موسيقى تخلو من البيانو والأورج ولا تعترف بالطبلة أو العود، لكنها تعتمد على هياكل حديدية ومخلفات بلاستيكية، عازفوها لم يدرسوا الموسيقى ولا يعرفون شيئا عن النوتة، لكنهم ابتدعوا إيقاعات من صنع خيالهم، يترجلون بين المقامات ليُسعدوا أنفسهم والآخرين الذين يلتفون حولهم في شوارع المحروسة ، إنها «موسيقى الشارع» التي اعتبرها الموسيقيون مولودا غير شرعي للطرب الشرقي.
وإن كانت تميل بعض الشيء إلى موسيقى «الهارموني».. يفرشون آلاتهم، التي تتكون معظمها من صفائح تشبه سلات المهملات بالشوارع، على الأرصفة، ويتجمع حولهم عشرات الشباب بعد أن يثيروا فضولهم ليرددوا معهم بعض الأغاني أو ينصتوا إليهم في إعجاب.ظهرت فكرة موسيقى الشارع للمرة الأولى في مصر على يد فرقة «المصنع» التي اعتبرت نفسها مدرسة من مدارس العزف العالمية، والتي يقدم من خلالها نمط مختلف عن الموسيقى الموجودة على الساحة الفنية؛ حيث لا نوتة موسيقية، بل هو الارتجال، وعندما بدأت الفرقة تخصصت في العزف على «الجرادل» و«علب العصائر الفارغة» و«علب المياه الغازية» و«قطع الأخشاب والبراميل البلاستيكية والصاج».
واستطاع نجوم هذه الفرقة تقديم بعض العروض على المقاهي ثم الأرصفة، وسرعان ما أصبحت لها جماهيرية كبيرة، فبدؤوا ينتقلون من منطقة إلى أخرى حتى أصبحت لهم شهرة واسعة في معظم أنحاء القاهرة وبدأت الفضائيات تسلط أضواءها عليهم، وكان عدد أعضاء الفرقة في البداية لا يتجاوز أربعة عازفين، لكنهم وصلوا حاليا إلى 30 عازفا.
طوق نجاة
وبمجرد أن حققت فرقة المصنع شهرة واسعة بين بعض الأوساط المصرية قرر مركز «ساقية الصاوي» الاستعانة بهم للمشاركة في برنامجها الثقافي والموسيقي، وكانت هذه التجربة بالنسبة للفرقة بمثابة طوق النجاة لما للساقية من شهرة واسعة في الأجواء الثقافية بالقاهرة، وقدمت الفرقة من خلال الساقية العديد من الحفلات وانتقلوا بعدها إلى الجامعة الأميركية التي يرغب طلابها في التعرف على أي نوع من الموسيقى يذكرهم بالهارموني.
وبذلك لاقت هذه الفرقة قبولاً لدى معظم الأوساط الفنية، ما دفع دار الأوبرا المصرية للاستعانة بهم لتقديم عروضهم على مسارحها، فشعر أعضاء الفرقة أنهم وصلوا إلى مرحلة جديدة، فأعادوا ترتيب أوراقهم من جديد وأعطوا لأنفسهم فرصة قبل الوقوف على مسرح الأوبرا وقاموا بتأسيس ورشة فنية لتعليم إيقاعات الشارع والتدريب على الحركات الراقصة.
وانتهت الورشة بوجود 7 عازفين محترفين أصبحوا أعمدة الفرقة بعد أن توقف عدد كبير منهم، ونجحت حفلاتهم الثلاث التي قدموها في بداية العام 2009 على مسرح الأوبرا، وكانت الحفلات تحت عنوان «المصنع 1 لإيقاع الشارع».
و«المصنع 2 للعزف على البراميل باستخدام العصي» و«المصنع 3 لإيقاعات كلاكيت الشارع»، وكان الفضل في نجاح هذه الموسيقى يعود إلى التدريبات المكثفة للفرقة على يد لاعب الإيقاع المصري الأميركي كريم ناجي.
عودة إلى الشارع
وقد وجدت فرقة «المصنع» أن وجودها في حفلات الأوبرا وساقية الصاوي سيقلل من جماهيريتها، خاصة أن بدايتها كانت بتقديم عروض في شوارع القاهرة ثم الإسكندرية وبعض المحافظات الساحلية، فعادت إلى الشارع مرة أخرى.
وقدمت عدة عروض والتفت الجماهير حولها، إلا أن الأجهزة الأمنية كانت تعمل على تفريق الأعضاء باستمرار؛ حيث كانت الفرقة تواجه صعوبات كثيرة، لكن جمهورها الكبير كان يخفف عنها، لكنها لم تسع من وراء ذلك لتحقيق مكاسب مادية، بل كان الإنفاق على الفرقة بالجهود الذاتية حتى استطاعت حفر اسمها في سجل المتألقين.
ارتجال
وعن هذه التجربة يقول جورج وهيب، مدير فرقة «المصنع»، إن الموسيقى التي تقدمها فرقته إحدى مدارس العزف العالمي الذي يهتم بتقديم أسلوب ونمط موسيقي معين يختلف عن الموجود حاليا على الساحة الموسيقية والغنائية؛ حيث تعتمد الموسيقى على الارتجال وتنظيم وحفظ بعض الخطوات التي تخرج في صورة «هارموني»؛ حيث تعد الفكرة مشروعا ثقافيا ينقل الفن من المسارح والأماكن محدودة الجماهير إلى الشارع الذي يحوي جميع الفئات والطوائف والثقافات.
ويضيف: لقد أصبحت مشاهدة الفرق الموسيقية متاحة لأصحاب الدخول الضعيفة الذين لا يستطيعون دخول المسارح، والدليل على نجاح هذه الفرقة الأعداد الغفيرة التي تلتف حول فرقة «المصنع» أثناء قيامها بتقديم بعض عروضها، ما يثير حمية الشرطة التي تكره التجمعات.
استعانة بخبراء
وعن خبرة أعضاء الفرقة بالموسيقى مسبقا أو حتى قواعدها يصرح وهيب بأن الفريق هو الذي يصنع الموسيقى التي يستسيغها دون قيود؛ لذلك لا يشترط توافر الخبرة في أي من أعضاء الفرقة أو ممارسة الموسيقى قبل ذلك، فمعظمهم هواة، لكن يتم تدريبهم على أساسيات العزف من خلال بعض التمارين البسيطة، وبعدها تُترك لهم المساحة الكافية لإظهار إبداعاتهم بحرية.
ويضيف أنه رغم نجاح هذه المجموعة في تحقيق نتائج مذهلة، إلا أن الأنظار تتجه إلى الاستعانة بأعضاء جدد خبراء في التأليف الموسيقي؛ بحيث تكون لهم الموهبة الفطرية على لعب الموسيقى لخلق أعضاء مؤهلين لنشر هذا النوع من الموسيقى التي تعد من أكثر الوسائل قدرة على مخاطبة الطبقات المختلفة؛ حيث من الممكن أن يصاحبها غناء يتناول موضوعات اجتماعية تتعلق بمشاكل وقضايا المتلقي.
تقليد الجمهور
أما أسماء العماري، إحدى العازفات بفرقة «المصنع»، فترى أن موسيقى الشارع ستلقى نجاحًا خلال الفترة المقبلة كما حدث مع موسيقى «الروك»، «الهيب هوب»، «الجاز»، «الراب» و«البلاك أمريكان»، بعد أن اعتادت الآذان على سماعها، وأصبحت لهذه الموسيقى قاعدة جماهيرية كبيرة في العالم.
لذلك أتوقع أن تشهد الموسيقى التي تقدمها فرقة «المصنع» تميزا من خلال إيقاعات غريبة مقترنة بمصرية من خلال آلات بدائية متوفرة في كل منزل بمصر، ويستطيع المشاهدون تقليدنا بأقل الإمكانيات، وربما تبهرهم التجربة ويتفوقون فيها، خاصة أن إيقاعاتها وكلماتها مستوحاة من صميم الواقع..
مرتزقة
وتضيف أسماء أن هذا النوع من الموسيقى، من المفترض كما يحدث في الخارج، أن يقدَّم في الشارع ويلقى كل الدعم من الأجهزة الحكومية والأمنية، إلا أن مديري الحدائق والمنتزهات يمنعوننا من الدخول وتقديم عروضنا الموسيقية، كما تمنعنا الشرطة من الوقوف بالشارع، إضافة إلى الكلمات الجارحة التي تصب علينا من بعض الفئات ذات الثقافة المحدودة، فنحن في مصر ليس لدينا هذه الثقافة لكوننا غير معتادين على رؤية فرق موسيقية تعزف بالشارع.
لدرجة أنهم يعتبروننا من المرتزقة والمتسولين الذين يسعون للحصول على دعم من الأهالي بأي طريقة؛ لذلك قررنا اقتصار تقديم عروضنا على الأماكن المغلقة سواء في مكتبة الإسكندرية أو ساقية الصاوي أو بعض المقاهي والأندية الثقافية.
حداثة موسيقية
في حين يؤكد كريم ناجي، مدرب فرقة «المصنع»، أن الفترة المقبلة ستشهد تطورا في العروض الموسيقية، خاصة حين يتم المزج بين الموسيقى الشرقية والغربية؛ لأن الفرقة وصلتها بعض التعليقات تؤكد أن رجل الشارع يحتاج إلى الموسيقى التي يعرفها وليس إلى الموسيقى الغربية التي لا يستسيغها إلا طبقات معينة ومحدودة..
أضاف أن مقدمي موسيقى الشارع سواء فرقة «المصنع» أو الفرق الأخرى التي تعزف على أدوات من المنزل المصري، استطاعت صناعة تناغم خاص يقدم حداثة موسيقية، فلا يقدر أحد أن يقول إن هذه الموسيقى غربية وتم تمصيرها، لكن لكل شعب لغته وثقافته.
وكان من الممكن أن تفشل هذه الفرقة منذ ظهورها، لكنها حققت انتشارًا واسعًا على مدى 3 أعوام، قدمت خلالها العروض التي أبهرت المصريين والأجانب.
ويؤكد مهاب طعيمة، أحد عازفي فرقة المصنع، أن عروضهم القادمة ستشهد بعض المؤثرات المرئية إلى جانب الصوت لتقدم تكاملاً بين الشكل والموضوع، حتى يعيش المتلقي في أجواء العمل من خلال الربط بين الموسيقى والأضواء، كما تسعى الفرقة لإعادة دمج الرقصات الحديثة مع إيقاعات الرقصات القديمة.

