حين طرحت بعض الأعمال السينمائية في بداية الثمانينات قيام المرأة بدور سائقة تاكسي كان الأمر فانتازيًا، فقد لعبت الفنانة سهير رمزي هذا الدور في فيلم «البنت اللي قالت لا»، والذي تقع فيه البطلة في العديد من المشاكل، ما يدفعها إلى البحث عن لقمة العيش.
وفي 2010 يأتي الواقع ليطبق الفكرة الفانتازية، فظهرت سائقات للتاكسي، ونجحت المرأة في تحديها للرجل في مهنة ذكورية بحتة كما كان متعارفًا على ذلك.فحين تمشي - حاليًا - في شوارع القاهرة تجد تاكسي العاصمة، ذات اللون الأصفر، وحين تدقق النظر تجد أن السائق سيدة، ما يسبب تعجب وإحباط الكثيرين ، معلنين شكواهم من مزاحمة حواء للرجل في أدق المهن التي تخصه.فقد انطلق بالقاهرة منذ أشهر مشروع تاكسي تقوده سيدة، لكن التجربة ليست مصر رائدة فيها عالميًا، فقد سبقتها بلدان عديدة منها الإمارات، بعدها لبنان، وتُعد مصر ثالث دولة عربية تخوض هذه التجربة ، فهل نجحت المرأة في قيادة التاكسي مثل الرجل، وما المواقف التي تصعِّب المهمة على حواء في هذه المهنة؟:تجنبًا للتحرشات:يقول أيمن فتحي مدير تشغيل بشركة تاكسي العاصمة: «الفكرة طُرحت نتيجة طلب العديدين لهذه الخدمة من خلال (الكول سنتر).
وعندما لاحظنا أن معظم السيدات يصممن على الطلب، قمنا بطرح المشروع فكرة دون تنفيذ، وعندما سمع بها كثير من النساء طلبن سرعة التنفيذ تجنبًا للتحرشات التي تحدث من قِبل السائقين لهن، فضلاً عن الراحة والأمان اللذين يشعر بهما الزوج عندما يعرف أن زوجته تستقل تاكسيًا تقوده سيدة».
الغريب في الأمر ترحيب رجال كثيرين بالفكرة.. مؤكدين أنها ستساعد المرأة على التنقل في المجتمعات المحافظة بكل حرية وبأمان ودون خوف، فنفذت الشركة المشروع بأقصى سرعة، وذلك بعمل إعلان لطلب سائقات، وتقدمت 100 سيدة لاجتياز الاختبار.
تفضيل المؤهلات العُليا
وأضاف فتحي أنه في البداية تم اختيار خمس منهن لاختبارات القيادة والدرجة العلمية واللياقة البدنية؛ للتأكد من قدرة السيدة على الدفاع عن نفسها فور حدوث أي مضايقات، بالإضافة إلى اختبارات اللباقة، كما أن الحاصلة على شهادة جامعية مفضلة أكثر؛ لحسن تصرفها مع الزبائن..
مشيرًا إلى صعوبة استخراج رخصة مهنية لسيدة في المرة الأولى، لكن الأمر صار طبيعيًا حاليًا، كما وفرت الشركة تأمينًا على حياة مَن تم قبولهن في العمل؛ إضافة إلى الرواتب المجزية، فضلاً عن أن الشركة حددت العملاء الذين يتعاملون معها من خلال مركز الاتصال الخاص بالشركة ولا يتعاملون مع زبائن من الشارع.
كما أن ساعات العمل للسيدات بالنهار فقط من التاسعة أو الثامنة صباحًا حتى السادسة مساءً؛ لأن قانون المرور يمنع السائقات من العمل ليلاً تجنبًا للمخاطر والمضايقات، كما أنه غير مقبول من عملاء مركز الاتصال طلب الذهاب بالتاكسي الخاص بالسيدات إلى أماكن بعيدة أو مناطق نائية حماية لهن.
مركز تدريب سائقات
ويلفت فتحي النظر إلى أنه بعد انطلاق التجربة لوحظ الإقبال غير العادي للفكرة، فقد تلقت الشركة خطابات الشكر على هذه الخدمة، وأعلن اتجاه الشركة لتعيين سيدات أكثر في المراحل المقبلة، كما أن هناك نية لعمل مركز تدريب على مستوى عالٍ تلتحق به سيدات يتدربن تحت أيدينا، ومن خلال هذا المركز نختار مدربات للتعيين..
مؤكدًا أن الخدمة ليست مقصورة على النساء فقط، بل للرجال أيضًا، ولكن من نختارهم بعناية ممن نشعر تجاههم بالأمان، وممن هم عملاء مركز الاتصال الدائمون والمعروفون.
وكان لا بد أن نتحدث مع صاحبات التجربة، ومنهن بدور، وهي سائقة في تاكسي العاصمة، والتي تقابل زبائنها بابتسامة دائمة متفانية في العمل، فتقول: «عمري 35 عامًا، وقد تقدمت لهذه الوظيفة بعد قراءة الإعلان، وخضعت لاختبارات عالية في اللغة والذكاء والقدرة على تحمُّل الصعاب مع تفادي أي مصادمات مع العملاء، فأنا حاصلة على بكالوريوس خدمة اجتماعية وأم لطفلين ولا تمانع أسرتي في هذا العمل.
بل تساعدني على أن أُكمل طريقي، فقد تحملت مضايقات العملاء في البداية؛ نظرًا لأن التجربة جديدة على الشارع المصري، فكثيرون استقبلوا الفكرة بسخرية في بادئ الأمر، ولكن الشركة لم تقصِّر معنا في شيء؛ حيث تقوم بأخذ عنوان، ورقم تليفون العميل.
وكذلك سيرته الذاتية، كما أنها تعتذر عن الأماكن العشوائية والنائية، وأحمد الله أننا أصبحنا نُطلب بالاسم من (الكول سنتر)، ونتعامل مع السيدات وكأنهن أخوات لنا، سواء مصريات أو من دول عربية، فيشعرن بالسعادة والأمان، خاصة من يزرن مصر لأول مرة».
«بقشيش» أميركي
سيدة أخرى تدعى إيناس 30 عاما تروى تجربتها فتقول: لا أُنكر أنني في البداية تعبت مما يحدث وكنت أفكر في ترك التجربة، ولكن استوقفتني ذات مرة شخصية كبيرة في الدولة، وشجعتني على الاستمرار، وأعلن احترامه لي، وهذا ما أعاد إصراري على الاستمرار في تجربتنا الجديدة على مصر.
وعن تعامل رجال المرور معها، قالت إيناس: في البداية كان يستوقفني ضابط لمعرفة إن كان معي رخصة أم لا، ولكن عندما يجد جميع أوراقي سليمة يتركني بكل احترام، كما أنني أشير إلى أن الرواتب التي نأخذها مجزية، إضافة إلى (البقشيش)، فقد كان أكثر (بقشيش) حصلت عليه من رجل أميركي كانت أجرته 8 جنيهات، ولكنه ترك لي 50 جنيهًا، وأخبرته بأن ذلك كثير فالأجرة 8 جنيهات، لكنه ترك المبلغ، وقال إنه معجب بإصراري وبهذه التجربة.
الكاميرا الخفية
أما شيرين فهي من سائقات تاكسي العاصمة، وتبلغ من العمر 25 عامًا، وقد قررت أن تخوض التجربة حين كانت في سبيلها للبحث عن عمل، معللة ذلك بأنها ستكون بحريتها ومنطلقة مع العملاء؛ لأن معظمهم سيدات، وقد أصبحت شيرين من أمهر السائقين في الشركة.
وتعلق قائلة: لا يوجد نجاح دون تعب، فقد تلقيت نظرات غريبة الشكل من الشارع والسائقين ومن بعض السيدات أيضًا، ولكن كنت لا أنظر لكل ذلك ولا أبالي به، فقد كان همي أن أنجح في عملي مهما كان شاقًا، فالتجربة جديدة وناجحة لأي سيدة تريد الأمان والراحة، وغالبًا ما نتعرَّض لمواقف طريفة.
فمثلاً عندما يلاحظني أحد يتوقع أننا تابعات لبرنامج «الكاميرا الخفية»، فذات مرة ذهبت لأحد العملاء، وعندما رآني كان رافضًا الركوب معي، وحاولت أن أقنعه، لكن باءت محاولاتي بالفشل، وعندما تيقن أن الموقف ليس له علاقة بالكاميرا الخفية ظل يضحك طوال الطريق، فهو لم يكن يعرف بهذه الخدمة من قبل.
لكنني أؤكد أن قيادة السيدات لسيارات الأجرة أصبحت مطلبًا ضروريًا لقطاع عريض من الناس، خاصة السيدات المنتقبات والمحجبات والضيوف العرب، ممن يخفن على أولادهن، فأي أم تشعر بأن السائقة ستتعامل مع أطفالها برفق أكثر من الرجل، فضلاً عن أن قيادة السيدات بطبيعتها تكون هادئة أكثر من الرجل.
مشروع
تنصح شيرين إحدى سائقات تاكسي العاصمة كل سيدة ترى في نفسها قدرة على العمل ورغبة حقيقية في كسب مشروع ومريح بأن تتقدم لوظيفة سائقة تاكسي، ولن تندم.

