خضع استاد «كايب تاون» لآخر عمليّات التحضير لاستقبال الحدث العالمي الأوسع شعبية. ويبرز بقوامه الرشيق كطبق بورسلانٍ أبيض موضوعٍ على مائدةٍ ساحرة، وإلى جانبه صخرة الأسد، وجبل الطاولة، أجمل معالم العاصمة الجنوب أفريقيّة.

جسم المبنى المتميّز بتمايلاته الرقيقة، مغلّفٌ بشبكٍ شفّاف مصنوع من ألياف الزجاج المنسوجة والمغلّفة بمادة التيفلون. وقد تبدو هذه التقنيّة مبالغٌ فيها، إلا أن ثقوب النسيج هذه تجعل المبنى يشعّ بألوانٍ مختلفة خلال فترات اليوم، وحسب طبيعة الطقس أيضاً، ففي فترة الظهيرة يُصبح لونه أزرقاً. ويتحوّل إلى أحمر ورديّ بعد الظهيرة، وإلى أحمر قانٍ عند الغروب، وإذا ما كان الطقس عاصفاً، يُصبح سطح النسيج الزجاجيّ فضّيّاً أو رماديّاً أو حتّى رصاصيّ. وعندما يحلّ الظلام، ويتم تشغيل أنواره ال360 الداخليّة، لا يعود سطحه شفّافاً، وإنّما تبرز تموّجاته الثلاثة الموازية لطوابق الحضور فتمنح مظهره العام إثارة خلاقة بهدوء.

والنقطة السلبيّة الوحيدة في الاستاد هي موقعه، فعلى الرغم من أنّه يحتلّ بقعةً حيويّةً من المدينة، إلا أنّه بعيدٌ تماماً عن ضواحي المدينة، والتي يسكنها أغلب مشجّعي الكرة في المدينة. والجدير بالذكر أن الحكومة أنفقت أموالاً طائلةً على بناء هذا الاستاد، وآخر في جوهانسبرغ، من أصل عشرة ستحتضن مباريات البطولة.ومع انخفاض معدّلات الدخل في المدينة، تبرز الكثير من التساؤلات عن سبب إنفاق مبالغ هائلة من المال العام على مشاريع تحاول تسويق جنوب أفريقيا كدولة حديثة، وفيما إذا كانت هذه المشاريع ستعود بالفائدة على المواطنين، وإن كان على المدى الطويل. ستقام مباريات كأس العالم 2010 في عشرة استادات بمناطق مختلفة بجنوب أفريقيا؛ خمسة منها كانت موجودة، والخمسة الأُخُر تم تجهيزها لمواكبة الحدث.

ثلاثة من هذه الاستادات مصمّمة من قبل أشهر مجموعة تصميم في ألمانيا، التي ارتأت عدم الإكثار من خلط الألوان، التي سيتمّ توفيرها من قبل لاعبي الفرق المختلفة، وإلى جانبها دراما الجماهير.

هذا على الرغم من أن بعض السياسيين النافذين في الدولة، حاولوا التأثير على الشركة ليكون تصميم الغطاء الخارجي للاستاد مشابهاً لجلد الفهد الأفريقي.

استاد غرين بوينت القديم، والذي بُني الاستاد الحديث مكانه، كان يتّسع ل18000 ألف متفرّج، وقد بني في أربعينيات القرن الماضي، واحتضن أحداثا بارزة كحفلات مايكل جاكسون وبول سيمون و«يو 2»، وتمّ هدمه في العام 2007. وفي ديسمبر الفائت، تم الانتهاء من عمليّات بناء الاستاد الجديد، الذي كلّف ما يزيد على 200 مليون درهمٍ إماراتيّ، وموّلته حكومة مقاطعة كيب الغربيّة، واشتغل فيه 2500 عامل في الورديّة الواحدة.

530 حمّاماً و16 مصعداً وسجناً

تصل سعة الاستاد إلى ما يشابه سبعة مجمّعات أبنية، وترتفع منصّات الجماهير فوق مجموعةٍ هائلةٍ من المكاتب وغُرف الفرق والمراكز الطبيّة ومركز للصحافة وآخر للشرطة مزوّد بغرفٍ للسجون، وإلى جانب منصّات الجماهير، تنتشر المقاهي والمطاعم والمتاجر، و250 مجلساً لكبار الشخصيّات.

وفي مناطق مختلفة من الاستاد، تنتشر 59 بوّابةً و115 باباً دوّاراً، و530 مرحاضاً و16 مصعداً وأربعة استديوهات للقنوات التفزيونيّة.

قد تكون كلّ المواصفات السابقة استثنائيّة، إلا أن ما يميّز الاستاد بحقّ هو اتّساعه ل65 ألف متفرّج وفوقهم فلاتر الضوء النهاريّ التي تشكّل سقف الملعب المصنوع من 9 آلاف لوحة زجاجيّة، وفوق مساحة الملعب، وبالمساحة نفسها تماماً، توجد الفتحة الفوقيّة للمبنى.

والتصميم الكلّي مناسبٌ جدّاً لبيئة مدينة كايب تاون المشهورة بعواصفها الأطلنطيّة، فضلاً عن أن قوامه المنحني يحصر الصوت ضمن المبنى بأكبر شكلٍ ممكن.

وبكون الاستاد موجودا ضمن منطقة سكنيّة، فإلى جانب الصوت، يحتفظ المبنى بالضوء ضمن حدوده من دون الحاجة إلى مُسقطات الضوء التقليديّة الضخمة.

لم تُقصّر الشركة المصمّمة في جعل الاستاد العظيم متعةً للناظرين من كلّ الزوايا، خصوصاً سقفه الذي يتمكّن سكّان المناطق المرتفعة في المدينة رؤيته، إضافة إلى من يقفون على جبل المائدة، وبالتأكيد الطائرات الطوّافة التابعة للقنوات التلفزيونيّة العالميّة، إذ يقول روبرت هورمز، مصمّم المشروع من قبل الشركة الألمانيّة:

كنّا حريصين على أن يكون سقف الاستاد واجهته الثالثّة. ويترف المهندس ذاته، أن هذا الاعتبار جعل عمليّة التصميم أكثر صعوبةً، لأن الشركة كانت راغبةً في إبقاء المبنى منخفضاً للحماية من العواصف القادمة من المحيط، وفي الوقت نفسه تأمين مساحةٍ لأكبر عددٍ ممكن من المتفرّجين. وبالتالي كانت النتيجة سطحا يُشبه حافّة عجلة الدرّاجة الهوائيّة، إلا أنّها سلسة المنظر، بوزنٍ خفيفٍ جدّاً.

جنوب أفريقيا، تُعاني أزمة ماليّة خانقة، وبكونها تتوقّع حضور ما يُقارب 000 ,450 سائحٍ في الصيف، فهي تُراهن على جعل الاستادات الخمسة التي قامت بتشييدها، إحدى أكثر المنصّات استقطاباً لأحداث رياضيّة وموسيقيّة واجتماعيّة، بعد أن يشدّ موسم الفيفا رحاله عنها، فهل سيكون هذا التصميم الخياليّ استثماراً رابحاً بحق خلال السنوات المقبلة؟ علينا أن ننتظر كي نعرف.

دبي ـ علي محيي الدين