يُشكّل المسلمون ما نسبته ربع سكان العالم، وهم يتوزّعون على دولٍ في قاراتٍ عدّة، ومع تزايد عددهم في الدول الغربية، حيث تضمّ فرنسا وحدها خمسة ملايين مسلم، كان لابدّ لمختلف قطّاعات الإنتاج إطلاق خطوطٍ تتناسب مع هذه الشريحة الواسعة.

ومن هذه الخطوط نذكر مستحضرات تجميل الحلال التي استُهلّت مبادرتها في ماليزيا، وانطلقت إلى الكثير من البلدان الإسلاميّة وغير الإسلاميّة الأخرى.

يقول مصنعو مستحضرات التجميل «الحلال» إن السوق العالمية تشهد ازدهاراً مع اتجاه المزيد من المسلمات إلى استخدام مستحضرات متوافقة مع الشريعة الإسلامية.

وتعليقاً على الإقبال الذي تحظى به مستحضرات الحلال، تقول صاحبة أوّل مبادرة من هذا النوع، المغنية الماليزية المعتزلة، والتي تحولت إلى مجال الأعمال: إن ما دفعها لإطلاق هذه المبادرة هو بحثها من دون جدوى عن المنتجات الصائبة لاستخدامها أثناء استحمام طفلها.

الأمر الذي دفعها إلى الاعتماد على نفسها في تصنيع أول صابون يُعتبر من مستحضرات الحلال، واليوم ازدهرت عمليّات مشروعها لتضرب حائط المليار ونصف المليار دولار، من مستحضرات يتمّ تصديرها إلى أندونيسيا وتايلاند وبروناي.

ويقتصر مبدأ الحلال بشكل أساسي على الطعام، إذ يُحرّم الإسلام تناول لحم الخنزير أو لحوم حيوانات غير مذبوحة على الطريقة الإسلامية، إلا أنّ المصنعين بدؤوا يحققون الأرباح من مبدأ أن كل البضائع والخدمات يجب أن تكون حلالاً، بما في ذلك مستحضرات التجميل والملابس والخدمات المالية أو حتى الرحلات السياحية.

وعلى الرغم من مطابقة هذه المنتجات لمستحضرات التجميل العادية، فإن مستحضرات الحلال التي تشمل أحمر الشفاه، وُمزيل الرائحة والعطور، يمكن أن تتضمن مُنتجات حيوانيّة، والحلال منها يكون معدّاً حسب الطريقة الإسلامية بما يتعلق بالتحضير أو الذبح.

فالكريمات الليليّة التي تستخدمها النساء قبل النوم على سبيل المثال، تحوي مستحضر الكولاجين، وهو مأخوذٌ من خرافٍ حلال تتم تربيتها في مزارع يديرها مسلمون في أستراليا.

عبدالحميد ديفيد إيفانز، الخبير البريطاني في مجال منتجات الحلال، يؤكّد أن المنتجات الحلال لا يقتصر استخدامها على المسلمين، فهم يستخدمونها لتأكيد ارتباطهم بهويّتهم، في حين يلجأ الكثير من الأوروبيين المنتمين إلى دياناتٍ أخرى إلى استخدام المُستحضرات ذاتها لدواعٍ تتعلّق بالبيئة، وقد زاد على ذلك إيفانز في إحدى مقابلاته مع الوكالة الفرنسيّة للأنباء أنّه يتوقّع أن تشهد هذه الصناعة ازدهاراً كبيراً خلال السنوات المُقبلة.

ليلى ماندي، كنديّة الجنسيّة، اختارت أن تبدأ عملها في دبي متحديةً الصعوبات التي يُمكن أن تواجهها، إلا أن همّها كان تقديم مفهوم المستحضرات التجميليّة المصنوعة من مواد متوافقة مع الشريعة الإسلاميّة.

وعن اختيارها دبي كمركزٍ لأعمالها، تقول ليلى: الحيويّة في دبي دفعتني لأبدأ عملي هنا، ضمن هذه المدينة العالميّة المشهورة بتحقيق الأحلام، ووجودها في قلب الشرق الأوسط، حيث ينتشر سوق المواد الحلال، جعل من هذا المحور الاقتصادي العالمي خياري الأوّل ضمن المجال الذي أعمل به، وها أنا وصلت إلى ما وصلت إليه، بتّ أعيش حلمي أيضاً.

ومن اللافت للنظر أن ليلى بدأت بإنتاج أوّل مجموعةٍ من علامتها التجاريّة في عز الأزمة الماليّة، إلا أنّها تؤكّد أن خيارها كان صحيحا، حيث تقول: كانت الأزمة الاقتصادية أفضل وقتٌ أبدأ فيه عملي، لأنّ الناس سئمت من السماع عن سلبيّات الأمور، وكانوا سيدعمون أي مبادرة تحمل معنى إيجابيّاً.

ثقافة الحلال

لا تعرف الكثير من النساء المُسلمات أن مُستحضرات التجميل العالميّة، الإيطاليّة والفرنسية، التي يستخدمنها تحتوي الكثير من المواد التي لا تتوافق مع الشريعة الإسلاميّة، ويقلن إنّهن من الممكن أن يتخلّين عن العلامات الكبيرة إذا ما كان هنالك بديل حلال مُشابه بالجودة.

وبعضهن أصرّرن على استخدام هذا المواد حتّى بعد أن عرفن إمكانيّة احتوائها على مكوّناتٍ ليست حلالاً 100%، وهنّ يبرّرن هذا الموقف، بأن الكثير من الشركات تستغلّ هذا المبدأ للتسويق لمستحضراتها غير الجيّدة، وهنّ يُفضّلن لو أن الشركات الكبيرة تبدأ بإنتاج خطوطٍ للمسلمين نظراً إلى ضخامة سوق الاستهلاك التي يشغلونها.

اهتمامٌ عالميٌّ

تضخ حكومات في آسيا والشرق الأوسط الملايين من الدولارات في محاولة منها لتصبح مراكز حلال إقليمية، من خلال توفير مراكز صناعية مصمّمة خصيصاً لهذا الغرض، إلا أن المنافسة في هذا المجال لا تقتصر على كُبرى قارّات العالم، فعلى سبيل المثال يُربى معظم الدجاج السعودي في البرازيل.

مما يعني أن على الموردين البرازيليين أن يبنوا مرافق تتماشى مع طريقة الذبح الحلال، وفي نيوزيلندا، أكبر مصدر للخرفان الحلال، تستضيف كُبرى الشركات وفوداً من إيران وماليزيا.

أما هولندا الحريصة والساعية إلى توسيع دور «روتردام» كأكبر ميناء في أوروبا، حيث بنت مخازن للحلال حتى تتمكن من تخزين السلع الحلال بعيداً عن لحم الخنزير.

دبي - علي محيي الدين