في عصر الحركة ب«الفمتو ثانية» سيتحول كل شيء إلى عالم الإلكترون بما في ذلك لغة المشاعر، الموسيقى، فقد أصبح لدينا بعد عالم مليء بالأوتار والأقواس ما سُمِّي «الموسيقى الإلكترونية»، التي يتم إنتاج الصوت فيها إلكترونياً باستخدام أصوات لها طبقات عالية.
حيث يقوم الملحن أو العازف بتركيب الأصوات على شريط مغناطيسي، وتعزف الموسيقى من خلال مضخم صوت أو أكثر. «الحواس الخمس» التقى محمود رفعت أحد المختصين بالموسيقى الإلكترونية؛ ليحدثنا عن هذا النوع الجديد والمختلف على الجمهور العربي، فإلى التفاصيل..يقول رفعت عن كيفية دخول عالم الموسيقى الإلكترونية: في بداية التسعينات كانت هناك حركة تطور وانتعاش في صناعة الموسيقى والترفيه عامة، وكنت أشارك في فرقة لموسيقي الروك كعازف على آلة الدرامز.
وكانت الفرقة تقدم أغنيات الفرقة الإنجليزية الشهيرة «بينك فلويد»، وغيرها في مختلف الفنادق الكبرى أو صالات الملاعب، وذلك بحضور أعداد كبيرة وبرعاية شركات ضخمة لأفضل ثلاث فرق، وقمنا بتسجيل أول ألبوم للفرقة، لكن أجهضت هذه الحركة بفعل الصخب الإعلامي الذي صاحب ظهور موسيقى «الهيفي ميتال»، وما أثير حول ارتباط عبدة الشيطان بها، فانحسرت هذه الموجة من الموسيقى الحية.
وعن عمله في المسرح راقصاً وكيف استفاد منه في مجال الموسيقى الإلكترونية يقول: مع المسرح التجريبي الراقص كانت هناك مساحة من البناء الموسيقي بعيداً عن الأشكال الكلاسيكية المعروفة، فأتيح لي استخدام مؤثرات صوتية وإيقاعات غير منتظمة التأثيرات من ثقافات موسيقية مختلفة من العالم، وبالطبع تكون لها علاقة درامية بالمسرحية.
فقدمت مع المخرج محمد شفيق العرض التجريبي «حيث تحدث الأشياء» في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي في العام 2000، وحصل العرض على الجائزة الأولى كأحسن عرض، وقدمنا سوياً عدة عروض أخرى.
وحصدنا جائزة أحسن عرض في مهرجان المسرح الراقص لدول البحر المتوسط في العام 2001، وأستطيع أن أدعي أن الجمهور النوعي الذي يتابع مهرجاناً كهذا يمكنه استيعاب نوعية موسيقية مختلفة تم بذل مجهود وفكر في صياغتها.
واستطرد معقباً على الفن الذي يتوافق مع الموسيقى الإلكترونية: حين قمت بتأليف الموسيقى التصويرية لبعض الأفلام الوثائقية والروائية القصيرة، استخدمت تقنيات الموسيقى الإلكترونية، خاصة في «الفيديو آرت» مع صديقي الفنان شريف العظمة، فالموسيقى الإلكترونية والفيديو آرت يلتقيان في كونهما يقومان على منظومة الارتجال بشكل مباشر أمام الجمهور.
وكذلك إمكانية التقطيع والمكساج، فنتابع الصور على الشاشة بتزامن عمل الموسيقى الإلكترونية، وقد أصبح التلازم بين «الفيديو آرت»، و«الموسيقى الإلكترونية» ضرورياً في معظم الحفلات.
مهرجان 100 نسخة
رفعت قال عن كيفية تفكيره في اول حفل للموسيقى الإلكترونية: كانت الفكرة تفرض نفسها، وتلحّ على ذهني بتقديم هذه الموسيقى في حفل مستقل بذاته وخلق مساحة لها في المجال الموسيقي، وأن يأتي جمهور وإن كان لا يتعدى 100 شاب إلينا، وبدأت مع الفنان حسن خان ابن المخرج السينمائي محمد خان.
وفنان «الفيديو آرت» شريف العظمة بدعم من معهد «غوتة» الألماني الذي أتاح الفرصة لهذه النوعية من الموسيقى أن يكون لها وجود، خاصة أن ألمانيا من الدول الرائدة في هذا المجال منذ فترة طويلة، ولديهم تقدم تكنولوجي هائل وشهرة في صناعة التسجيلات الصوتية.
وقد قمت في العام 2005 بتسجيل أول أسطوانة لي بعنوان «ميرامار»، وكونت شركة صغيرة للإنتاج والتوزيع؛ لأنني اكتشفت أن هذه الموسيقى التي نقدمها في الحفلات تنتهي بمجرد نهاية الحفل، وبدأت بطرح 100 أسطوانة فقط لمن لديهم شغف بهذه الموسيقى، ومن هنا جاءت تسمية المهرجان بعد ذلك 100 ُِيمَّ أو «100 نسخة».
وعن تاريخ تلك الموسيقى في مصر أضاف: ليس هناك تاريخ في مصر للموسيقى الإلكترونية باستثناء فنان اسمه حليم الضبع في الستينات، وقد هاجر هذا الفنان إلى أميركا، وفي تجربتنا بدأت الحفلات تستقطب بعض الشباب المتطلع إلى ما هو جديد، ولديه أسس وفكر خاص بهذه الموسيقى، كما ظهر العديد من المهتمين بأن يكونوا جزءاً من هذه التجربة، وأصبحت لديهم إسهامات جيدة..
إنها مرحلة التكوين وتلمّس الطريق، وقد قمت في هذه الفترة بتنظيم حفلات لأدهم حافظ وحسن خان وغيرهما، وبعد عام تبلورت الفكرة لإقامة حفل يجتمع فيه الفنانون الذين قدموا حفلات تتعلق بموسيقى إلكترونية، ولما كان العدد الذي أراد المشاركة كبيراً في وجود فناني «الفيديو آرت» وتمويل مادي من معهد غوتة- خرج المهرجان لأول مرة في العام 2007.
موسيقى البعد الآخر
وعن أسطوانته «ميرامار» يقول: قصدت التقاط أصوات من الحياة اليومية للناس، مثل صوت السيارات، آلات التنبيه، ضجيج الأسواق، الأذان، وكلها أصوات تعني شيئاً ما لدى الإنسان، وعملت على تطوير هذه الأصوات.
فهي في الأصل تحمل بُعداً موسيقياً، وليست أصواتاً مجردة، ولكن من دون استخدام الآلات الموسيقية المعروفة يتساوى عندي صوت رنين العود مع صوت «الونش» الذي يرفع السيارات، فكلاهما يصدر تردداً صوتياً له مساحة ورنين في المحيط الصوتي..
وبفضل التقنية العالية المتاحة في هندسة الصوت أقوم بعمل «مكساج» لهذه الأصوات وتقطيعها وتوقيعها، أي عمل إيقاعات وخلفيات، وبما أن الموسيقى تخاطب الروح والوجدان، فإن إعادة صياغة هذه الأصوات لها علاقة بذاكرة معينة لدى كل إنسان، وهذا الشكل الموسيقي يبعث فيه البعد الآخر من الحياة.
وعن الموسيقى الإلكترونية في العالم يقول: الموسيقى الإلكترونية تتطور وتنتشر بشكل هائل في فرنسا وألمانيا وأميركا وروسيا، وهناك دائماً بحث عن خلق مساحات أكبر لهذه النوعية المتقدمة من الأشكال الموسيقية في سياق الموسيقى التجريبية الإلكترونية، ومنذ العشرينات من القرن الفائت كان هناك المخرج السينمائي الألماني «فالتر واتيمان» يؤلف موسيقى أفلامه من تسجيلات لصوت هدير ماكينات أو حجارة، ونظراً لشهرته كمخرج فقد أحدث صدى قوياً بأفكاره.
أعني أن هناك ما يمكن البناء عليه والبحث في تطويره، خاصة مع الثورة التكنولوجية الموجودة حالياً التي جعلت الأمر متاحاً بإمكانات أكبر، فأصبح في استطاعة الهواة، مهندسي الصوت، مَن درس نظريات علم الأصوات، صاحب الخلفية الموسيقية والموهبة في استخدام أجهزة المكساج وغيرها.
أن يصل إلى التركيبة الموسيقية التي يسعى إليها، فالمهم هو الإحساس بالتوافق الهرموني و«التمبو» أي الإيقاع بشكل سليم، فهناك مساحة جذابة في طرق عالم الموسيقى الإلكترونية تسمح بكل التجارب.
وعن مدى العلاقة بينها والنوعيات الأخرى من الموسيقى علق قائلاً: إمكانات الموسيقى الإلكترونية باتت تجذب الموسيقيين للاستفادة من أجوائها وسهولة مزجها، فهناك «إلكترونيك جاز»، و«روك» و«هاوس»، وهناك أيضاً طرب عربي تؤديه المطربة كاميليا جبران التي تغني من عيون الشعر العربي، فقد قدمت أخيراً تجربة مهمة مع الموسيقى الإلكترونية مع بعض الموسيقيين من سويسرا.
وعن تجربته مع الموسيقار فتحي سلامة يقول قدمنا سوياً عدة تجارب، فهو موسيقي في حالة بحث مستمر عن كل تطور على الساحة الموسيقية، ويستطيع إثراء أي عمل يشارك فيه لخبرته في معظم الألوان الموسيقية الشرقية والإفريقية وغيرها، ونشترك سوياً في ورش عمل، فمرة قدمت حفلاً مع «دي جي» وفرقة فتحي سلامة «شرقيات».
حتى نوضح للجمهور الفرق بين ال«دي جي» والإلكترونيات، كما قدمنا معاً حفلاً آخر بمشاركة منشدي المديح النبوي والذكر، ومرة ثالثة مع عازف عود، وفي كل التجارب نخلق عالماً موسيقياً يمزج بين عالمين، وعادة ما يكون مبهراً وعلى مستوى عالٍ من الدقة والاحترافية.
هل يلقى مهرجان الموسيقى الإلكترونية الذي يقام كل عام تجاوباً من الجمهور؟
جمهور الموسيقى الإلكترونية يتزايد يوماً بعد آخر، فقد أقمنا خلال شهر مايو للمرة الرابعة على التوالي مهرجان ( 100 Copies live) بمنطقة مصر القديمة وشارك فيه من مصر كل من يارا مكاوي، علا سعد، أحمد بسيوني ومجموعة «بكيا».
ومن الخارج «بان يلنك» من ألمانيا، جورج من أمريكا، «كلوديا أوديو» من إيطاليا، وكان اليوم الأول في مكان مفتوح، والثاني في مكان مغلق لتجربة أساليب وطبيعة الصوت في أكثر من مكان مختلف في طبيعته، وقد كنت أتمنى وجود فنانين مثل الألمانية «أيبك».
ذات الأصل التركي، التي تقدم كل ألوان الموسيقى في العالم، وقد زارت مصر منذ عامين عن طريق معهد غوتة، وقدمت حفلاً بساحة «روابط» للفنون، لكن هناك من رأى أنه يجب إعطاء الفرصة لمشاركة فنانين آخرين بتجارب مختلفة.
علاقة
عن مدى العلاقة بين الموسيقى الإلكترونية والنوعيات الأخرى من الموسيقى يقول محمود رفعت: إمكانات الموسيقى الإلكترونية باتت تجذب الموسيقيين للاستفادة من أجوائها وسهولة مزجها، فهناك «إلكترونيك جاز»، و«روك» و«هاوس»، وهناك أيضاً طرب عربي تؤديه المطربة كاميليا جبران التي تغني من عيون الشعر العربي، فقد قدمت أخيراً تجربة مهمة مع الموسيقى الإلكترونية مع بعض الموسيقيين من سويسرا.
القاهرة - دار الإعلام العربية

