د. نبيل بهجت، أستاذ المسرح بجامعة القاهرة وأكاديمية الفنون، مدير بيت السحيمي التابع لصندوق التنمية الثقافية المصري، يعيش مع التراث أكثر من 15 عاماً، وأسس فرقة «ومْضة» المسرحية للأراجوز وخيال الظل الذي يوثق التراث الشعبي المصري.

ويُعيد إحياء فني الأراجوز وخيال الظل بعد أن أوشكا على الانقراض، كما يطرح فكرة استثمار التراث العربي والاعتداد به كمصدر اقتصادي.. «الحواس الخمس» يعيش لحظات وأفكار تراثية وعصرية في ضيافة د. نبيل بهجت..يقول بهجت عن فكرة إنشاء فرقة «ومضة»: أعمل في التراث الشعبي بجميع مفرداته منذ أكثر من 15 عاماً، والإعداد لفرقة «ومضة» بدأ منذ نحو 10 أعوام بعد أن عملت بحثياً على العروسة الشعبية، خاصة الأراجوز وخيال الظل لمدة 3 أعوام في الموالد.وقتها لمست عن قرب أن الثقافة المصرية مليئة بالمفردات التي تستطيع أن تعبِّر عنا، ولمعت في رأسي فكرة توثيق هذا التراث الذي يُعاني من النسيان والإهمال، فبدأت البحث في الشوارع والموالد، وسؤال الأكاديميين عن هذه المفردات لكنني للأسف وجدت أن هناك حالة انفصال للأكاديميين عن المجتمع.وأنا أؤمن بأن الأكاديمي لا بد له من تجربة داخل الواقع يطبّق من خلاله ما تعلمه نظرياً، فأكملت رحلة البحث بنفسي، وخلال ذلك تعرفت إلى المخرجة المصرية المقيمة في الولايات المتحدة إيزيس سرتال، والتي حذّرت من انقراض فن الأراجوز وخيال الظل، من هنا جاءتني فكرة إنشاء فرقة خاصة تعمل على إحياء هذا التراث، وفي وسط هذا الظلام اخترت لها اسم «ومضة».

معرض ضوئي

ويتابع قائلاً عن اهتمامه بالتراث بإقامة معرض ضوئي للحِرف اليدوية في مصر: الحِرف اليدوية إحدى مفردات التراث الذي أوشك على الانقراض، فكانت فكرة توثيق هذه الحرف عن طريق الصور الفوتوغرافية التي تعتبر بمثابة أرشيف لها، فجاء المعرض الذي أقمته بالتعاون مع منظمة اليونسكو تحت عنوان «إبداع الحرف اليدوية في مصر».

عملت على لوحاته لمدة 3 أعوام، حاولت فيها جمع وتوثيق الحرف اليدوية، لاسيما أن هناك أكثر من 350 حرفة يدوية في مصر تم نقلها من الأجداد إلينا، وهذه الصور تأتي كمرحلة أولى أُوثق من خلالها 100 حرفة فقط، وهناك نية لاستكمال مشروعي فقد قمت بتصوير 5 آلاف صورة توثق جميع الحرف.

جمعتها من خلال التجوّل في محافظات مصر المختلفة شمالاً وجنوباً مثل القاهرة، الإسكندرية، الأقصر، الفيوم، أسوان، والشرقية، وعمدت في هذا المعرض إلى إظهار الحرفيين الأصليين، وتسليط الضوء عليهم بما يمكّنهم من دعم منتجاتهم وحفظها من الاندثار.

وسعيت من خلال الصور إلى التركيز على جماليات هذه الحرف من خلال أخذ كادر جمالي لها لتكون الصورة منتجاً، فالعامل اليدوي يستخدم جسده داخل عملية التصنيع، وهذا أعطاني نوعاً من التمازج الإنساني الجمالي في التشكيل داخل الصورة بين المادة والجسد.

اقتصادات تراثية

أمّا الأهداف التي رسمها لخطط «ومضة» التراثية، فيقول عنها: تقوم الفرقة على مفهوم كيفية استخدام مفردات التراث المصري والعربي، وتفعيل اقتصاداته، بمعنى استثمار هذا التراث والاعتداد به كمصدر اقتصادي.

فلكل دولة عربية ثقافتها وتراثها الشعبي، والاستثمار في هذا التراث سيعود على الدخل القومي بالنفع، فالفرقة تسعى للاستفادة اقتصادياً بخلق فرص عمل، وبالمحافظة على مُقدّمي هذه الفنون ككنوز بشرية، فمصر مثلاً لا تمتلك منتجاً بحجم الثقافة تستطيع أن تسوِّقه وتعتمد عليه.

كما أن دول العالم تُعيد الاهتمام بتراثها مرة أخرى حفاظاً منها على الهوية، كما تهدف الفرقة لأن تصبح بمثابة مدرسة يلتحق بها الراغبون في تعلّم هذه الفنون الشعبية؛ ليتخرجوا فيها وقد امتلكوا أدواتهم المنبثقة من التراث، رغبةً من الفرقة في خلق كوادر جديدة لإحياء هذه الفنون.

ويستطرد قائلاً عن شعار «لدينا ما يستطيع أن يُعبِّر عنا» : لاحظت خلال رحلتي البحثية أن جميع الدُّمى والعرائس ذات ملامح غربية، وكأن المصريين ليس لهم ملامح يستطيعون بها التعبير عن أنفسهم، ما جعل نموذج الجمال السائد هو النموذج الغربي؛ لذا تنطلق الفرقة من معطيات التراث احتفالاً بثقافتنا.

وكسراً لمفاهيم العجز التي تسيطر علينا، وتطرح الفرقة في أسلوبها ومضمون ما تقدمه منهجاً يمكن أن نطلق عليه «فنون الضد»، أي ضد الهيمنة الوحيدة على العالم، وصياغته بشكل يتفق مع مصالح القطب الأوحد الذي يسعى لإلغاء التعددية الثقافية.

والتي هي الضمان الوحيد لاستمرار النوع البشري؛ لذا كان شعار الفرقة «إن لدينا ما يستطيع أن يعبر عنا»، أي نملك حالة من التراث والثقافة يمكن تقديمها للآخر في حُلَّة مبهرة، فنحن نقف بقدم في التراث، وبالقدم الأخرى في الواقع.

وعما إذا كان نشاط «ومضة» قاصراً على مصر فقط يقول: لا، فالنشاط يمتد خارج مصر، أقامت الفرقة 20 ليلة عرض في تونس ما بين عامي 2004 و2009، و121 ليلة عرض في أميركا.

كذلك أقامت عدداً من معارض العرائس في نيويورك، بنسلفانيا، أتلانتا، إسطنبول، والقاهرة، كما أقامت ما يزيد على 50 ورشة تدريبية خارج مصر وداخلها لتعليم الفنون الشعبية، وللعلم فقد لمسنا الإعجاب بتراثنا وبثقافتنا العربية، خاصة الأراجوز وخيال الظل.

الأراجوز وخيال الظل

وعن فن الأراجوز وفن خيال الظل يضيف: أول أشكال المسرح التي عرفها العرب في بغداد نقلاً عن الهنود والصينيين، وانتقلت إليهم عبر إيران قبل أكثر من 8 قرون، وبعد سقوط بغداد في القرن 13 إثر الغزو المغولي، قام طبيب العيون «ابن دانيال الموصلي» بنقل خيال الظل إلى مصر.

حيث شاعت الفكرة لدى المصريين، وعملوا على نقل حكاياتها إلى شخصية الأراجوز، لكن الفارق بين الفنين كبير، فالأراجوز عروسة من الخشب تمثل الشخص «الفهلوي»، الذكي، ابن البلد، سليط اللسان الذي يثأر للفقراء، ويسعى دائماً لفضح المسكوت عنه بتحطيم المحظور المفروض على المجتمع من قِبل المؤسسات الرسمية والثقافية والدينية.

أما خيال الظل فهو فن يعتمد على عرائس متحركة بواسطة اليد أو بخيوط مربوطة بها خلف ستارة بيضاء مُضاءة من الخلف بعد إطفاء النور في قاعة العرض؛ حيث تبدو ظلال العرائس على الستارة المواجهة للمتفرجين، ثم يكون تحريكها وفقاً للحوار المسموع في الخلفية، وتاريخياً كان هذا الفن معروفاً قبل المسرح والسينما، فتوقف النشاط فيه؛ حيث كان وسيلة من وسائل التسلية والترفيه عن النفس.

وعن المعارض الأخرى التي تدور في فلك التراث يقول: أقمت عدداً من معارض التصوير الضوئي في مصر وخارجها، فكان معرض التصوير الضوئي بأميركا و4 معارض داخل مصر، بخلاف إبداع معرض «المولد» الذي يسجل بعض مظاهر الحياة داخل الموالد الشعبية.

خاصة زفة مولد النبي وما تضمه من أشخاص وطقوس غريبة، كذلك معرض «صور من الحياة الشعبية» الذي حاول نقل صور للجمال الفطري في الحياة الشعبية في مصر بمختلف جوانبها، ومعرض «خطوط صحراوية» الذي عمدت فيه إلى التقاط ما تُبدعه الصحراء من تصميمات خاصة بها.

والتي تضاهي أدق التصميمات الإنسانية، ومعرض «في الظل» الذي قمت فيه بتصوير بعض التكوينات ذات الطابع الجمالي لإظهار العلاقة بين الظل والضوء والحياة.

وعن إصداراته التي تحمل اهتماماً بالتراث يقول: يصدر لي قريباً كتاب «مسرح الأراجوز في مصر»، باللغتين العربية والإنجليزية، من خلال المجلس الأعلى للثقافة بعد أن عملت على مادته لمدة 10 أعوام، كما يصدر قريباً كتاب يضم الحِرف اليدوية في مصر، وهو بمثابة رحلة أرصد من خلالها مسارات هذه الحرف عبر مختلف العصور.

استثمار عربي

ما أتمناه أن يكون هناك استثمار عربي في الأفكار التراثية، وأن نعيد استخدامها بشكل اقتصادي، وربطها بآليات الاقتصاد، فهذا هو السبيل الوحيد للحفاظ على هذا التراث، كما أهمس في أذن الشباب العربي بشعارنا الدائم «لدينا ما يستطيع أن يُعبِّر عنا»، وأدعوهم للتمسك بالهوية العربية، وبهذا التراث الشعبي، حتى لا يذوب من بين أيدينا كقطعة ثلج في صحراء العولمة.