مع إقبال كل صيف يتكرر المشهد في الجزائر؛ مئات الآلاف يحزمون أمتعتهم ويغادرون باتجاه أوروبا وأميركا وآسيا، لكن خصوصا نحو الجارة تونس لقضاء أيام أو بضعة أسابيع بحثا عن الراحة والاستجمام، وهي الفرصة التي على ما يبدو لم تتح لهم في وطنهم على الرغم من توفر كل المقومات التي تجعل منه بلدا سياحيا بامتياز.

يتساءل كثيرون عما الذي يمنع الجزائر، هذا البلد الذي يمتدّ شريطه الساحلي على أكثر من 1200 كيلومتر وصحراؤه على أكثر من 2000 كيلومتر ومؤهلات طبيعية استثنائية، من بلوغ مستوى تونس و المغرب على الأقل، مفضلا البقاء على هامش التطور السياحي.تظهر بيانات اقتصادية أن نسبة السياح المتدفقين على الجزائر، من إجمالي السياح في العالم، لا تتجاوز 2 في المئة سنويا، وهو ما يجعلها مصنفة من حيث حصة السياحة في الناتج المحلي الخام في الرتبة 147 من مجموع 174 دولة.وقطاع السياحة يمثل فقط 9ر3 في المئة من قيمة الصادرات و5ر9 في المئة من نسبة الاستثمارات المنتجة و1ر8 في المئة من الناتج المحلي الخام. ببساطة الجزائر لم يزرها سوى 9ر1 مليون (اغلبهم من المغتربين المقيمين بأوروبا) من بين 800 مليون سائح في العالم خلال العام الماضي.

ويقول وزير السياحة السابق شريف رحماني، الذي اكتفى بحقيبة وزارة البيئة فقط بموجب التعديل الوزاري الأخير: إن الجزائر ترغب في تدارك ما ضيعته في القطاع السياحي خلال أزمة العنف التي عرفتها البلاد أو ما يصطلح عليه ب«العشرية السوداء». ويضيف بنبرة يشوبها التحسّر «لا يعقل أن تبقى الجزائر على الهامش، مع المؤهلات التي تمكنها من افتكاك مكانة في حوض المتوسط».فشل سياسات الحكومة وتداعيات الأزمة الأمنية أهم أسباب تراجع قطاع السياحة، لكن ربما ما تحاشى الوزير الاعتراف به هو تعثر كل السياسات الحكومية الموجهة للنهوض بالقطاع على الرغم من الأغلفة المالية المعتبرة المخصصة لذلك؛ فأين يكمن الخلل؟ لا يتردد الإعلامي علاوة حاجي، في ربط وضعية السياحة في الجزائر بتداعيات الأزمة الأمنية التي عصفت بها خلال تسعينيات القرن الماضي، والتي أثرت بشكل سلبي على صورتها في الخارج، مع الأخذ في الحسبان الدور السلبي الذي لعبته بعض وسائل الإعلام الأجنبية التي رسمت صورة قاتمة للجزائر خلال تلك الفترة، ما أدى إلى تقلص أعداد السياح الذين يقصدونها بنسب كبيرة.

لكن الإشكالية التي تعيق تطور السياحة في الجزائر لا تنحصر حتما في الجانب الأمني، يضيف حاجي، وإنما ترتبط أيضا بالخدمات السياحية الباهظة وثقافة المواطن السياحية التي تطورت سلبا بالنسبة للسياحة ونقص الاحترافية، مبرزا نقص الهياكل الأساسية في الفندقة والمرافق السياحية، كأكبر المشاكل.

إذ إن الطاقة الاستيعابية لجميع الفنادق الموجودة في الجزائر لا تتجاوز 85 ألف سرير، 66 في المئة منها تابعة لفئة الفنادق غير المصنفة. في حين القدرة الاستيعابية بتونس تزيد على 230 ألف سرير، وأكثر من 150 ألف بالمغرب.

ليست تلك العوامل وحدها التي جعلت الجزائر تعجز عن جذب السياح، فهناك من يتهم السفراء والقناصلة بلعب دور سلبي في الترويج لوجهة بلادهم، متسائلين عما يقولونه في الاجتماعات واللقاءات التي يحضرونها.

الوكالات السياحية في قفص الاتهام ويتحدث حكيم.

وهو خبير في مجال النشاط السياحي، عن مفارقة وقف عليها لدى الوكالات السياحية المحلية التي تعمل، حسب قوله، على توفير كل المعلومات والصور عن الإرث والمواقع السياحية للكثير من الدول ما عدا الجزائر.

وتشير أرقام رسمية إلى أن عدد الجزائريين الذين قصدوا تونس الصيف الماضي تجاوز مليوني سائح مقابل 15 ألف في النصف الأول من العام الماضي نحو تركيا و10 آلاف إلى مصر و7900 إلى الإمارات العربية، وبلغ عدد المتوجهين إلى مدينة مراكش المغربية ما يقارب 17 ألفا.

وتنفي الوكالات السياحية في الجزائر عن نفسها تهمة «تصدير السياح الجزائريين» إلى الخارج ، وتؤكد أنها تتعامل مع الموضوع وفق مخطط عمل واحد، والقرار الأخير يعود للزبون أو بالأحرى السائح .

وعزا مسؤول في نقابة الوكالات السياحية الجزائرية سبب تفضيل الجزائريين للوجهة الخارجية بدلا من الوجهة المحلية بدرجة كبيرة إلى الأسعار، إذ إن تكلفة الإقامة في دول كتونس وحتى تركيا مثلا لمدة أسبوع كامل اقل تكلفة بكثير من تكلفة المدة نفسها بالجزائر.

وأضاف أن الكثير من المركبات السياحية في الجزائر تلجأ إلى مضاعفة أسعار الإيواء والخدمات المرافقة لها في فصل الصيف خلاف ما يحدث في الدول التي تستثمر بشكل جيد في القطاع السياحي.

الأسعار الخيالية وراء العزوف

يرى جزائريون أن التكاليف الباهظة لأجل قضاء عطلة صيفية أو حتى عطلة نهاية الأسبوع، يمكن استغلالها في قضاء أسبوع أو أكثر في تونس، وحتى المغرب.

وفي رأي أمين، موظف بمؤسسة خاصة، فإن المتأمل في الأسعار المقترحة بالجزائر، يعتقد نفسه وكأن البلد ينافس جزر المالديف والباهاماس وميامي وبرشلونة وماليزيا، في حين أن الخدمات المقدمة لا تستحق دينارا واحدا، موضحا أن تكاليف الإقامة ليوم واحد بفندق الشيراتون بالعاصمة أو بمدينة وهران (غرب البلاد) أكبر بكثير من تكاليف الإقامة بفندق 3 أو 4 نجوم لمدة أسبوع بتونس، فضلا عن خدمات وجو عام أفضل بكثير.

ولا تختلف آراء الجزائريين ممن فضّلوا السفر إلى الخارج للاستمتاع بالعطلة الصيفية، حيث يشكّل نقص المرافق هاجسا حقيقيا للعائلات، وحتى الأشخاص الذين يستعدون للسفر بشكل فردي. ويعيب هؤلاء «انعدام بنية سياحية بالجرائر، لان السياحة ليست بحرا وفندقا. كما أنها ليست أيضا التغني على مدار السنة بالإمكانيات التي تزخر بها الجزائر، بقدر ما هي مسألة توفير الأمن والهدوء والنظافة.

التهاب أسعار الفنادق والمركبات السياحية دفع بالكثير من العائلات الجزائرية إلى الاستثمار في السياحة على طريقتها الخاصة من خلال انتشار ظاهرة استئجار البيوت والمنازل في المدن الساحلية بصفة خاصة، حيث تعرض هذه العائلات شققا من غرفتين إلى ثلاث غرف مجهزة بأسعار تتراوح بين 300 و500 يورو للشهر، وهو اقل بكثير مما تعرضه الفنادق المسماة ب«الفخمة».

أمال بتحسين الأوضاع

تأمل الحكومة الجزائرية في توجيه الاستثمارات الأجنبية في المجال السياحي خارج حدود محيط العاصمة، التي سجلت مشاريع بقيمة 4 مليارات دولار كاستثمارات عربية في شكل قرى سياحية من الطراز الفخم، حيث تخطط وزارة السياحة لإنجاز 9 فنادق كبيرة بجنوب البلاد.

مع إيداع ملفات أكثر من 40 مشروعا استثماريا سياحيا من الحجم الصغير والمتوسط على مستوى الوكالة الوطنية لترقية الاستثمار قبل تحويلها إلى المجلس الوطني للاستثمار، من ضمن 333 مشروعا سياحيا تنتظر الضوء الأخضر من قبل السلطات العمومية للانطلاق في عملية الانجاز، بعدما تحصل أصحابها على الأوعية العقارية لتنفيذ مشاريعهم.

وتتوقع الجزائر على المدى المتوسط انجاز مشاريع سياحية وفندقية من شأنها أن تمكن من استحداث 110 ألف فرصة عمل دائم وتوفير 75 ألف سرير، بغرض تحقيق هدف استقطاب 5ر2 مليون سائح في آفاق 2015، و11 مليون سائح بحلول 2025 .

غير أن الطموحات والآمال قد تصطدم ببيروقراطية الإدارة التي غالبا ما كانت سببا في عزوف المستثمرين عن تنفيذ مشاريع «كانت ستغير وجه الجزائر» سواء كانوا محليين أو أجانب فضلوا الرحيل إلى وجهات أخرى.

النموذح التونسي

إذا كانت تونس تعتبر اليوم الوجهة المفضلة لغالبية السياح الجزائريين فان ذلك مرده إلى عدة العوامل، لخصها فوزي باسلي، مدير الديوان التونسي للسياحة في نجاح السلطات في إرساء القواعد الصحيحة لتنمية السياحة.

وذلك بتهيئة مناطق سياحية وتأسيس منظومة للتكوين ووضع منتوج سياحي بارز المعالم، كما تم استنباط استراتيجية ترويجية متكاملة نفذت في كامل أرجاء العالم، وهو ما مكنها من استقطاب 7 ملايين سائح أجنبي سنويا.

ويمثل القطاع السياحي في تونس، 8 في المئة من الناتج المحلي الداخلي ويشغل أكثر من 300 ألف عامل، كما يسهم القطاع السياحي في تنشيط الكثير من القطاعات الأخرى مثل الصناعات التقليدية، النقل ومختلف الصناعات الخفيفة.

ويشدد باسلي على أن مسؤولية نجاح السياحة في تونس ليست مهمة الحكومة أو الوحدات الفندقية فقط، وإنما يتعدى ذلك إلى كامل الأماكن التي يقصدها السائح والخدمات التي يطلبها، إضافة إلى توفير الأمن والعناية بالمحيط المادي.هكذا نجحت تونس في أن تكون بلدا سياحيا يقتدى به، فهل تستخلص الجزائر الجارة العبرة والدرس؟

الجزائر- الحواس الخمس