ما زلت أتذكر ذلك اليوم الذي هاتفتني فيه صديقتي لتعنفني بقسوة عن كمدي وعزلتي واستسلامي للحزن واليأس في الظل الأسود الذي تركه فقدان أخي على روحي قبل أعوام، قالت لي (لست ملكا لنفسك، تفعلين بها ما شئت، عليك ان تعي ذلك ـ هكذا بادرتني انت ملك لكل من أحبوك ويحتاجون إليك وأولهم ابنك وآخرهم نفسك هل تفهمين؟)
أغلقت السماعة ولعنت حينها الساعة التي أصبح فيها حتى الحزن والكمد والضعف لحظات ترف ليس من حقنا الهروب اليها ولو لوقت، ولكني بعدها عرفت، انها كانت درسي الأكبر في الحب والإيثار فحياتنا ليست ملكا لنا،علينا أن نهتم بها ونرعاها لأجل غيرنا، لكل من أحبونا ونحبهم ومسؤولين عنهم ومنهم، لذا أقول لكل من يستسلم للحزن انهض وانفض تراب الحزن عن روحك قبل ملابسك، لتكمل المشوار.هكذا عبرت نجوى حمندي (وظفة) عن تجربتها في الفقد حيث يواجه الناس بين الحين والآخر تجربة فقد الأحبة فيعيشون حالة حزن وكآبة قد لا يخرجون منها، فالتعامل مع هكذا تجربة يحتاج قوة داخلية لمقاومة فكرة أن عزيزا تعودنا وجوده في حياتنا قد غاب الى الأبد، لذا قد يقع بعض الأشخاص فريسة الحزن الذي لا يستطيعون الخروج منه.
فتقول شكران غالي كانت تجربة فقدان أبي مريرة جدا لي وما زلت أعاني منها حتى الآن، فقد توفي بعد إصابته بالسرطان وأنا في مرحلة المراهقة، فاسودت الدنيا بعيني ولم أجد من يستطيع أن يعوضني عن حنانه على الرغم من اهتمام أخوتي الكبار بي، صرت أبكي كل ليلة وأحزن حين أرى الآباء يأتون إلى المدرسة للسؤال عن بناتهم، لذا أنا أكره الفقد وأتمنى أن أموت قبل أحبتي لكي لا أعود للحزن مرة أخرى.أما أحمد محمد جاسم فيقول حين شاهدت زوجتي تموت بين يدي أصبت بصدمة شديدة فقد فاجأتها أزمة قلبية فقدت الحياة على أثرها ووجدتني وحيدا مع أربعة أطفال لم يتجاوز كبيرهم الحادية عشرة من عمره، حاول أهلي مواساتي وبقيت أخواتي معي في البيت وكان حزني كبيرا حتى أني نسيت الاهتمام بأطفالي.حتى جاءني ابني البكر وقال لي يا أبي نحن فقدنا أمنا فهل تريدنا أن نفقدك أنت أيضا، شعرت حينها أني كنت أنانيا في حزني وأن أطفالي أكبر مصيبة مني وأن علي تعويضهم عن فقدانهم، لذا كرست وقتي لهم وأصبحنا أصدقاء نسافر معا ويخبرونني بكل ما يواجهونه في يومهم، وها قد مرت ست سنوات ونحن نحاول أن نبقى متماسكين وأقوياء أمام شعور الفقد هذا.
صالح الربيعي فقد زوجته كذلك، لكنه ما يزال يعيش على ذكراها إذ يقول حين فقدت زوجتي شعرتي أني أفقد حياتي الى الأبد، وبعد مرور سنوات على فقدها ما زلت أشعر أني مرتبط بها لذا تثقل علي أيام الأعياد وكل المناسبات السعيدة ويصعب علي فراقها، وما زلت اشعر بانتمائي إليها أكثر من انتمائي للحياة.
مواجهة الحزن وحالة الفقد تمثل حالة نفسية يجب مراعاتها والتعامل معها بطريقة واعية حيث يقول الدكتور خليل الكرخي اختصاصي الأمراض النفسيةأحب ان أتكلم عن انفعال الحزن التي تحدث بعد فقداننا عزيز أو حبيب بالموت هذه الانفعالات ممكنألا تكون بشكل أنماط فكرية وأحاسيس جسدية واضطرابات في العواطف والسلوك ونحاول .
حيث تشمل أنماط التفكير الرافضة مثل عدم التصديق بنبأ الوفاة وخاصة عندما يكون مفاجئا، وكذلك الإرباك الذي يسبب النسيان واضطرابات التركيز واحتلال الفكر حيث يقضي المنكوب وقتا طويلاألا يفكر بالفقيد ومعاناته وموتهألا والإحساس بوجوده.
ألا وخاصة بعد مدة قصيرة من الموت والهلوسة حيث نرى ونسمع الحبيب الفقيد في الأسابيع الأولى من الموت، إضافة إلى الأحاسيس الجسدية مثل الضيق في الجبهة البلعوم والصدر وجفاف الفم وصعوبة التنفس والغثيان وشعور بخواء المعدة وفرط الحساسية للضوضاء وقلة الطاقة والضعف والشعور بتغير الشخصية فضلا عن اضطراب العواطف حيث الصدمة .
وخاصة بعد الموت المفاجئألا والحزن فتكون لدى الشخص القابلية على الإثارة والغضب بسبب إنه لم يستطع منع الموت، فينتج نوعا من المعاناة الارتدادية النكوصية الطبيعية لان الفقيد ابتعد منا وكذلك الشعور بالذنب وخاصة في حالات الانتحار ويقل عن طريق اختبار الواقع وكذلك الشعور بالقلق والوحدة وخاصة عندما تكون العلاقة قريبة أو تشوبها صراعات والشعور بالإعياء واليأس والاشتياق إلى رؤية الفقيد الحبيب، وقد يتولد شعور بالتحرر .
وخاصة في بعض العلاقات المعقدة التي كانت تشوبها الصراعات والشعور بالراحة وخاصة في المرض المزمن والمعاناة الطويلة الأمد وقد يتبعها تأنيب الضمير والشعور بالذنب، ويمكن أن تحدث اضطرابات في السلوك مثل اضطرابات النوم ألابسبب الخوف من إن ينام وحده أو ينام ولا يصحو أو الخوف من الأحلام.
كذلك اضطرابات الشهية للطعام وفقدانها أكثر من زيادتها وسلوك الذهن السارح او الشارد وخاصة عند قيادة السيارة أو عبور الشارع والعزلة الاجتماعية لفترة قصيرة والامتناع عن مشاهدة التلفزيون والصحف اليومية والأحلام حول الفقيد وتجنب الأماكن والأشياء التي تذكرنا بالفقيد وأحيانا زيارة الأماكن وحمل أشياء تذكرنا بالفقيد ولا بد من التأكيد أن للبكاء قيمة شفائية عالية تساعد على تحسين المزاج لان الدموع تحرر مواد كيميائية مغيرة للمزاج، الأمر الذي يخفف من حالة الحزن والتوتر، لذا ينصح الفاقدين لأحبتهم بالتعبير عن حالتهم بالبكاء ليتجاوزوا محنتهم.
دبي - دلال جويد


