تروي كتب السيرة أن العرب، بعد أن هذبهم الإسلام، وخالطوا أمم الشرق والغرب؛ استطاعوا أن يبدعوا ألواناً من فنون الحياة وطرق العيش، وفي بغداد المدينة الوحيدة التي كانت مضاءة في العالم بما يقرب من 30 ألف مصباح زيت عمومي في الشوارع، تفنن العباسيون بترف العيش فاتجهوا إلى تدوين الطبخات والمقبلات التي اختلط فيها الشرقي بالغربي.

فألّف إبراهيم بن المهدي شقيق الخليفة هارون أول كتاب للطبخ في العالم العربي، ليتبعه ابن سيار الوراق بمؤلف هو «كتاب الطبيخ»، الذي حققه المستشرق دايفيد وينز، وتشكل فنون الطبخ شكلاً من أشكال التعبير الثقافي والحياتي للأمم منذ أقدم العصور إلى يومنا هذا.ولعل ما يدهش في التجربة الإماراتية الناهضة، هو هذا التنوع الجميل في مطابخ العالم ومأكولاته ومطاعمه في كافة مدننا الحبيبة من دبي وإماراتنا الشمالية إلى عاصمة الخير أبوظبي، من مطاعم شرقية وصينية وهندية وفارسية وتركية وعربية وإيطالية وأفريقية، فتزور تلك المطاعم وكأن بساط الريح حملك ونقلك إلى عواصم تلك الدول.من أبرز المطاعم والأكلات التي اتجه الناس إليها في السنوات الأخيرة؛ هي المطاعم والأكلات الصينية التي تتميز بمكوناتها اللذيذة والصحية في آن معاً، ويعد الطعام الكانتوني القادم من مقاطعة «كونغدنغ»، أحد أبرز أنواع الأكلات التي انتشرت لدى الباحثين عن الطعام الصحي الشهي، كونه يجمع بين الثمار البحرية وصيد البحر والخضار والتوابل بأنواعها المتعددة.

ويعتبر مطعم «هاكاسان» الذي فتح أبوابه بقصر الإمارات هذا الأسبوع؛ الأرقى بين مطاعم الأكل الشرقي؛ فهو أول مطعم صيني يحصل على نجمة «ميشيلن» العالمية للمطاعم الراقية وظل محتفظاً بها منذ العام 2004م وحتى 2008م، وقد جذب هذا المطعم منذ افتتاح أول فرع له في لندن عام 2001م عشرات من نخبة المجتمع البريطاني والأوروبي.

قبل أن تدخل قاعة مطعم «هاكاسان» الراقية، يستقبلك موظفوه وموظفاته بأناقتهم التي تجمع بين اللباس الشرقي التقليدي والحداثة الغربية عند مدخل القصر الشرقي من قصر الإمارات.

لترتقي درج غطته سجادة زرقاء بلون البحر تراقصت حولها الشموع والإضاءة الخفيفة التي أحالت المكان إلى ما يشبه بوابة أسطورية تأخذ القلوب قبل الأبصار، بعد أن ترتقي البساط الأزرق تقترب من البوابة الرئيسية للمطعم فتمر على ممشى تراصفت فيه قطع من الجرانيت القاتم الذي يطفو على حوض مياه أنيق أحاطته الشمعدانات الشرقية بإضاءتها الجميلة.

تفتح لك فتاة شرقية بوابة المطعم لتأخذك في رحلة سحر وخيال لا ينتهي، وتدخل في تجربة لا تنسى من ليالي ألف ليلة وليلة، فقاعات المطعم وغرفه الخاصة مزينة بخشب الماهوجني الراقي الذي يعطي للمكان فخامة وسطوة للجمال، تخفف من وطأتها تلك المقاعد الوثيرة التي تشعرك بالراحة؛ فأنواعها المختلفة التي تلبست بالجلد الطبيعي والشاموا.

أما الطاولات فهي موضوعة بطريقة ذكية توازي المقاعد ولا تعلوها أو تنخفض عنها لتمنحك راحة في الجلوس وعند تناول الطعام، كما أنجز المصممون سقف المطعم بطريقة جميلة فيمنحك ارتفاع السقف شعوراً بالحرية والراحة مع إضاءته التي لا تكاد تشعر بها، وتزينت طاولة الطعام بمزهريات صينية وضع فيها أنواع من الزنبق البري.

تتكامل البهجة في «هاكاسان» بقصر الإمارات؛ فيجتمع الذوق الرفيع والطعام الشهي الصحي باختلاف أنواعه وسحر المكان مع أنغام الموسيقى الهادئة التي يبثها من مكتبه الموسيقي الصغير «الدي جي» الشهير فرانسيس الذي يقول إنه يختار أسطواناته الموسيقية بعناية حسب ساعات المساء والضيوف.

كما يحوي المطعم مجموعة قاعات أكل خاصة في الطابق الأرضي وطابقه الثاني، وتزين جدران هذه القاعات نقوش شرقية تقترب من حضارة وادي النيل وحضارات الصين القديمة فأضفت على المكان سحراً لا يقاوم يجتمع مع الأكل اللذيذ.

يقول أحد مديري المطعم الذي قدم من لندن أثناء الافتتاح: يعد هاكاسان جزءاً أساسياً من مطاعم النخبة في لندن وميامي، ونحن سعداء للغاية لبدء عهد جديد مع هاكاسان أبوظبي في قصر الإمارات، إننا فخورون بمشاركتنا في المسيرة المتميزة التي تشهدها أبوظبي، ونتطلع أن نكون جزءاً لا يتجزأ من عالم المطاعم هنا، ليس كمطعم وحسب، وإنما كوجهة يقصدها المقيمون والزوار في دولة الإمارات للاستمتاع بأجواء أسطورية.

يتولى إدارة المطبخ رئيس الطهاة «لي كوك هوا» من فرع لندن ويجلب «هوا» مذاقه الخاص وأسلوبه المميز إلى قائمة «هاكاسان» قصر الإمارات التي تحتوي على باقة من الأطباق الجديدة والشهية التي أعدت وابتكرت خصيصاً لتناسب المذاق الرفيع لسكان الإمارات، إلى جانب أطباق «هاكاسان» الكلاسيكية، ومن أشهر المأكولات التي يعدها «هوا» .

وفريقه المكون من أكثر من 20 طاهيا: الدجاج والبط الكانتوني ولحم الغزال المشوي بطريقة كانتون الشهيرة الذي تختلط به رائحة التوابل اللذيذة برائحة الزنجبيل الذي تكاد لا تخلو أكلة منه في هذا المطعم، ومن الإبداعات التي أضافها رئيس الطهاة على بعض تلك المأكولات، هي المواد الحلوة- الحامضة التي تقترب من أسلوب منشوريا وتفوقه من حيث النكهة.

يرى رئيس الطهاة «هوا» أن أساس الأكلات التي يقدمها هو الأسلوب الكانتوني في جوهرها، إلا أنه يتضمن أيضاً الأسلوب الماليزي والتايلندي وأسلوب بكين في بعض الإضافات المهمة بما يتعلق بالنكهات، ويرى مساعد رئيس الطهاة «بانغ لي» أن مصطلح انصهار أو تمازج الكانتوني بالأكل الشرقي الآخر ليس بمسمى صحيح.

ويقول: القاعدة في أكلاتنا ووجباتنا التي نعدها هي المطبخ الكانتوني الكلاسيكي، ثم أننا بعدها نخلط بين الشرق الأقصى والمأكولات الصينية التقليدية التي تعتمد الخضار والتوابل والنكهات ليتحول ما نقدمه بما يمكن تسميته بالمطبخ الصيني الحديث، كما نقدم أكلات تستند على أطعمة بحرية محلية كالهامور والسلطعون وأنواع الروبيان الأخرى الموجودة في الإمارات لنمنح خصوصية للمكان.

كما يقدم المطعم باقة متنوعة من أجود أصناف الشاي المستورد من أفضل منتجي الشاي في تايوان، من شاي دراغون ويل الأخضر إليألاشاي هاي ماونتن، إضافة إلى أفضل أنواع الشاي العريقة، والتي يتم تقديمها وفق تعليمات دقيقة مع مراعاة أدق تفاصيل آداب الخدمة لتقديم نكهة مميزة، ومن الأطباق الشهية التي يعدها الطهاة في مطعم «هاكاسان» بعض المأكولات الكلاسيكية مثل بطة بكين مع كافيار بيلوجا الملكي، ولحم البقر المشوي مع صلصة الصويا.

سيسهم «هاكاسان» الذي يمثل أحدث إضافة إلى سلسلة مطاعم فندق قصر الإمارات، في الارتقاء بالمطاعم الراقية في أبوظبي إلى مستويات جديدة، ويقدم المطعم الذي يمكن أن يستقبل 165 ضيفاً في وقت واحد، تشكيلة من الأطباق الصينية العصرية، ويضم أربعة قاعات خاصة لتناول الطعام تمتاز بتصاميمها الفاخرة وتتسع كل منها لما بين 6 إلى 12 ضيفاً.

ويقع المطعم في مستوى المدخل الرئيسي لفندق قصر الإمارات وله مدخل خاص به، مع خدمة صف السيارات لرواد المطعم، وقد حقق المطعم الصيني منذ انطلاقته في لندن العام 2001 حضوراً بارزاً بأسلوبه الفريد والمعاصر من حيث التصميم المبتكر والأمسيات الرائعة وفنون الطهي المتميزة وخدماته من الطراز الأول، وتعتبر تجربة الأكل فيه تجربة فريدة لا يمكن نسيانها في الحياة فهو أكثر من مطعم بأجوائه الساحرة.

أبو ظبي- محمد الأنصاري