مثلما تراجع الإبداع تراجع المبدعون، مضى زمن الطرب الأصيل، وخيّم علينا زمن العري كليب برحيل عمالقة شعراء الأغنية أمثال أحمد رامي، حسين السيد، بيرم التونسي، صلاح جاهين، فؤاد حداد، وفقدت الأغنية العربية هيبتها، وباتت مطمعًا لجميع لصوص الإبداع.. صارت الأغنية أغنية هيفاء، أغنية رولا، أغنية نانسي، أغنية كاظم، أغنية شعبولا.. أغنية أي أحد في الوجود إلا كاتبها الحقيقي.. الشاعر الذي أرهق قلبه ومشاعره حتى يعبر عن أحاسيسه في كلمات أغنية ما تلبث أن تُنسب إلى غيره، فمن يعيد الى شعراء الأغنية حقهم المسلوب أو بمعنى آخر من يحميهم من سرقة إبداعهم؟

تعد قضية هيفاء وهبي التي يتم تداولها بالمحاكم المصرية حالياً من أشهر مشاكل سرقات كلمات الأغاني التي اشترتها من الشاعر محمد شافعي بعنوان «إيه ده.. إيه ده» بتنازل رسمي ومسجل بالشهر العقاري تؤكد أن المؤلف قام بتوثيقها منذ 6 أشهر، إلا أن مدير أعمالها السابق محمد إسماعيل أمين قام ببيع الأغنية وأغنيات أخرى كانت تنوي تضمينها ألبومها إلى شركات إنتاج.والتي أسندت كلمات أغنية «أيه ده.. أيه ده» للمطربة رولا سعد، والأغنيات الأخرى لمطربين آخرين، وفوجئت هيفاء بالإعلان عن طرح ألبوم رولا سعد خلال الفترة المقبلة ويتضمن الأغنية، فتقدمت بدعوى لنيابة النزهة لإيقاف طرح الأغنية، كما أرسلت أكثر من إنذار على يد محضر لشركتي «عالم الفن» و«روتانا»؛ لظهور كلمات من أغنيات أخرى مسروقة منها.

حيث أكدت هيفاء أنها أعطت مدير أعمالها مبلغ 250 ألف دولار لشراء أغنيات ألبومها الجديد قبل 6 أشهر، لكنه قام بشرائها وبيعها في الوقت نفسه إلى شركات أخرى.

هيفاء ضحية

لم تكن هيفاء وهبي هي المطربة الوحيدة التي وقعت ضحية لسرقة كلمات أغانيها، لكن المطرب تامر حسني تعرض لأكثر من موقف من خلال اتهامه بالسطو على كلمات وألحان أغاني زملائه من المطربين سواء المصريين أم الأجانب، حيث اتهمته إحدى الفرق الألمانية بسرقة أغنية «عيش حياتي» لحنًا وتوزيعًا، وكلمات ترجمت إلى العربية، إلا أنه أكد بأنه اشترى كلماتها من أحد الشعراء، لكنه اقتبس اللحن فقط.

كما اتهمه الشاعر الغنائي محمود صلاح بسرقة أغنية «شعنونة» التي قام بغنائها في فيلمه الذي يعرض حالياً بدور العرض «نور عيني» دون أن ينسبها إليه، إلا أن تامر خرج مرة أخرى ليقول إنه يغني بعض كلمات الأغنية، وليس كلها، وأشار إلى أن ما حدث سوء تفاهم فقط، وأن الأمور عادت إلى نصابها الطبيعي بينه والشاعر، بينما أعلن مؤلف الأغنية أن هذا الكلام غير صحيح.

وأنه لن يسمح لتامر بضم الأغنية لألبومه الجديد، وأسرع إلى جمعية «المؤلفين والملحنين»، وتقدم بشكوى يتهم فيها تامر حسني بسرقة أغنيته المسجلة كمصنف فني العام 2009، ولم يخطر بأن الأغنية التي عرضها على تامر منذ عام ستكون ضمن أحداث الفيلم، وفوجئ بها أثناء اصطحابه لأسرته لمشاهدة الفيلم، وهدد المؤلف بتصعيد الموضوع ورفع دعوى قضائية ضد تامر حسني لمنع عرض الفيلم إذا لم يتم التوصل إلى حل، وإعطاؤه حقوقه المادية.

وفى هذا الإطار، يقول الشاعر الغنائي محمد يونس إن كتَّاب الأغنية يعانون الأمرين بسبب القرصنة على كلمات أغنياتهم بواسطة عدد من كبار المطربين، الذين يبيحون لأنفسهم الحصول على كلمات الأغنية بأي طريقة دون إعطاء صاحبها مليمًا واحدًا بسبب عدم وجود أي تنظيم غنائي يحمي هؤلاء الشعراء، ما يجعلهم يصابون بخيبة أمل ، في حين أن هناك مأساة أشد قسوة، وهي قيام بعض المطربين بالبحث عن كلمات هابطة ليس لها أي معنى غير أنها تواكب موجة الغناء الهابط الذي لا يمت إلى الفن بأي صلة.

ويشير يونس الى أن الشعر في مصر أصبح مجرد هواية غير معترف بها كمهنة لها روادها، ولها احترامها، بالرغم من كونها لا تقل قدرًا عن اللحن أو التوزيع الموسيقي؛ لأنها تكون سببًا رئيسيًا في نجاح أي البوم غنائي.

أما عن طريقته في حماية كلمات أغانيه؛ فيقول: بعد أن أنتهي من تأليف أي أغنية أقوم على الفور بتسجيلها في الشهر العقاري، وهذه تمثل مشكلة كبيرة، خاصة في التعامل مع الموظفين الذين يرفضون تسجيل الأغنية كاملة على الورق، لكنهم يكتفون بتسجيل أول سطرين في بداية أو نهاية الأغنية، أما باقي الأغنية فلا يتم النظر إليه من قريب أو بعيد؛ وبالتالي يكون من السهل السطو عليها.

جواز المرور

ويتدخل في الحديث الشاعر الغنائي بهاء الدين محمد، مؤكدا أن الشاعر لو فكر في رفع قضية على سارق الأغنية لا يحصل على حقه إلا بعد سنوات طويلة، ويكون الأمر قد كلفه كثيرًا من المال، وتكون الأغنية قد تم طرحها في الأسواق، ونسبت إلى مؤلف آخر لا يعرف كلمة واحدة من كلماتها.

ولم تكن هذه هي المشكلة الوحيدة التي يتعرض لها شاعر الأغنية في بداية حياته الفنية، بل يتعرض لأزمة أكثر شراسة، وهي عدم استطاعته الوصول إلى النجوم؛ فيضطر لبيعها إلى شعراء أكثر شهرة منه ينسبونها إلى أنفسهم نظير مقابل مادي ضئيل للغاية، لكنه يعتبرها أنها جواز المرور بشهادة شاعر كبير، ويتكرر الأمر مرات ومرات حتى يضيق ذرعًا بالشعراء المعروفين الذين يمنحهم تلك الكلمات، ويبدأ بعدها في التمرد عليهم بالتعرف إلى المنتجين والمبدعين، مكونا صداقات في الوسط الفني، بهدف تدعيم نشاطه وعلاقته بالمطربين.

قانون حماية

في حين يرى الشاعر الغنائي مصطفى علي أن المشاكل التي تواجه الشعراء، تحتاج إلى تفعيل قانون حماية الملكية الفكرية؛ لافتا أن القانون الحالي لا يوفر هذه الحماية مطلقًا، ولا توجد أي مظلة تحمي الشعراء سوى جمعية غير مفعلة اسمها جمعية «المؤلفين والملحنين»، لكنها لا تمتلك أي صلاحيات تمكنها من حماية الموهوبين من الشعراء والملحنين.

بينما يرى الشاعر الغنائي أيمن بهجت قمر أن السبب فيما يتعرض له شعراء الأغنية من مشاكل على أيدي المطربين أن زملاءهم الشعراء أو شركات الإنتاج يبحثون دائمًا عن المكسب السريع، حتى لو جاء ذلك على حساب إبداعهم، وذلك على عكس ما كان يحدث في السابق، فعلى سبيل المثال كان الراحل المبدع بيرم التونسي صاحب مبدأ.

ورفض التخلي عن تلك المبادئ بأموال الدنيا؛ لذلك ظلت كلماته راسخة في الاذان والعقول حتى يومنا هذا، وكان مقتنعًا بذلك وراضيا رغم أنه دفع ثمن ثباته عشر سنوات من التسول والتشرد، لكنه قدم فنًا خالصا ستذكره الأجيال مئات السنين القادمة.

دخلاء على المهنة

وإذا كان أيمن بهجت قمر يشكو من سعي الجيل الحالي من شعراء الأغنية إلى الثروة فقط من وراء كلماتهم، فتجد أن الشاعر الغنائي صبري رياض اعتبر كل من يبحثون عن المادة دخلاء على المهنة.. لافتا أنهم قاموا بنسج بعض الكلمات الهابطة، وأطلقوا عليها كلمات أغاني، فمن يستطيع أن يقول إن هناك كلمات أغنية تقول:

«الدنيا خربانة» أو «العنب.. العنب» و«بحبك يا حمار» أو «تعبت من المفاجأة»؛ لذلك يعتبر إنشاء نقابة للشعراء بمثابة ضربة قاتلة لهؤلاء لدخلاء على المهنة، وفى الوقت ذاته تعمل على حفظ حقوق الشعراء من العبث فيها، وسرقتها، والمحافظة على ذوق كل ما يقدم للمستمع.

القاهرة - دار الإعلام العربية