بالقرب من قلعة «صلاح الدين الأيوبي» وعلى مشارف القاهرة، ترقد كنوز ثقافية إسلامية لآلاف المخطوطات التي تحتضنها «مكتبة الحضارة الإسلامية» التي تتخذ من سبيل «قايتباي» مقرا لها.

والذي كان في عهده القديم مدرسة للقرآن الكريم «الكُتَّاب»، وتضم المكتبة 1866 مخطوطاً في المعارف العامة، الديانات، العلوم الاجتماعية، الآداب، والتاريخ، إضافة إلى 518 مخطوطاً كُتبت حروفها باللغة الإنجليزية في مختلف مجالات العلوم.وحرصا على مخطوطات الحضارة الإسلامية القديمة، تم إعداد قواعد بيانات للمراجع والخرائط التي تضمها المكتبة؛ توثق تراث الأعلام ورموز الحضارة في مختلف مجالات الفنون والآداب عبر العصور وحتى العصر الحديث.وقاعدة بيانات عن العمارة الإسلامية، وقاموس للأحداث المهمة، وقاعدة بيانات لعلوم العرب توضح إسهاماتهم الرائدة في مختلف مجالات العلوم، وقاعدة بيانات للمخطوطات والصور المتصلة بالحضارة الإسلامية، وأخرى كدليل للمؤسسات والمتاحف والمعاهد في العالم العربي.

ومع جولتنا داخل المكتبة نقرأ التاريخ من خلال مخطوطات «أطلس» العمارة في عصورها المختلفة حتى عصر «محمد علي»، وتاريخ المساجد الأثرية في القاهرة، وعمارة المسجد النبوي الشريف منذ إنشائه وحتى نهاية العصر المملوكي.في قاعة الفنون، تكتحل عينا الزائر بفنون مختلفة شهدتها مختلف العصور، فنشاهد من عصر الدولة «الطولونية» زخارف هندسية ونباتية، تميزت بها هذه الدولة، تجلّت في أبرز منشآتها الخالدة وهو جامع «أحمد بن طولون»، الذي بناه في مدينة «القطائع». أما دولة «السلاجقة»، فقد اشتهرت بعشق الفنون الجميلة، منها «الزخرفة، النقش، التصوير، التلوين، وتشييد المباني»، حتى بلغت فيها درجة الأستاذية، وعنها انتشرت في العالم الإسلامي حتى استوطنت سواحل الشام وشمال أفريقيا.

مخطوطات راصدة ونتوقف طويلاً أمام مخطوطات ترصد فنون العمارة في العصر «الفاطمي»، التي شملت أنماط العمارة «المدنية» من «مساجد، مشاهد قباب غنية، قصور، منازل، حمامات، ومصانع»، وعمارة «حربية» تجسدت في «أسوار، بوابات، أبراج»، وفنون «زخرفية»؛ حيث نشاهد «منسوجات، عاجا، معادن، وزجاجا»، كما يتجلى إبداع الزخرفة الفاطمية في استخدام العناصر المعمارية كوحدات زخرفية، مثل: «الأقواس، الأعمدة، الحنايا، المحاريب، والمشكاة»، كما ظهرت في العصر الفاطمي اتجاهات الزخرفة بالمعادن، وارتفعت صناعة الحلي والجواهر نقشا، وتطعيما، والطريقة التي استخدمت فيها صب البرونز.

وطرق صفائح النحاس في صنع «الأباريق، المباخر، والشمعدانات»، كما نشاهد أنواعا من الأقمشة التي صُنع منها الثياب الرسمية الخاصة برجال الحكم والحاشية، والتي اشتهرت بها مصر في العصر نفسه.

العبيد البيض

داخل المكتب أيضا نقرأ سطورا عن شكل الفنون في عصر «المماليك»، الذين أطلق عليهم «العبيد البيض»، فقد أولوا المباني العامة عنايتهم، وازدادت المآذن في عهدهم جمالاً ورشاقة، وازدانت السطوح الخارجية للقباب بالزخارف الهندسية والنباتية، وكثرت الزخارف الحجرية وحلَّت مكان الزخارف الجصِّية، وتحوَّل المحراب من حنية بسيطة بحائط القبلة إلى تحفة فنية رائعة، وغطيت الأرضيات بالرخام الملون.

وينتقل بنا التاريخ إلى العهد «العثماني»؛ لنشاهد فنونه في حركة بناء شاملة، رافقتها طفرة شارك في إرسائها الفنان المسلم، ويلاحظ زائر هذا العصر أن الفن الإسلامي لم ينتقل- كما صوره بعض المستشرقين- كغنائم حرب إلى اسطنبول؛ لأن الحضارة مثل غمامة ممطرة يسوقها الله إلى الأرض المهيأة للقبول.

وانتشرت رسوم الأزهار باللون الأبيض على خلفية سوداء في السقف، وكثرت المنابر الرخامية التي تماثل في زخرفتها المنابر الخشبية، وصنعت الزخارف النباتية من أوراق الكرمة، أو من سعف النخيل.

معاجم تاريخية

كما نجد في مكتبة المخطوطات بسبيل قايتباي معجم «البلدان» للشيخ الإمام «شهاب الدين عبدالله ياقوت بن عبدالله الحموي الرومي البغدادي»، الذي أقرّ الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي بفصاحة بلاغته وتبحره في العلم، وقال عنه الحافظ بن حجر العسقلاني: «كان غزير الفضل، حسن الصحبة، سمعت منه طيب الأخلاق، حريصا على الطلب»، ومات في حلب العام 622 هجرية، ولم يبلغ الستين.

ومن خلال سطور هذا المعجم، نقرأ أنه موسوعة في التراجم تحفل ب«الأخبار، التاريخ، الآثار، الأنساب، وسير أعلام الإسلام»، ويعد هذا المعجم من أهم المعالم الجغرافية الإسلامية لما يبيِّن من «فتوحات، مواقع، أسماء، بلدان، قرى، قيعان، جبال، بحار، أودية»، وتحقيقا لقوله تعالى:

«قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين»، يسير معجم «البلدان» هاديا بهذا القول الكريم، أي انظروا إلى ديارهم، كيف اندثرت، وإلى آثارهم وأنوارهم كيف انطمست، عقوبة من الله لهم على عصيان أوامره، كما يتحدث المعجم عن صفة الأرض، وما فيها من جبال، وبحار اختلفت فيها الآراء.

قايتباي راعي الفنون

بالرجوع إلى التاريخ نجد أن «قايتباي» قد حكم مصر منذ العام 1467 ميلادية، وظل يحكم 28 عاما، حتى وافته المنية عندما بلغ 86 عاما، وقد كان محبا وراعيا للفنون والآداب؛ لذلك أنشأ هذا السبيل ومكتبته؛ ليكون منارة ثقافية تجابه التغريب، وتحفظ للأمة تراثها التليد.

معلم ثقافي

الزائر لهذا الأثر الثقافي يلاحظ تميز جماله، وروعة بنائه الذي يعود إلى أواخر العصر «المملوكي»، وقد انتهى تشييده العام 1517 ميلادية وعلى الرغم من مرور نحو 500 عام على بنائه، فإنه لا يزال محافظا على السمات الفنية لعصره من تناسق الأبعاد، أناقة التصميم، وروعة الديكور، إلا أنه أُعيد ترميمه وافتتاحه في رمضان العام 1421 هجرية.

تاريخ البلد الأمين

نلتقي في المكتبة ب«العقد الأمين في تاريخ البلد الأمين» بأجزائه السبعة لمؤلفه إمام الحرم «تقي الدين أبو الطيب محمد بن أحمد الفاس الحسني المكي»، المتوفى العام 832 هجرية، ويعد هذا العقد مرجعا وافيا لتراجم أعيان أهل مكة، ومن سكنها، ومن مات فيها من الصحابة، الرواة، الفقهاء، الولاة، والأعيان في مدة ثمانية قرون.

. وفي هذا العقد عُني مؤلفه عناية خاصة بالتأريخ لمكة المشرفة، وترجمة أعلامها، ومَنْ حل بها من أهل العلم، والفضل.

فنون الاندلس

نتابع مشاهد من فنون في عصر «الأندلس»، وقد وجدت لها حظا كبيرا إثر امتلاك المسلمين ثروة معدنية هائلة استخدموها في ترصيع حواش المنابر، وصناعة الثريات الرائعة، التي كانت تتدلَّى من أسقف القصور، وقباب المساجد، وكسوا بصفائحها أبواب المقاصير، وصنعوا من الفضة قوارير العطور، وصناديق الطيوب.

وتفننوا في صناعة الأباريق والمباخر وقناديل النحاس، ونلاحظ أن عناصر هذا الفن انتقلت من عصر إلى آخر بسلاسة مثل الكائن الحي الذي يحمل كل صفات الوراثة المتميزة، محفوظة بعناية الخالق، حية في وجدان المخلوقين.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية