كم كانت الأشواق تتوق إلى رؤيته وهو يطرق على الأبواب حاملاً في حقيبته الجلدية رسائل المسافرين المملوءة برائحة الغربة، وخطابات الجهات الرسمية وغير الرسمية، فضلاً عن رسائل العشاق والمحبين وأسرارهم.
إنه «البوسطجي» الرجل الوحيد الذي يقضي عمره يتجوَّل من شارع إلى آخر، ومن حارة إلى أخرى، ويدخل البيوت، ويعرف ساكنيها فردا فردا بلا استئذان، وفي كثير من الأحيان كان ينال حظه من البقشيش والعطايا، وسبحان مغير الأحوال.حيث يوشك هذا الرجل على الرحيل بلا عودة من حياتنا أمام التغيرات المتسارعة في عصر ثورة الاتصالات والتكنولوجيا، فمن البريد الإلكتروني إلى رسائل الٍََّّ تتسع القائمة لوسائل حديثة تهدد وجوده، وتكاد تدخله في «متاحف التاريخ».لم يكن البوسطجي فقط مجرد ساعي بريد، بل إنه كان إحدى الشخصيات الأدبية الشائقة التي رسمها لنا الروائي الراحل يحيى حقي في روايته «دماء وطين»، والتي تحولت إلى فيلم شهير بعنوان «البوسطجي» العام 1968 أخرجه حسين كمال.ولعب بطولته شكري سرحان، وزيزي مصطفى، يحكي الفيلم عن عباس أفندي البوسطجي الذي يُنقل إلى قرية نائية في صعيد مصر، ويحاصره فيها الملل والوحدة، ولا يجد ما يسليه في هذه الوحدة إلا فتح خطابات أهالي القرية.
ومن خلال متابعته لتلك الخطابات يكتشف وجود علاقة بين إحدى الفتيات ورجل، وأنها قد حملت منه، ويكتشف الأب جريمة ابنته فيقتلها، أما «عباس أفندي» فيؤنبه ضميره؛ لأنه لم ينقذ هذه الفتاة بإظهار الخطاب الذي يعدها حبيبها فيه بالزواج، فيعود إلى العاصمة «القاهرة» بعد أن يقوم بإلقاء عشرات الخطابات في الهواء، ما يوحي للمشاهد بأن تلك الجريمة سوف تتكرر كثيرا.
أمين على الأسرار
لنغادر تاريخ البوسطجي إلى واقعه الحالي، ولعل من الأهمية أن نقول إن ما رسمته رواية يحيى حقي يختلف عن حقيقة البوسطجي؛ حيث كان يتمتع بمكانة خاصة بين الناس، ورغم أنه كان أكثر الناس معرفة بأسرار أهل الحي ومشكلاتهم.
فإنه كان أمينا على أسرارهم، وتوطيد علاقاته بهذه الأسر يشاطرهم الأحزان، فهو يكون أول العارفين بأخبار الوفيات التي تحدث إما عن طريق الخطابات التي يحملها، أو من خلال مروره اليومي على تلك المنازل، ويشاركهم الأفراح بما تحمله رسائله من أخبار تدخل السرور على الناس.
في الماضي كانت الخطابات تحمل كثيرا من المفاجآت، وكثير منها غيَّر مجرى التاريخ، أو مجرى حياة أسر أو أفراد، فأحيانا تجد داخل الخطاب رسالة تتضمن تعيينك في منصب رفيع سبق أن تقدمت له، وفي مكان أو مديرية أخرى، يتضمن خبرا بحصولك على عقد عمل في دولة غنية، أو قبولك في دراسات عليا في إحدى الكليات في دولة أوروبية.
وعندما كان يتسلم الشخص خطابا من يد ساعي البريد «البوسطجي» أول ما يطَّلع عليه تلك الطابع الذي يكشف له الجهة التي قدم منها الخطاب، ويدرك في كثير من الأحيان من هو المرسل؛ ولذلك كانوا دائما يقولون «الجواب يبان من عنوانه».
هل يختفي «البوسطجي»؟
السؤال الأهم هل يختفي البوسطجي من حياتنا؟... أجاب أحمد حبيب يعمل بوسطجي منذ 30 عاما: «لا أعرف، ولكن في الحقيقية نحن بالفعل اختفينا وقديما كنا نعرف الناس ونزورهم يوميا.
وحتى لو كانت هناك أسر ليس لديها خطابات كنا نطرق أبوابهم للسلام والاطمئنان عليهم، واليوم أشعر أن الشخص الذي أسلمه الخطاب ليس لديه استعدادا لمقابلتي، وهو يعلم بأنه خطاب حكومي، قضائي، أو يحمل له كارثة».
يكمل حبيب: «مضى العهد الذي كنت أحمل فيه الخطابات المعطرة، وكروت المعايدة أو الأفراح، واختفي الورق الملون الذي كانت تكتب عليه خطابات الحب والهيام، والآن «الإيميل» و«الموبايل» يهددون وجودنا، وسيقضون على ذلك المظروف الجميل الرائع عندما كان هناك البريد العادي والبريد الجوي..
كنا نجلس في قسم الأدوات البريدية، وفيه الحقائب التي كنا نحملها، وفي أركانه صناديق البريد التي كانت تملأ الشوارع، الشمع الأحمر، الضواغط، وأدوات الكتابة».
رسالة قصيرة وبريد إلكتروني
التقينا طالبا عمره 19 عاما، وسألناه عن ساعي البريد، فرد قائلاً إنه لم يقابله كثيرا غير أنه يذكر مرة بأن رجلاً طرق باب منزلهم وسلمه خطاب قبل عشرة أعوام، وأمه لطمت على خدودها عندما وجدته إنذارا بالطرد من مسكنهم.
وقال طالب آخر وهو يدرس بالثانوية العامة: «لماذا البريد والورق، رسالة قصيرة، عبر «الإيميل» أو «الموبايل» ينتهي الموضوع، ويمكن من خلال محادثة تليفونية في دقائق أكون وصلت رسالتي»، وضحك قائلاً: «أنتم تعيشون الوهم وتبكون على الماضي بذكرياتكم، ونحن لا تربطنا بالبوبسطجي أي ذكرى ولا أي علاقة».
الحاج عبدالله 65 عاما، وهو جالس في ركن بالقرب من منزله قال لنا: «كل يوم كنت التقي بساعي البريد إما ليسلمني خطابا، أو يجلس ليطمئن علي وعلى جيراني، والآن أنتم قلبتم علي المواجع، فلم يعد يأتي ساعي البريد إلا نادرا».
وحول كيفية التواصل مع الآخرين، قال: «الموبايل أصبح وسيلتي للتواصل مع الناس، وليس هناك وسائل أخرى»، واستدرك قائلاً: «قبل أشهر وأنا أجلس في هذا المكان نفسه حضر شاب أنيق يسألني عن عنوان في يده فأشرت له إلى العنوان، وعندما عاد وسلم الخطاب سألته قبل أن يتوجه إلى وجهته «إن شاء الله خير» فرد: لا..
أنا تابع للبريد،وما لفت نظري أن البوسطجي قديما لا يحتاج للسؤال، فهو يعرف كل شيء وكل فرد، الآن أنا أفتقده بشدة».
بالفعل الكبار يفتقدون البوسطجي، وهكذا أكد لنا جميع من سألناهم عنه قبل أن نلتقي عم عبده ساعي بريدي خرج إلى المعاش قبل 5 سنوات.
والذي قال: «في الأيام الأخيرة وقبل خروجي إلى المعاش تحولت إلى «محضر» أي من يحمل محاضر المحاكم والقضايا؛ لأن كل الخطابات التي أحملها إما طلاق، خلع، خطاب من الضرائب، من المأذون الذي يرسل خطاب للزوجة بأن زوجها تزوج عليها.
فما أن نسلم الخطاب وقبل أن نصل إلى الشارع تدوي صرخة أو «لطمة»، ونهرب بأنفسنا من الحرج، وهذا بعد أن كنا نحمل الفرحة والسعادة للناس، ونأخذ «الحلاوة»، الآن كل شيء جميل تحول إلى «إلكتروني».
وفي أيامي الأخيرة في الوظيفة كنت أرمي الخطاب من تحت الباب وأجري؛ لأنهم سيعرفون ما بداخل الخطاب بسرعة، فهم يقولون دائما: الجواب باين من عنوانه».
حياة الورق
يقول أحد المسؤولين في إحدى المصالح الحكومية: إن الرسائل الورقية لم تنعدم تماما، وهي موجودة ولكن بشكل قليل جدا، خصوصا أن هناك بعض الناس لا يزالون متمسكين بالكتابة على الورق ولا يتعاملون مع الكمبيوتر.
وقديما كنا في المناسبات والأعياد نحمل الخطابات بالعربات الكبيرة، والحوالات المالية الضخمة، أما اليوم فلا نحتاج هذه الوسائل فهي بضع خطابات يفرح بها البوسطجي، وتجعله متمسكا بوظيفته على الأقل لفترة من الزمن، ولو كانت وجيزة.
رسائل رسمية
اليوم أصبح دور البوسطجي ثانويا يعتمد فقط على الرسائل الرسمية، والتي غالبا ما تحمل أخبار غير سارة، يلقى مقابلة فاترة وأحيانا بلا سلام أو كلام .
كما أنه لم يعد ذلك الرجل البسيط الذي يمارس عمله في إطار علاقاته الاجتماعية الراسخة مع تلك المنازل التابعة لمحيط عمله، فالبوسطجي الجديد لا يعرف أحدا ولا يريد أن يعرفه أحد، اللهم إلا العنوان الذي يتجه إليه، وغالبا تجده شابا يرتدي ثيابا أنيقة يسلمك الخطاب، وتوقع على ورقة الاستلام، ويمضي إلى حال سبيله.
مادة دسمة سينمائيا
لم يكن البوسطجي فقط مجرد ساعي بريد، بل إنه كان إحدى الشخصيات الأدبية الشائقة التي رسمها لنا الروائي الراحل يحيى حقي في روايته «دماء وطين»، والتي تحولت إلى فيلم شهير بعنوان «البوسطجي» العام 1968 أخرجه حسين كمال.
ولعب بطولته شكري سرحان، وزيزي مصطفى، يحكي الفيلم عن عباس أفندي البوسطجي الذي يُنقل إلى قرية نائية في صعيد مصر، ويحاصره فيها الملل والوحدة، ولا يجد ما يسليه في هذه الوحدة إلا فتح خطابات أهالي القرية.
مهنة العظماء
من أشهر من عمل في مهنة «البوسطجي»، هو والد الزعيم المصري الراحل جمال عبدالناصر، والروائي الكبير إبراهيم أصلان، والذي عمل في بدايته بوسطجيا، وكتب عن تلك الفترة رواية بعنوان «وردية ليل».
ويقول أصلان: «إن البناية التي كان يأتيها قديما حاملاً لها البريد والرسائل أصبح الآن يعمل فيها»، ولعلنا نتذكر الفنانة الراحلة رجاء عبده، وهي تشدو بأشهر أغنياتها «البوسطجية اشتكوا من كتر مراسيلي وعيوني ياما بكوا شكت لي مناديلي».

