اختفت الأغاني الفلكلورية لأعوام طويلة، لكنها تحيا بين فترة وأخرى كنوع من تمرد بعض المطربين على المألوف، أو لانتشار الفَلَس الغنائي والموسيقي، حتى أصبحت موضة في الوسط الغنائي، فلم تعد تخلو ألبومات المطربين من هذا النوع من الأغاني حتى لو كانت واحدة فقط.
كما بدأ بعض مشاهير المطربين في إقامة حفلات في الدول الأوروبية معتمدين خلالها على تقديم هذا اللون من الغناء الفلكلوري.. فلماذا عادت الفلكلوريات إلى ألبومات مطربينا.. وما أسباب ظهورها واختفائها بين حين آخر؟لم تكن الأغاني الفلكلورية وليدة هذا الموسم الغنائي أو سابقه، لكنها وُلدت منذ فترات طويلة؛ حيث غناها عبدالحليم حافظ، فريد الأطرش، وشادية، ثم غابت فترة لتعود مرة أخرى على يد المطرب محمد منير الذي اعتاد تقديم أغنية من الفلكلور في كل ألبوم من ألبوماته، سواء كانت مصرية، نوبية، أم تونسية.حيث ضم ألبومه الأخير أغنية «تحت الياسمينة»، وهي من الفلكلور التونسي، كذلك «أبو طاقية» من الفلكلور النوبي، كما قام بتسجيل أغنية جديدة من الفلكلور الليبي منذ أسابيع، ويتم عرضها منفردة ليضمها بعد ذلك إلى الألبوم الذي يطرحه بعد كأس العالم.
:فلكلور ليبي:واستمرارًا لشغف المطربين بالفلكلور الليبي، فقد قدمت المطربة أنغام أغنية من الفلكلور الليبي منذ ما يقرب من 5 أعوام، وحظيت بنجاح كبير عند طرحها، لدرجة جعلتها تطلق اسم الأغنية على الألبوم وكان بعنوان «وحدانية».وتستعد أنغام - حاليًا - لتقديم أغنية أخرى من الفلكلور الليبي قامت بتأجيلها أكثر من مرة؛ لانشغالها بتصوير بعض أغاني ألبومها الجديد الذي يتم طرحه خلال صيف 2010.كذلك المطرب فارس، الذي قدم أكثر من أغنية فلكلورية من الفلكلور الليبي أيضًا، كان آخرها أغنية «حلوة»، التي قرر أخيرًا أن يصورها فيديو كليب؛ حيث أراد أن يكسر الروتين الذي يمارسه في الغناء منذ أعوام طويلة، خاصة بعد أن وجد أن هذا اللون مختلف ومميز؛ حيث نجح فيه عدد كبير من المطربين.:منير بالنوبي:وعن تجربته مع الأغنية الفلكلورية، يقول المطرب محمد منير إنه وجد نفسه في وسط غنائي سيئ للغاية، وإن كل من يستطيع فيه أن يقول «يا ليل يا عين» يقوم بإصدار ألبوم غنائي، فقرر الخروج من هذا المنعطف، واختار الفلكلور النوبي في البداية، وشعر أن عشاقه يتجاوبون مع هذا اللون، فقام بتعميم التجربة في عدة ألبومات.
حيث يقوم - حاليًا - بتسجيل أغنية فلكلورية بعنوان «سكر سكر» يتم طرحها مع الألبوم الغنائي المقبل الذي يُنتظر أن يكون جاهزًا بعد الانتهاء من بطولة كأس العالم لكرة القدم، فيقدم هذه الأغنية بتوزيع عصري جديد لتضاف إلى رصيده من الأغنيات الفلكلورية النوبية.
وعن عشقه لغناء الفلكلور النوبي، أوضح منير أن الإيقاع النوبي يتشابه تمامًا مع موسيقى «البيتلز» التي انتشرت في ستينيات القرن الفائت، والتي يوجد منها المقسوم في الموسيقى العربية.
لذلك قام بغنائها في مسرح «فيل هرموني» بمدينة بيل الألمانية، كما أعلن أنه يرتب خلال الأيام المقبلة لنشر الفلكلور النوبي أثناء حفله الكبير الذي سيقام على مسرح «هارمونيك» بمدينة ليفربول الإنجليزية.
خيبة أمل
وعن أسباب العودة للأغاني الفلكلورية رغم اتجاه الموسيقى في العالمين العربي والأجنبي إلى الألوان السريعة، يؤكد د. عبدالحميد حواس، أستاذ الفلكلور بالمعهد العالي للفنون الشعبية.
أن ما يحدث على الساحة الغنائية - حاليًا - ما هو إلا ممارسات تخريبية للذوق الجمالي للأغنية بشكل عام، ما أدى إلى إصابة الجيل الحالي بخيبة أمل؛ لذلك كانت العودة للأغنية الفلكلورية أمرًا طبيعيًا للتحرر من هذه الألوان الزائفة.
ومن هنا جاء دور البحث في الذات ليوقف عنفوان وانحدار الغناء بشكل عام من خلال أغنيات مرتبطة بواقعنا وهمومنا؛ لذا انطلق عدد من نجوم الطرب في مصر ليُعيدوا أمجاد الأغنيات الفلكلورية لما لها من شعبية كبيرة تساعد على كسر الملل الناتج عن الأغاني الهابطة التي يُطلق عليها «رومانسية».
كذلك أكدت سوزان السعيد، أستاذ الفلكلور بأكاديمية الفنون، أن الأغنية الفلكلورية أحد الألوان الغنائية التي تحمل بين طياتها دلالات جمالية تعبر بشكل مباشر عن علاقة الإنسان بكل ما يقابله خلال يومه، إلا أنها للأسف تعرَّضت للانقراض وغابت لفترات طويلة.
لكن ذلك يرجع إلى عاملين أولهما: غياب المطرب الواعي لقيمة الفلكلور، وثانيها: عدم وجود الملحن القادر على التعامل مع الفلكلور والتحاور معه والاستفادة منه بشكل عصري، فانصرف المطربون للغناء ذي الإيقاع السريع.
مجهولة النشأة
أما عن منشأ الأغنية الفلكلورية فقد أوضح د. أحمد مرسي، أستاذ الفلكلور بجامعة القاهرة، أنها مجهولة النشأة، فقد ظهرت في البداية بين أناس أمّيين يجهلون جميع قواعد الموسيقى رغم أنها تتناول موضوعات بطريقة جادة، لكن تنقصها ظلال العواطف.
أضاف أن الموجة الراقصة اكتسحت كل شيء في طريقها حتى ظن العديد من الشباب أن هكذا يكون الغناء، وأن ما عدا ذلك قد عفا عليه الزمن، ولم يعد له وجود من الأصل، إلا أن هذا جهل بتاريخ الأغنية.
فقد أثبتت تجارب مطربين مثل أنغام، حميد الشاعري، ومحمد منير هيبة الأغاني الفلكلورية، خاصة أنهم يقدمون الغناء بهذا اللون دون إسفاف، وبأداء صحيح وفقًا لأصول الغناء المتبعة.
غياب تسعيني
وعن غياب أغاني الفلكلور خلال فترة التسعينيات، يقول الناقد الموسيقي أشرف عبدالمنعم: «إن هذه الفترة شهدت تراجعًا شديدًا للأغنية الفلكلورية نتيجة المد الكبير للإيقاعات الغربية.
فقد كانت الموجة جديدة ولا بد أن تأخذ وقتها الكافي، لتنضج أو يمل منها الجمهور والمطربون، لكن يبدو أن إعادة بعث هذا الفن الأصيل ستكون على يد عدد من المطربين مثل محمد منير، أنغام، وحميد الشاعري؛ لاستعادة تمثيل الشخصية العربية في غناء حقيقي».
ضربات موجعة لجذور راسخة
وقد اتفق معه الموسيقار حلمي بكر قائلاً: «الأغنية الفلكلورية لها مكانتها التي لن تتزعزع مهما طال الزمن؛ لأن المعاينة الموضوعية لها تكشف أنها ما زالت تفرض حضورًا وإن كان متواضعًا نسبيًا لكنه يلقى استجابة من كل مستمع عربي، فلا يمكن لأحد إنكار أهمية أغاني الفلكلور في أي وقت من الأوقات رغم أنها فقدت جماهيريتها.
نظرًا لغياب طال، وقد فقدت أيضًا كثيرًا من بريقها؛ نظرًا لفساد الذوق العام في الغناء، وعزوف المطربين عن غنائها، وتحوّلهم إلى الأداء الراقص، إلا أنها ما زالت تثبت نفسها في كل ألبوم حديث، ما يؤكد امتدادها في الأرض بجذور راسخة».
وهذا الرسوخ أكدته أيضًا الناقدة ماجدة خير الله، حين قالت: «الأغنية الفلكلورية تلقت ضربات موجعة عبر الزمن على يد تيارات الصخب الموسيقي المختلفة، فتوارت مدة من الزمن بعد ظهور مجموعة من الدخلاء على الغناء.
لذلك نحن في حاجة إلى إعادة تلحينها أو توزيعها من جديد وحشد الجماهير وراءها؛ لأنها تمثل نوعًا من الحفاظ على الهوية العربية، وما يؤكد هذه العودة الحميدة للغناء الفلكلوري اتساع رقعة هذا الغناء في ألبومات الألفية الثالثة لمطربين وجدوا أننا في حالة من التردي الغنائي والموسيقي».


