كتب المؤلف الألماني كيرت توشولسكي لناشره إيرنست روهولت مرة يقول إنه لا يريد أن يفعل أي شيء غير الاسترخاء خلال عطلته القادمة، وكانت هذه الرغبة تتماشى تماما مع الاتجاه السائد في ذلك الوقت أي منذ ثمانين عاما.
ففي ذلك الحين كان ما يطلق عليه الألمان وصف «الانتعاش الصيفي» كوسيلة للتخلص من ضغوط الحياة اليومية في المدينة هو تيار شائع.وينطبق الوضع نفسه على التيار الشائع اليوم باستثناء أن المصطلح دخل عليه تغيير، فأصبح الشعار السائد هو «دخول عالم الجبال بدلا من استهلاك الجسد نتيجة الإرهاق».وتستخدم هذا الشعار مكاتب عدة للسياحة تابعة لبافاريا العليا لترويج الأنشطة السياحية في المنطقة التي تقع حول أعلى جبل في ألمانيا، وهو زوجسبايتس، وأيضا من أجل اجتذاب شريحة مستهدفة من السائحين تم اكتشافها حديثا وهي «سكان المدن الذين يتعرضون للضغوط والإرهاق».وتعرض هذه المكاتب السياحية مجموعة متكاملة من الأنشطة ابتداء من ممارسة رياضة السير فوق المرتفعات إلى تنظيم إيقاع الخطوات والتنفس وجولات الحج الروحي.ويوضح جورج كريستفولر، مدير مكتب السياحة بمنطقة أمرجاو ألبن التي ابتكرت فكرة الحملة المضادة للاستهلاك الجسدي إن حياتنا تتحول بشكل متزايد إلى معدلات أكثر سرعة وإرهاقا، وبدأ الناس يسألون عن الجوانب الصحية المتاحة، ويقول نحن محظوظون لأننا في هذه المنطقة لدينا طبيعة رائعة وأيضا أناس يمكن أن يطرحوا العروض المناسبة.
وعلى سبيل المثال هناك جواشيم رينز مدرب الاسترخاء الذي يجلس على مقعده القابل للطي عند مفارق جدول بالجبل في منطقة محمية طبيعية بالقرب من بلدة إيتال، ونرى المجموعة التي أرشدها إلى هذه المنطقة الرعوية مستغرقة الآن في التأمل، ويحدق بعض المشاركين في الحصى والقوائم الخشبية بشكل شارد الذهن، بينما يرقد آخرون على ظهورهم وهم يرددون همسا الأرقام وأسماء الألوان.ويقر رينز أنه من الطبيعي أن يستطيع المرء أن يسترخي في الهواء الطلق من دون إرشاد، غير أن كل شخص يعلم هذا الشعور: وهو أنه في اليوم الأول من العمل بعد العودة من العطلة تتلاشى النتائج الإيجابية لفترة النقاهة على الفور، وتهدف الندوات التي يعقدها رينز إلى تعليم القائمين بالعطلات كيفية الاحتفاظ بالاسترخاء الذي حصلوا عليه عندما يعودون إلى مكان العمل.ولتعلم هذا النوع من الاسترخاء الذي يساعد في إعادة الحيوية لجسم الإنسان يطلب رينز من أعضاء مجموعته أن يتخلصوا من جميع المشاكل والأفكار التي تشغل بالهم، ويؤكد من خلال تجربته أن هذا يكون تأثيره أفضل عندما يكون المرء وسط الطبيعة، ويضيف أنه يمكن أيضا تطبيق أساسيات التأمل في المكتب، والتي يمكن أن يتعلمها الزوار من دون جهد كبير وبقليل من التدريب.
وتقف كاثرينا براندلين وسط مروج بمنطقة مورماور مووس على مسافة 20 كيلومترا من ذلك المكان، وفي ظل خلفية جبال الألب تقوم براندلين بشرح أساسيات لعبة رماية السهام الآسيوية لمجموعة من الزوار.
وتقول براندلين وهي تجذب سهما من جعبتها وتسحب حبل القوس ثم تترك السهم لينطلق صوب الهدف إن المسألة تدور حول اتخاذ وضع مناسب للمرء والتركيز على الهدف وحشد الانتباه ثم إطلاق السهم.
وتعرض السيدة براندلين الحاصلة على شهادة جامعية في علم الغابات رحلات للسير داخل أراضي الغابات وندوات لبناء روح الفريق في الهواء الطلق ودورات تدريبية على الاسترخاء تشمل حصصا في اليوجا في أعالي المنطقة الرعوية بالجبل.
وتشير براندلين إلى أن الرجال يحبون ممارسة رياضة رماية السهام بدرجة أكبر من الأنشطة الأخرى، وهي كإجراء وقائي لا تحاول أن تجذب الزوار باستخدام مصطلح «التأمل»، والذي يبدو أنه يقتصر على فئة معينة كما توضح.
وبدلا من ذلك تستخدم براندلين مصطلح «التركيز» على الرغم من أنها تقول إن رياضة رماية السهام تعد في الحقيقة نشاطا تأمليا. وتضيف أنه من المستحيل أن تصيب هدفا إذا كنت تفكر في شيء آخر.
غير أن الطبيب نوربرت باروشا لا يخجل من استخدام كلمة تأمل، وهو مشغول بصياغة مفهوم «قافلة التأمل» في منطقة أمرجاو بالألب التي افتتحت في حزيران/ يونيو 2009، وتغطي القافلة مساحة تمتد لمسافة 85 كيلومترا وبها 15 محطة على طريق بين كنيسة فيسكريشه الشهيرة وقلعة ليندرهوف، وفي كل محطة توجد لوحة تحمل معلومات حول الموقع.
وتستقبل مناطق جبال الألب البافارية (جنوب ألمانيا)، بغاباتها ووديانها العميقة وبحيراتها، هواة التزلج على الجليد وهواة سباق الزوارق المائية على حد سواء، لأنها تحتفظ بجمالها
الأخاذ وهوائها النقي طوال فصول السنة الأربعة. وليس غريبا أن يطلق على جبال الألب البافارية وخصوصا الجزء الشرقي منها اسم شرفة الألب المشمسة، لأن الشمس هناك تسطع على سطوح الثلج في الشتاء وتلتمع على صفحات المياه في الصيف.
وتعتبر جبال الألب البافارية، خصوصا الكلسية منها، حديثة العهد قياسا بسلاسل الجبال الأخرى في المنطقة مثل جبال ارمغاو وجبال زاوية نهر الايزار. ويقدر العلماء أن هذه السلسلة نشأت قبل 70 مليون سنة، اي ابان العصر الجليدي، بسبب تحرك طبقات الأرض.
وتشكل الجبال الشاهقة، والمناطق الوعرة الأقل ارتفاعا عند أقدام الجبال، من أكثر مناطق الجوالين وقادة الدراجات في ألمانيا.
وتتيح الجبال المحيطة بمدينة باد تولز الفرصة أمام هواة التسلق للتدرب على تسلق أو ارتقاء الجبال الصغيرة. كما تتميز هذه المنطقة بصخورها الجبلية العالية التي نحتها الزمن بأشكال وزوايا تلفت النظر.
وترتفع قمة جبل فيترشتاين هنا إلى 2964 مترا وتكثر على سفوحه الوعول الضخمة وأرانب الثلج، التي تعيش على ارتفاع 1300 متر، والصقور الكبيرة التي يزيد طول جناحيها عن 2م وتتنقل بين القمم. ويقول الألمان إن أبقار وديان جبال الألب البافارية هي الوحيدة التي يمكن مقارنتها بأبقار سويسرا على سفوح الجبال المقابلة.
وينصح أهالي المنطقة السياح المسنين بأخذ جولة سياحية في المنطقة على متن الباخرة التي تتنقل بين المدن الواقعة على نهر الإيزار وتتيح القاء نظرة على الجبال والوديان والبحيرات الصغيرة التي تنتشر مثل البقع في المنطقة.
وتعتبر بحيرة تيجرنزي من أكثر مناطق السياحة والرياضتين الشتوية والصيفية. وهي بحيرة صغيرة طولها 6 كم وعرضها 2 كم إلا أن العديد من سواحلها صالحة للسباحة. ولكن لا ينصح لغير أهالي المنطقة بالسباحة في البحيرة لأن ماءها يبقى باردا في الصيف.
وهناك قوارب سياحية كبيرة للتجوال في البحيرة إضافة إلى زوارق عائلية صغيرة في أربع مدن تحيط بالبحيرة هي جموند وتيجرنزي وروتاخ ـ ايجرن وبادفيزي. وتعتبر جموند «بوابة» التيجرنزي في الجزء الشمالي من البحيرة وتقع فيها كنيسة سانت ايجيديوس التي بنيت في القرن السابع عشر.
ألمانيا- الحواس الخمس


