بعد أن شاهده أكثر من 100 مليون مشاهد حول العالم بمشاهدة حية على المسارح والملاعب والقاعات الخاصة؛ يستعد الجمهور في أبوظبي لاستقبال الاستعراض الأشهر حول العالم «ملك الرقص- لورد أوف ذا دانس» الذي أبدعه الراقص ومصمم الرقصات الأميركي ذو الجذور الأيرلندية مايكل فلاتلي.
وسيكون هذا العرض الذي يستمر من 23-26 يونيو الجاري هو الأول من نوعه في الشرق الأوسط والمنطقة وسيقام في قاعة أبوظبي في أرض المعارض، بتنظيم هيئة أبوظبي للسياحة وهيئة السياحة الأيرلندية.قبل أن نخوض في تفاصيل العرض الأسطوري الذي أدخل إيرادات خيالية بلغت ما يقرب من 800 مليون دولار أميركي طيلة 13 سنة من إطلاقه عام 1997م.لابد لنا أن نتوقف مع بعضٍ من المحطات التاريخية التي رافقت الأسطورة الأيرلندية التي استوحى منها فلاتلي استعراضه الشهير وتاريخ الرقصة الرئيسية المستخدمة في العرض من أوله لآخره والتي تعرف بالاصطلاح العربي «الرقص النقري» أو بلغتها الإنجليزية « شءذ ءخ» التي تعتمد على الحركات السريعة للأقدام وتحريكها بشكل إيقاعي يتناغم مع الموسيقى المصاحبة، وهو أسلوب معروف لدى العديد من الشعوب.لا يعرف تحديداً تاريخ ظهور «الرقص النقري» وجذور منشئه؛ إلا أن دراسة لإحدى جامعات نيويورك تقول إن تاريخ ظهوره رسمياً كان قبيل الأزمة الاقتصادية الكبرى التي بدأت في أميركا وضربت العالم فيما بعد ؟
وتحديداً عام 1928م- عند ظهور ما كان يعرف بأسلوب برودواي الذي اقتنصته إحدى الفرق الفنية وحولته إلى استعراض متكامل بعد التعرف إلى أسلوب رقص جماعي كان يؤديه أفارقة أميركا في السابق.
بينما تعزو دراسات أخرى ظهور أسلوب الرقص النقري إلى الشفرة السرية التي استخدمها الأفارقة المستعبدين الذين منعهم أسيادهم البيض في أميركا وأوروبا والمستعمرات الجديدة التي فتحها الغرب من أسلوبهم السابق في المراسلة فيما بينهم حين كانوا يخاطبون بعضهم بوساطة قرع الطبول عبر مناطق شاسعة في أفريقياً وبعدها في أماكن عبوديتهم الجديدة.
فاضطر هؤلاء الأفارقة إلى ابتداع أسلوب جديد عبر قرع الأقدام بالأرض بحركات سرية للتخاطب وتتوازى مع حركات أقدام جيش السادة الإنجليز في قارة كولومبوس، ومن ثم تم توحيد تلك الرقصات على إيقاعات متناغمة تستخدم فيها «أحذية بمعادن» عبر أسلوب عرف «دولار وجناح».
وباحتكاك الأفارقة مع نظرائهم البيض من المضطهدين الأيرلنديين طوّر الأيرلنديون الأسلوب عبر ما يعرف بالخطوة المتثاقلة التي يمكن للراقص فيها نقر الأرض أكثر من 30 مرة في الثانية الواحدة، وبصوت أعلى هو صوت «القبقاب» الخشبي.
ويعتبر جون جاك دايموند الذي توفي في العام 1850م أشهر وأعظم راقص بأسلوب الرقص النقري الذي كان يستخدم الجزء السفلي من الجسم دون الالتفات إلى الجزء العلوي الذي كان يبقى ساكناً دون تحريك الأكتاف أو الأذرع، إلا أن هذا الأسلوب اختفى بعد طغيان أسلوب جديد من هذا الرقص دمج معه رقصة «الكلاكيت» الأميركية من الجذور غرب أفريقية.
على الرغم من النظريات التي أوردناها نقلاً عن مصادر أجنبية تبحث بتاريخ الرقص؛ إلا أن هناك ما يناقضها تماماً؛ ويشير إلى أن هذا الأسلوب عالمي وكان منتشراً قبل التواريخ التي أشرنا لها، فرقصة مثل الفلامنجو الأندلسية ذات الجذور الشرقية ظهرت قبل استعباد الإنسان الأبيض للأفارقة بعدة قرون.
ما يقرب من القرن الثالث عشر، كما أن الرقصات الروسية الشهيرة التي تعتمد على حركات الأقدام السريعة وما جاور روسيا من شعوب شرقية ظهرت بأسلوبها هذا وفق مخطوطات ووثائق قديمة تعلن أن تاريخ الرقص النقري قديم الأسلوب ويسبق استعباد الأفارقة في أميركا والغرب.
ولعل من أفضل الأدلة على ذلك هي الرقصة المعروفة ببلاد الشام «الدبكة» وفي العراق «الجوبي» وفي تركيا وأذربيجان وإيران ذات الرقص الجماعي الذي يعتمد على حركة الأقدام بصورة أساسية ونقرها على الأرض مع الإيقاع المستخدم.
ولا يبعد عنها ما يعرف أيضاً «الدحّة» هذه الرقص الجماعية التي يؤديها عشرات الراقصين في الخليج وجزيرة العرب والبدو القاطنين بمنطقة الجزيرة بين سوريا والعراق.
وكل هذه الأساليب تسبق التواريخ المشار إليها آنفاً، وتشير إلى أن أسلوب الرقص النقري هو أسلوب عالمي إنساني اشتركت في ظهوره وتطويره شعوب مختلفة من العالم.
أما استعراض «ملك الرقص» الذي أبهر به مايكل فلاتلي الجمهور حول العالم؛ فيتحدث عنه روبرت أودريسكول السكرتير الأول بسفارة أيرلندا في الإمارات بحديث خاص ل«الحواس الخمس».
فيقول: لقد بدأ فلاتلي مشروع تصميم استعراضات راقصة مستوحاة من الثقافة الشعبية الأيرلندية، فبدأ عام 1994م بما يعرف برقصة النهر ذات الجذور الأيرلندية، إلا أنها لم تلاقِ صدى كبيراً يومها، فاتجه عام 1996 لتأسيس فرقته الخاصة بعرضه الأسطوري ملك الرقص، وكانت الانطلاقة من العاصمة دبلن ومن هناك إلى أنحاء العالم.
وتتلخص حكاية الاستعراض حول أسطورة أيرلندية قديمة تحمل ذات الاسم بجذورها، وتدور حول الروح الصغيرة التي تسافر عبر الزمن لمساعدة ملك الرقص في حماية الناس من ظلم اللورد الشرير دون دورتشا، وتستمر المغامرة عندما تتحدى القوى الشريرة ملك الرقص، وفي النهاية يكون الانتصار للخير.
وهذه الأسطورة، مع اختلاف طريقة التنفيذ وإيصالها للجمهور، تقترب من طريقة ما يعرف بالحكواتي في البلدان العربية والشرق الذي يقدم حكاياته الأسطورية برفقة العزف والغناء والأداء، إلا أن ما يحسب لمايكل فلاتلي دون غيره من مقتبسي الأساطير هو جمعه بين الأسطورة بطقوسها الخاصة والأساليب الحديثة في العرض وتصميم الرقصات.
يضيف أودريسكول: لقد شاهدت العرض أكثر من مرة في دبلن وهو مبهر للغاية، وعلى الرغم من أن وجود أكثر من 40 مليون أميركي من جذور أيرلندية يقيمون في الولايات المتحدة كان عاملاً من عوامل نجاح العرض في لاس فيجاس حيث تابعه سنوياً على مدى السنوات السابقة أكثر من 400 ألف مشاهد؛ إلا أنني أؤكد أن العرض ناجح بمقاييس فنية وعالمية لا تتعلق بجنسية العرض.
فلقد نجح في جذب الجمهور من كل جنسيات العالم، من الصين والشرق وأفريقيا وأميركا اللاتينية وكل شعوب الأرض، فهو من العروض التي لا يمكن للمرء أن يفوتها وهو قادم إلى أبوظبي للمرة الأولى وأعتقد أنه سيلاقي ذات النجاح.
يعتبر استعراض « ملك الرقص» الذي صممه مايكل فلاتلي في عام 1996م على مدار 16 أسبوعاً وتبلغ مدته 90 دقيقة متواصلة ويشارك فيه أكثر من 40 راقصا وراقصة؛ هو الأشهر على مستوى العالم في العروض الاستعراضية.
ولقد تم عرضه في أكثر من 40 دولة، والاستعراض يعتمد على فرق عدة تسهم في تنفيذه وترويجه حول العالم، وأشهره الفريق الأوروبي الذي سيقدم عروضه في أبوظبي إضافة لفرق آسيا وأفريقيا وأميركا التي تقدمه على مدار العام في تلك القارات.
أرقام خيالية
تزوج ملك الرقص الأيرلندي مايكل فلاتلي من نيام أوبرايان أخيرا، وهي راقصة تعمل معه في الاستعراض منذ انطلاقه عام 1996م، حيث قدم فلاتلي لها خاتم خطوبة تقدر قيمته بحوالي 8 .1 مليون دولار أميركي، وحقق استعراض ملك الرقص إيراد مبيعات تذاكر بلغ 800 مليون دولار منذ انطلاقه.
موسوعة جينيس
يبلغ عدد الأزياء المستخدمة في العرض 600 زي، ودخل فلاتلي موسوعة جينيس عبر إيقاعه لأكثر من 35 نقرة قدم في الثانية، وقام عشاق الاستعراض بشراء 14 مليون فيديو وأكثر من مليون اسطوانة موسيقية، ويتضمن الاستعراض حوالي 151 ألف نقرة يؤديها الراقصون عبر 21 مشهدا مختلفا.
اختبارات الأداء
يقوم فلاتلي، الذي نال مؤخراً شهادة دكتوراه فخرية من جامعة دبلن، مع فريقه المكون من 20 شخصاً من مصممي الرقصات والأزياء والإضاءة بإجراء اختبارات الأداء لعدة آلاف من المواهب سنوياً ومتابعة الاستعراض في القارات التي يقام فيها.
أبوظبي- محمد الأنصاري:

