ لوحاته، بشرط أن تُترك بعض الأمور لتخضع لسياسة العرض والطلب، ليس هذا فقط، بل يجب على نقابة التشكيليين أن تلعب دورها في تأسيس بورصة حقيقية للفن التشكيلي في مصر، فقد أصبح إنشاء لجنة يجتمع فيها أصحاب القاعات الخاصة والفنانين والعارضين بصفة مستمرة ضرورة مُلحة بغرض التنسيق فيما بينهم، حتى يكون لبورصة الفن التشكيلي أهمية خاصة يستفيد منها العارضون الذين يُسهمون بأعمالهم لتقويمها، ومعرفة أسعارها الحقيقية.
تقييم اللوحة
وعن الأساليب المتَّبعة - حاليًا - لتقويم اللوحات الفنية، يقول الناقد التشكيلي حمدي أبو المعاطي إنه يتم تحديد قيمة الفنانين بناءً على تقسيمهم إلى أجيال، من روَّاد إلى كبار ثم وسط فشباب، كما يوضع في الاعتبار درجة شهرة الفنان، والخامة المستخدمة في رسم اللوحة أو عمل التمثال، ثم نوعية الفكرة ومدى إتقان تنفيذها»..
ويضيف إن هناك طرقًا أخرى لتقدير اللوحة وذلك بناءً على مساحتها باستخدام «السنتيمتر» كوحدة قياس، إلا أن هذه الطريقة غير متَّبعة في معظم الأحيان، ما يؤدي في النهاية إلى عدم وجود طرق محددة وواضحة يتم على أساسها عمليات البيع والشراء، والدليل على ذلك أن معظم قاعات عرض اللوحات الفنية تعمل بشكل عشوائي، وتهتم فقط بكبار الفنانين الذين تُقدر لوحاتهم بآلاف الجنيهات، وبذلك تضمن بيع لوحاتهم، وتحقيق المكسب المطلوب.
تكدُّس وكساد
في حين كشف الفنان التشكيلي حمدي أبو المعاطى عن وجود تكدُّس في المعروض من اللوحات الفنية، وكساد في السوق، وركود في الفن التشكيلي بشكل عام؛ بسبب الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعديد من رجال الأعمال الذين يُعتبرون أهم زبائن المعارض التشكيلية، كما أن الحالة الاقتصادية للأفراد، وارتفاع أسعار اللوحات، وتعامل الناس مع الفن باعتباره مادة تكميلية أو ترفيهية، أدى إلى انتشار الكساد، وانحصار معرفة الجمهور بالفنانين الكبار، وتجاهل المبتدئين.
إلا أن الفنان محمد مندور فجَّر مفاجأته في أن نظام «البينالي» أعطى دفعة قوية للكبير وللصغير لكي ينتج أعمالاً جيدة؛ ليشارك بها.. موضحًا أن السبب الرئيسي في ركود الفن في مصر هو عدم التفات الحكومة إلى قيمته، إضافة إلى تقييد مَن يريد أن يُظهر ما لديه من مواهب، كما شكا مندور عدم اهتمام المراكز الثقافية بالفن التشكيلي.
كما تفعل المراكز الثقافية الأجنبية هنا في مصر؛ حيث تعتز بفن بلادها، وتقدمه في أحسن صورة، لكن المؤسف - حسب قوله - أن قطاع الفن التشكيلي في مصر لا يهتم بعمل أرشيف فني لكل فنان؛ ليسهل عمليات البيع والشراء حتى يتم التوصل للفنان التشكيلي بسرعة من خلال قاعدة بيانات عن كل واحد، ولكي تكون العملية منظمة، وتسير في إطارها الصحيح.
احتكار المبتدئين
وعن نظام الاحتكار الذي ظهر أخيرًا في بعض البلدان الأوروبية، يقول مندور: «إن هذا النظام يقوم على احتكار الفنانين المبتدئين؛ حيث يتم التعاقد معهم بتوفير الخامات المستخدمة مقابل حصول الفنان على 30% من قيمة اللوحة».. مشيرًا إلى أن هذا النظام من المتوقع أن ينجح في مصر إذا تم تطبيقه في الوقت الحالي، خاصة مع الشروع في إنشاء شركتين لتسويق الأعمال التشكيلية برأس مال عربي، وإدارة مصرية يشترك فيها بعض رجال الأعمال المصريين مع شركاء أوروبيين ولبنانيين، وستقوم الشركتان بشراء أعمال الفنانين المصريين والعرب، وعرضها في معارض دولية بهدف ترويجها.
ترفٌ اجتماعي
الفنان محسن شعلان رئيس قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة المصرية، أكد أن التشكيليين المصريين في حاجة إلى تطوير للموهبة أولاً وتصاعد قدرتها الإبداعية؛ لأن الواقع لا يزال يؤكد أن الفن لدينا مظهر من مظاهر الترف الاجتماعي، خاصة أن السوق الفنية تجعل من عملية الاقتناء ربحًا واستثمارًا على المدى البعيد، حتى أصبح اقتناء الصور والتماثيل أحد مظاهر الثراء السريع، بمعنى أن مَن يقتني لوحة فنية خلال العام 2010، ويقوم ببيعها في 2011 سيحقق مكاسب طائلة، لكن مع وجود البورصة الفنية ووجود معايير، فإن الأسعار لن تكون في زيادة مستمرة؛ لأن البورصة التشكيلية ستمنع التلاعب في الأسعار..
وأضاف شعلان أن الفن التشكيلي العالمي حقق أرباحًا خيالية لكبار رجال الأعمال؛ لذلك تسابقت الشركات وتجار اللوحات العالمية للاستثمار في مجال الفن التشكيلي؛ حيث حققوا ملايين وحقق بعضهم مليارات، والدليل على ذلك لوحة «الموناليزا» التي قُدرت قيمتها المادية بما يعادل ثمن حي من أحياء باريس، وما زالت ضمن 35 لوحة على مستوى العالم تحقق أرقامًا قياسية.
وهي محفوظة - حاليًا - في متحف اللوفر خلف واجهة زجاجية لا يخترقها الرصاص، كما أن لوحة بيكاسو «الصبي والمجنون» بيعت خلال العام 2005 بمبلغ 100 مليون دولار، وغيرهم من الفنانين العالميين الذين تبرز أسماؤهم أمثال «كلود مونيه، رينوار، سيزان، ماتيس وغوغان» وغيرهم من الذين تحتل أعمالهم الفنية واجهة الصدارة في بورصة الفن التشكيلي عالميًا.
نجاح باهر
الفنان محسن شعلان رئيس قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة المصرية أعرب عن تفاؤله بمستقبل الفن التشكيلي في مصر بعد النجاح الباهر الذي حققته معارض كبار الفنانين التشكيليين الذين لم يسعوا يومًا إلى الربح من وراء بيع لوحاتهم، وإنما كان هدفهم الوحيد الارتقاء بهذا الفن الأصيل، ومنهم د. أحمد نوَّار، فرغلي عبدالحفيظ، وكانت آخر هذه المعارض الناجحة معرض الفن التشكيلي في جدة.



