كان المخرج في السابق صاحب القرار والكلمة الأولى والأخيرة داخل البلاتوه، لكن مع ميلاد نجوم جدد وتعنّت الكبار بات دور المخرج هامشيا، ويكاد يتساوى مع أي كومبارس، فلم يعد يمتلك عصا وصيحة الراعي في ظل الفوضى التي صاحبت نجوم الشباك الذين توهّجوا أخيرا، فسحبوا البساط من تحت قدم المخرج، وجرّدوه من صلاحياته، وأصبحوا يمتلكون القوة والقدرة على اختيار المشاركين في العمل.
بل على اختيار المخرج نفسه، وبالطبع لن يتم إسناد أي عمل لمخرج يرفض تقديم فروض الطاعة والولاء للنجم، ومع ذلك هناك قلة من المخرجين رفضت ذلك على الرغم من أنهم في بداية الطريق، ووضعوا خطوطا حمراء تحت لفظ المخرج ليكون القبطان الوحيد الذي يقود سفينة الأعمال الدرامية والسينمائية، تفاصيل أكثر تضمها السطور التالية.في ظل الفوضى التي تعيشها الدراما هذه الأيام لم يعد المخرج قائدا للعملية الدرامية؛ حيث تخلى عن دوره في ظل ظروف معينة جعلته يتنازل مقابل أن يعمل ويقدم نفسه للوسط الفني، وغالبا ما تكون الفرصة الأولى مرتبطة بتقديم تنازلات كثيرة تبدأ من النص؛ حيث تكون الشركة قد اشترته وتفرضه على المخرجين الذين يُضطرون إلى قبوله بهدف الحصول على فرصة، وهذه أول خطوة في سلسلة التنازلات التي تضع قيمة المخرج في مهب الريح.
:سطوة النجم:ويأتي تدخل النجم الأوحد في عمل المخرجين في المقام الثاني؛ حيث يفرض النجم سطوته بأكثر من طريقة تبدأ من اختيار أماكن التصوير، واختيار المشاركين في العمل الدرامي أو السينمائي، ولا يكتفي بذلك، بل يقوم بالاعتراض على بعض المشاركين الذين تختارهم الشركات أو المخرجون.ويقوم بانتقاء عناصر قد تضر بالعمل أكثر مما تصلح وفق رؤيته وأغراضه الشخصية التي لا تمثل إلا فرض السيطرة فقط، علاوة على تدخل بعض النجوم في العمليات التسويقية، والسيناريو، وفقا لرؤيتهم وزيادة مساحات أدوارهم.حتى لو كانت سببا في الإخلال بالبناء الدرامي، ولا يكتفون بذلك، بل يقومون بالتدخل في ترتيب الأسماء على التتر، وفي أفيشات الدعاية، فيثيرون مشاكل وضغائن بين الزملاء بسبب اختياراتهم التي لا تخضع إلا لمعايير تبعد عن المهنية والحرفية، وبعد كل هذه التدخلات لم يعد للمخرج المسكين أي دور بعد أن أكلت مياه النجوم أحجار شطآنه.
ضد التيار
ولم يقبل مخرجون قليلون بهذه السطوة للنجم الأوحد، فرفضوا أن يكونوا أداة في أيديهم، وتشبث الكثير منهم بدوره، رافضين التخلي عنه على الرغم من أنهم لا يزالون في بداية طريقهم؛ حيث تألقوا وتراجعت سطوة النجوم أمام شروطهم، فأصبحوا مخرجين ذوي طابع خاص لا يستطيع أحد من أصحاب النفوذ العمل معهم، ومن هؤلاء المخرجين السابحين ضد التيار شريف عرفة، طارق العريان، مروان حامد، أحمد نادر جلال.
إلا أن البعض تخلّى عن دوره تاركا الدفَّة لبعض النجوم الذين لايزالون في بداية طريقهم، وهذا ما حدث مع المخرج أحمد عبدالحميد أثناء تصوير مسلسل «موعد مع الوحوش»؛ حيث ترك المسلسل تحت إدارة النجم خالد صالح الذي قام بتغيير أكثر من 14 ممثلاً وممثلة من بينهم بشرى وريم البارودي وغيرهما، كما يُعرف عن الفنانة نادية الجندي أنها تختار جميع طاقم العمل، وإذا قام المخرج بالاستعانة بأي فنان تهدّد بالانسحاب من العمل.
خيال ظل
هذه التدخلات التي أدت إلى تغيير دور المخرج تشير إلى أن قواعد اللعبة قد تم استبدالها، حسب تأكيدات المخرج عمرو عرفة، الذي أوضح أن النجم بسطوته يُفصل العمل الفني بطريقته وعلى هواه، مرجعا السبب في ذلك إلى الإعلانات التي تجعل الشركات تخضع لمطالب النجوم طمعا في التسويق حتى لو أعطوا الأوامر لهذه الشركات بتبديل المخرجين والاستعانة بغيرهم.
حيث تتحرك شركات الإنتاج ووكالات الإعلان في الطريق الذي يضمن لهم التسويق وتحقيق الأرباح، وهذا يضمنه بالتأكيد أعمال نجوم الشباك، غير مبالين بأي أزمة تحدث بسبب التدخل السافر من النجوم.
يضيف: «ولا تتوقف مهزلة النجوم عند هذا الحد، بل تصل لقيام النجم باختيار طاقم العمل وأماكن التصوير فيتقلص دور المخرج ويصبح «خيال ظل»، وأصبح الهرم الفني مقلوبا، فبدلاً من اختيار المخرج للنجوم أصبح يتم اختياره، وبدلاً من أن يختار أماكن التصوير أصبحت تُفرض عليه، ما أثر سلبيا في جودة الأعمال الفنية».
لا للتنازلات
أكد عرفة أنه يرفض مبدأ التنازل؛ لأنه يعتبر المخرج «دينامو» العمل الفني، مشيرا إلى أن الفنان محمد سعد حاول فرض شروطه عليه أثناء تصوير فيلم «بوشكاش»، ولم يكتفِ بدوره كممثل، ما دفعه إلى الانسحاب من العمل، وترك محمد سعد ليدير العمل مع مخرج الفيلم الجديد أحمد يسري حتى ظهر العمل مبتورا وخاليا من الإبداع ومليئا بالسقطات الفنية التي لن يغفرها النقاد.
أضاف: «إنني أحافظ على كرامتي، ولن أسمح لأي نجم مهما ارتفع أجره أن يتدخل في عملي كمخرج حتى لو كان يحصل على نصف ميزانية العمل الفني».
مخرج نجم
لم يكن هذا مبدأ عمرو عرفة وحده، لكن المخرج خالد يوسف يسير على الدرب ذاته، الذي رسمه له بشكل غير مباشر المخرج يوسف شاهين، والذي لم يستطع أحد النجوم إثناءه عن معتقداته، فقد أكد رفضه تدخل غيره في العمل الفني..
مشيرا إلى أنه ليس دكتاتورا، فهو يستمع إلى آراء المشاركين حتى مرحلة معينة، وأوضح أنه استطاع إعادة تاريخ المخرج النجم الذي لا تُفرض عليه سيطرة أي ممثل.. لافتا النظر إلى أن الممثل يصنعه مخرج وليس العكس، فالمخرج هو الوحيد القادر على صناعة العمل الفني المتكامل، أما الممثل وحده مهما بلغت إمكاناته فلن يصنع إلا نجاحا للإعلانات.
سطحية
بينما يرى المخرج أحمد صقر أن النظرة أصبحت تتوجه إلى الأعمال التي تحمل اسم الممثل النجم دون النظر إلى قيمة العمل أو اسم المخرج، ما جعل بعض المنتجين يثقون في آراء النجوم، فانعكس ذلك على الإنتاج الدرامي الذي بدأ ينهار ويقدم السطحية على طبق من ذهب، وهذا ما يحدث حاليا مع نجوم أطلقوا على أنفسهم «سفن ستار».
مثل يحيى الفخراني، نور الشريف، يسرا، عادل إمام، إلهام شاهين، نادية الجندي؛ حيث يتدخلون في كل كبيرة وصغيره في العمل الفني.. معتمدين على خبرتهم ونجوميتهم التي تؤهلهم للقيام بهذه المهمة، على الرغم من أن هناك نجوما مثلهم لا يتدخلون في عمل المخرجين.
يضيف صقر: «مع هرولة المنتجين وراء بعض النجوم انقلبت الأوضاع، وتمكن النجم من الحصول على لقب دكتاتور كقائد لكل من حوله بمن فيهم المخرج نفسه».
أما الفنانة ليلى علوي فتعتبر أن المخرج له قدسية خاصة ومكانة مميزة لا يجب أن يقترب منها أحد، فلو لم يكن له دور في العمل لتم إلغاؤه منذ عشرات الأعوام، لكنه العقل المدبر في أي عمل فني، وأكدت علوي تقديرها للمخرج الذي يتعامل معها.
كما أنها لا تعترف بأي فنان أو نجم يفرض رأيه على المسلسل أو الفيلم محاولا الضغط على شركة الإنتاج لوضع المخرج في موقف حرج مع الشركة التي تستجيب دائما لطلبات النجوم الذين يستطيعون تقليم أظافر المخرج ووضعه تحت سقف معين لا يستطيع تجاوزه.. أضافت أنه لا سبيل لنجاح أي عمل إلا بأن يكون كل واحد في مكانه الصحيح، وألا يتدخل أي منهم في عمل الآخر.
اختبار كاميرا
وبررت الفنانة وفاء عامر تراجع دور المخرج في مواجهة نجوم الشباك إلى قيام شركات الإعلانات بفرض شروطها في منح الدور لفنان بعينه لتسويق العمل وجلب الإعلانات؛ حيث تلهث وراء الأسماء التي ستجني من ورائها الأموال وتحقق لها نسبة عالية من الإيرادات سواء في السينما أم الفضائيات، ما يعطي انطباعا للنجم بأنه كل شيء في العمل الفني، وأن له جميع الصلاحيات في اختيار باقي طاقم العمل حتى المخرج الذي كان من المفترض أن يختار النجم.
وذكرت وفاء قيام المخرج خالد يوسف بوضعها أمام الكاميرا لعمل اختبار عند المشاركة في فيلم «حين ميسرة»، وأكدت أنها لم تغضب من هذا الطلب رغم أنها فنانة متميزة ولها باع طويل في الفن؛ ليقينها من أن خالد يوسف يحرص على أن يخرج العمل الفني الذي يحمل اسمه في أبهى صورة، وأشارت أيضا إلى تكرار الطلب من المخرج مروان حامد في فيلم «إبراهيم الأبيض»، لكنها انسحبت من العمل لظروف خارجة عن ارادتها.
بينما ألمح الناقد الفني عصام زكريا إلى أن تراخي المخرجين أمام النجوم أسهم في إرباك الحركة الفنية بصفة عامة، وتسبب في العديد من المشكلات في بعض الأعمال الدرامية والسينمائية؛ لأن التدخل في عمل المخرج يكون بمثابة كارثة حقيقية، فالنجم موهوب في مجال التمثيل، وليس موهوبا في مجال الإخراج الذي يتطلب رؤية واضحة.
ثورة فضائيات
وأوضحت الناقدة السينمائية رانيا يوسف أن الأوضاع المقلوبة برزت مع ثورة الفضائيات التي أحدثت رواجا فنيا، وأفرزت مخرجين بلا قيادة، فرّطوا في حقوقهم وفي إعلاء قيمة وشأن النجوم على حساب شخصيتهم وكرامتهم داخل العمل، وتأثرت بذلك الأعمال الفنية..
مشيرة إلى أن المخرج الذي تنازل عن كرامته أمام النجم أدى إلى فقدان الإخراج لعصا القيادة التي لا يمكن استعادتها مرة أخرى بعد أن تغير فكر شركات الإنتاج التي سحبت البساط من تحت أقدام المخرجين لصالح النجوم لكونهم لا يفقهون أصول المهنة ولا دور المخرج في العمل الدرامي، بل تقوم بعض الشركات باختيار مخرجين غير مؤهلين تتلاعب بهم في أوقات معينة، وتُقصي بعض المخرجين الذين يتمسكون بأدوارهم في قيادة العمل..
أضافت أنها لا تشجع ديكتاتورية المخرجين على العمل الفني؛ حيث لا ضرر - حسب رأيها - من مشاركة الفنانين الرأي حول مضمون العمل وخط سيره، دون مصادرة صلاحيات المخرج في إبداء الرأي الأول والأخير؛ ليبقى المخرج في النهاية أحد عوامل نجاح المشروع الفني.


