حفرة نار يحوم الجميع حولها، لكنهم يتجنبون الوقوع فيها؛ ويكرسون كل جهودهم المجتمعية والفنية لمحاربة هذه القضية الشائكة الفتنة الطائفية.
وهي بلا شك قضية أمن قومي من الفئة الأولى لا يصلح معها فقط توجه الدراما لمعالجتها بالنصح والإرشاد، ورصد مظاهر المحبة التاريخية بين أتباع الأديان المختلفة، فهل تفلت الدراما من حصارها وتتجرأ في مناقشة أبعاد الفتن الطائفية التي يفتعلها البعض من آن إلى آخر بصورة مباشرة؛ ولعل هذا ما شهدناه أخيرا من أعمال فنية وأدبية اخترقت العلاقة الحساسة بين المسيحيين والمسلمين في مصر؛ حيث أثيرت قضية الفتنة الطائفية عبر أعمال درامية عدة كان أشهرها مسلسل «أوان الورد»، «عمرو بن العاص»، و«بنت من شبرا» في محاولة لطرح المسكوت عنه بأوامر عُليا.
لكن الواضح أن الأعمال الدرامية لا تزال تفتقد جرأة مناقشة هذه الأزمة، نظرا إلى وجود خطوط حمر تمنع الأجهزة الرقابية الاقتراب منها؛ لذلك لم تصل أي من هذه الأعمال إلى حد الإبداع؛ لكن المؤسسات الدينية، إسلامية ومسيحية تمنع التمادي في وصف العلاقات الحقيقية بين المسلمين والمسيحيين في الأعمال الدرامية، مكتفية بهوامش مكررة في الأعمال كافة، ما يجعل الدراما وعظية في كل أحوالها، ويفقد معها الجمهور التحمس للمناقشة، فيصاب بالملل من الطرح الموجه للقضية في طريق واحد.
الناقدة ماجدة موريس تؤكد أن الأعمال الدرامية التي تتطرق إلى قضايا الفتنة الطائفية في مصر لاتزال تخضع لمقص الرقيب الذي يحرم المبدع من ممارسة إبداعه، وتكتفي بوضع نمط للشخصية المسيحية في قوالب غير سوية مثل الطيّب لدرجة السذاجة، أو المتزمت لدرجة التخلّف، أو المنحرف وشارب الخمر ومدمن لعب القمار، أو البنت المنحرفة، أو الرجل الضعيف، واعتبرت موريس أن الدراما التي تتحدث عن العلاقة بين المسلمين والأقباط في مصر لا تعطي الأقباط حقهم، ما يظهر العمل مبتورا، كما أن هذه الأعمال لم تستطع تصوير العلاقة في شكلها الحقيقي، وقدمت معالجة ساذجة لقضايا متشعبة بين هذين العنصرين، خصوصا في صعيد مصر، ما جعل المشاهد وكأنه يتابع فيلم كرتون، مؤكدة أن الدراما التلفزيونية في هذه القضية سكتت دهرا، ثم نطقت كفراً.
ولم تُنكر موريس أن قضية الفتنة الطائفية من أكثر القضايا الشائكة التي يجب التعامل معها بحذر، لكن أنكرت الحذر إلى هذه الدرجة من رعب المناقشة، وطالبت بالإسراع في تقديم الأعمال التي تناقش القضية بصورة مباشرة..
لافتة النظر إلى مسلسل «أوان الورد» الذي عدَّته من أكثر المسلسلات صدقا في طرح القضية خلال الفترة الأخيرة التي ظهرت فيها عشرات الأعمال الدرامية والسينمائية التي تصف العلاقة وتستعرضها من القشور فقط، فقد استطاع المسلسل - حسب قولها - التصدي لأصحاب النظريات المتطرفة فكريا.
معالجات بحساب
بينما ترى الناقدة رانيا يوسف أن القضايا الخاصة بالعلاقة بين المسيحيين والمسلمين غاية في الخصوصية، ولا يمكن على الإطلاق الجزم بأن حل هذه القضايا سيأتي من خلال عرضها على شاشات التلفزيون أو السينما.
نظراً إلى حساسيتها بشكل زائد عن أي قضية أخرى؛ ما يجعل الكثير من صُنَّاع الدراما أو السينما يخشون أن يثيروا فتنة تضاف إلى الفتنة الموجودة، فهم لا يريدون أن تكون أعمالهم محل خلاف بين المسلمين والأقباط.. مؤكدا أن المعالجات الدرامية بلا حساب قد تؤدي إلى تأجج الفتنة بشكل أخطر.
اعتراف ضمني
ويتفق في الرأي الناقد سمير فريد، مؤكدا أن مناقشة قضية الفتنة الطائفية بفرد مساحات واسعة لها عبر القنوات الأرضية والفضائيات من خلال أعمال درامية يعني الاعتراف بوجودها، وهو ما يعكس أمورا غير حقيقية؛ لأن النسيج المصري متناغم إلى أبعد الحدود، على الرغم من الاعتراف بوجود أحداث طائفية فردية من وقت إلى آخر.
سواء قضية نجع حمادي أم سوهاج، لكن ما يتم عرضه في الأعمال الفنية يجعل من الضروري الاعتراف بوجود خلافات شديدة كالعنصرية في أميركا، وهذا ما يُكرس الطائفية في مصر، والتي من الممكن أن تؤدي إلى تمزيق الوطن إلى أحزاب وشِيَع.
سيناريوهات فقيرة
لكن المخرج عادل الأعصر يعود ليؤكد أن السيناريوهات التي تم تجسيدها في مسلسلات أو أفلام مصرية بعيدة تماما عن الواقع، وتفتقر إلى المصداقية لوجود أخطاء متعددة سواء تاريخيا أو في الطقوس التي لا يُكلّف الكاتب خاطره في البحث عنها في أمهات الكتب أو بسؤال أصحابها.
ففي مسلسل «خالتي صفية والدير» تعرض للعلاقة بين أحد رهبان الأديرة وجيرانه المسلمين وعمله على نصرة المظلوم؛ حيث بدت العلاقة مثالية للغاية بعيدا بعض الشيء عن أرض الواقع.
وتعجب الأعصر من قيام السيناريست القبطي عاطف بشاي مؤلف مسلسل «يا رجال العالم اتحدوا» بإظهار النساء المسيحيات في دور المتمسكات بدينهن، وعلى الرغم من ذلك ظالمات لأزواجهن، في حين أن هؤلاء الأزواج يخشون زوجاتهن إلى أقصى درجة.
وهذا ما أفقد المسلسل مصداقيته، كذلك المخرج القبطي سمير سيف في مسلسله «أوان الورد» الذي قامت ببطولته الفنانة يسرا؛ حيث أظهر سيدة كانت تتزوج مسلماً وتخالف عقيدتها، وهذا يثير حفيظة المسيحيين ضد الأعمال الدرامية، ما يساند فكرة أنهم أقلية مضطهدة في مصر..
أضاف الأعصر أن الراحل أسامة أنور عكاشة هو الوحيد الذي أبدع في كتابة أعماله الخاصة بالمسلمين والأقباط وأفكار الطائفية التي تظهر من وقت إلى آخر، وكان الأقرب للواقع على مدار أعماله كافة.
قضايا أهم
في حين أكد السيناريست محسن الجلاد أن تناول الدراما لمسألة الفتنة الطائفية في مصر قليل للغاية لعدم وجود السيناريوهات المكتوبة بشكل دقيق، والتي تمكن الدراما من نشر السلام الاجتماعي، وعلى الرغم من ذلك فهناك بعض النماذج الجيدة التي أثبتت أن السيناريو هو الأساس في نجاح الأعمال الدرامية وقدرتها على اختراق القضايا الشائكة.
أضاف أن إيجاد دور للأقباط في الحياة العامة وتناول ذلك في الأعمال الدرامية بصورة واضحة يعطي أفضل النتائج للقضاء على الأعمال الفردية الطائفية، مشيرا إلى وجود عدد هائل من القضايا التي لا تقل قدرا عن العلاقة المتشعبة بين المسلمين والأقباط في مصر، وتكفي قضية البطالة وارتفاع الأسعار والتي تمس المسلمين والأقباط معا دون تصارع فارغ لا طائل من ورائه، وأوضح أن الدراما من واجبها التعامل مع القضايا التي تمس الحياة حسب الأولويات.
بحر ألغام
أما الفنان ماجد الكدواني؛ فيقول: «رغم أنني قبطي إلا أن تجسيد الدراما المصرية للأقباط جاء في حدود الممكن والمتاح؛ لأن تقديم هذه الأعمال صعب للغاية في ظل حالة الاحتقان التي يعيشها الشعب كل فترة بسبب تداخل عناصر خارجية أطلقوا على أنفسهم أقباط المهجر؛ لذلك يعمل صُنَّاع الدراما في بحر من الألغام، كما أن هناك مشاكل إنتاجية متعددة تهدد صناعة الدراما التي تتحدث عن العلاقة بين المسلمين والأقباط تنتهي بموت الإبداع، وجعل الأعمال الدرامية مستهلكة».
الخوف من الوقيعة
وأخيرا تعترف الفنانة إلهام شاهين بوجود عوائق أمام تقديم الفتنة الطائفية في عمل درامي، وهذا أمر رقابي لا علاقة للفنانين أو الكتَّاب أو المخرجين به، فإذا أُتيحت أمامهم الفرصة فلن يتأخروا عنها، لكننا لن نرضى أن تكون الأعمال الدرامية سببا في نزع فتيل قنبلة الطائفية في مصر.
وقد يكون ذلك، ما جعل معظم الكتَّاب يمتنعون عن كتابة هذا النوع من الأعمال الفنية خوفا من التورط في وقيعة بين عنصري الأمة المصرية؛ لذلك تحتاج هذه القضية إلى كاتب واعٍ ومخرج متمكن ولديه رؤية مميزة، إضافة إلى منتج يقتنع بمناقشة القضية بشكل فعَّال بعيدا عن مقتضيات السوق.



