فرضت التكنولوجيا الحديثة ظواهر كثيرة على المشهد السينمائي، وقد تباينت ردود الأفعال حول هذه الظواهر، فهناك من يتعامل معها على استحياء، وهناك من يرفضها تماماً، فبعد ثورة «الديجيتال» بدأت بوادر ظاهرة جديدة تفصح عن نفسها وتسعى للحصول على اعتراف رسمي بوجودها كتقنية جديدة في تصوير السينما، وهي ظاهرة الهواتف المحمولة واستخدامها في تصوير أفلام سينمائية.
حيث بدأ بعض الشباب في إنتاج أفلام بكاميرا الهاتف المحمول وعرضها على شبكة الإنترنت، ومع اتساع التجربة أقيم أول مهرجان لأفلام المحمول العام 2007، قبل أن يتوقف لأسباب تمويلية؛ حيث لم يحقق التسويق المأمول منه، ما أدى إلى فشل المهرجان، لكن التجربة في حد ذاتها تحتاج إلى التأمل والتعرف إلى سلبياتها وإيجابياتها من خلال التحقيق التالي. الناقد د. سامح مهران، رئيس أكاديمية الفنون في مصر، قال إن ظاهرة أفلام الموبايلات التي يتحدث عنها تلاميذه في الأكاديمية ليست أكثر من ظاهرة قد تفرض نفسها على المجتمع، وقد تتلاشى مع الوقت إذا ما ثبت عدم جدواها وأهميتها، ومع كثرة ما يتردد عن هذه الظاهرة فإن مهران قال:
معرفتي بها سماعية ولم أقف على هذه التجربة بعين المشاهدة، كما لم أشاهد فيلما تم تصويره بالموبايل، وهذا يعني أن التجربة لم تتسع ولم تصل إلى مرتبة الحكم عليها بالإجادة أو الفشل.
بعيداً عن الاحترافية
بينما يعترض الناقد عبدالغني داوود على إمكانية الاعتماد على الهواتف المحمولة في تقديم فيلم يستحق المشاهدة أو فيلم ينافس ما يقدم على شاشات دور العرض السينمائي، فهي أجهزة مهمتها الأساسية تسجيل موقف معين أو حدث أو واقعة بعينها كالأفراح والمناسبات المختلفة.
لكن أن يقال إن هناك أفلاماً سينمائية تم تصويرها بأجهزة المحمول، فهذا شيء جديد لم يسمع به أحد من نقاد الفن، وأمر بعيد عن الاحترافية السينمائية.
يضيف: لا أظن أن الهواتف المحمولة تستطيع أن تقدم فناً يتفاعل مع المشاهد، فهذه الأجهزة مهما كانت محدودة الإمكانات، فهي مجرد نواقل للمشهد دون إبداع، وأشك في قدرتها على تقديم أفلام قصيرة أو حتى في أن تصلح للاستخدام في مشاريع طلاب معهد السينما؛ نظراً إلى أن عناصر العمل الفني لا تتوافر للهواتف المحمولة.
ولكن أقصى ما يمكن أن تقدمه مجرد لقطة توثيقية لحدث معين، فهناك فارق كبير بين إمكانات الموبايل والكاميرا السينمائية المتطورة، وأظن أن هذه التقنية المستحدثة وضعت فقط لتخريب التقنيات الأساسية للسينما المتعارف عليها منذ نشأة الفن السينمائي.
علامة تسجيلية فارقة
أما الناقد السينمائي طارق الشناوي فيؤكد أن هذه التجربة مفيدة وتشكل علامة فارقة في الحركة الفنية المستقبلية، وذلك من خلال مشاهدته بعض النماذج التي عرضها عليه بعض الشباب لمعرفة رأيه، فوجد أنها نماذج جيدة.
وإن كانت تشبه الأفلام التسجيلية، خصوصاً أنها لا تزال في بداية الطريق، ولم تنتشر على نطاق واسع فهي لاتزال محدودة النطاق، والفيلم لا تتعدى مدة عرضه خمس دقائق، وقد يكون البطل هو المخرج نفسه، أو يقوم أحد أصدقائه بالقيام بمشهد ارتجالي؛ حيث لا يوجد سيناريو أو حوار معد مسبقاً.
أفلام هواة
يضيف: لا يحتاج فيلم الموبايل إلى إمكانات كبيرة أو فريق عمل متخصص، وإنما يكفي وجود مخرج ليقوم بالتصوير بكاميرا الجوال، لكن يمكن اشتراك فريق عمل في إعداد الفيلم، خصوصاً عندما يكون فيلماً طويلاً أو يحكي موضوعاً يستلزم كتابة سيناريو .
واختيار أماكن تصوير معينة، ثم بعد ذلك من السهل إجراء عملية المونتاج التي يمكن إجراؤها على الكمبيوتر العادي بسهولة دون استغراق وقت كبير كما يحدث في الأفلام السينمائية العادية، إلا أنها في النهاية تبقى مقصورة على الهواة وتعتبر مثل الفرق المسرحية الحرة أو المستقلة التي تهتم بتقديم موضوع جماهيري دون النظر لعملية الإبهار التي تعتمد عليها الأعمال الفنية التي يتوافر لها الإمكانات المساعدة على ذلك.
مشاهد في الشارع
ويتفق الناقد والسيناريست سامي عبدالحميد على أن التطور الكبير في الهواتف المحمولة أتاح طرقاً جديدة للاستفادة منها في تقديم رؤية فنية وجمالية، كما خلق اهتمامات جديدة للشباب الذي يبحث عن دور اجتماعي مؤثر، فيبدأ في تصوير أحداث درامية قصيرة أو مشاهد في الشوارع بشكل تزامني ومتسلسل.
وبعد إجراء عملية المونتاج البسيطة على جهاز الكمبيوتر يتم عرض هذه الأفلام على شبكة الإنترنت، ومن شأنها أن تفرز مواهب جيدة ننتبه إليها ونعمل على تقديمها بما يتناسب وحجمها، كما يجب أن تلعب وزارة الثقافة دوراً في دعم هذه التجربة ومساندة الشباب للتوسع فيها حتى تؤتي ثمارها وأن نكون استفدنا من المواهب التي أفرزتها هذه التجربة على الأقل.
يضيف: أنا كسيناريست أقف مع هذه التجربة قلباً وقالباً، وأفكر في عمل سيناريوهات خاصة بها؛ حيث إن أفلام الموبايلات ستخلق أشياء جديدة مثل السيناريو، المونتاج، الحوار، والأداء البديل حتى تتناسب مع إمكانات الهواتف المحمولة، ويتم تصوير المشاهد بدرجة عالية من الجودة.
تقييم بالمهرجانات
ويطالب سامي وزارة الثقافة بإقامة مهرجان خاص لأفلام الموبايل على غرار المهرجان القومي للسينما أو مهرجان القاهرة السينمائي أو على الأقل يكون لها حق المشاركة في هذه المهرجانات كنوع من الدعم المعنوي للشباب والاعتراف بهذا اللون الفني الجديد الذي من شأنه تقديم أعمال إبداعية قد تفوق الأفلام السينمائية المعروفة.
كذا يجب أن تلتفت وسائل الإعلام لهذه التجربة وتسلط الضوء عليها بإيجابياتها وسلبياتها، فلا سبيل لتقييم التجربة في حال ابتعادها عن المهرجانات.
تفريغ شحنات
ويقدم المنتج السينمائي محمد العدل تحليلاً لظاهرة أفلام الموبايل بقوله: إن أفلام الموبايل تجربة لجأ إليها الشباب لتفريغ الشحنات الإبداعية لديهم، فهي طريقة من شأنها إفراز المواهب الشابة، خصوصاً أنها غير معقدة ولا تحتاج إلى إمكانات إنتاجية أو فنية؛ حيث يتم التصوير بطريقة سريعة في وقت قصير جداً ودون كلفة مادية.
ويضيف: استمرار هذه الظاهرة لن يؤثر في السينما، فكم من الظواهر الفنية التي طرأت على السينما ولم تؤثر فيها أو في إقبال الجماهير لمشاهدة الأفلام، فالسينما لها سحرها الخاص الذي لن يؤثر فيه أي شيء من المستحدثات.
ويؤكد أن الشباب من حقه إخراج مواهبه الإبداعية بكل الوسائل، ومع ذلك فإنه لا يستطيع مساعدتهم مادياً؛ نظراً إلى أن أفلام الموبايل لن تحقق مكاسب مادية أو عائداً أدبياً، فهي مجرد أعمال هواة للعرض على الإنترنت فقط أو الفضائيات التي فتحت مجالاً لهذا اللون من الفن الجديد.
أفلام هواة
يقول الناقد الشناوي: لا يحتاج فيلم الموبايل إلى إمكانات كبيرة أو فريق عمل متخصص، وإنما يكفي وجود مخرج ليقوم بالتصوير بكاميرا الجوال، لكن يمكن اشتراك فريق عمل في إعداد الفيلم، خصوصاً عندما يكون فيلماً طويلاً أو يحكي موضوعاً يستلزم كتابة سيناريو واختيار أماكن تصوير معينة، ثم بعد ذلك من السهل إجراء عملية المونتاج.
دعم في حدود المعقول
يؤكد المنتج محمد العدل دعمه لهؤلاء الشباب معنوياً، ومادياً - في حدود المعقول- إذ ليس من الحكمة صرف أمواله في أعمال ليس منها جدوى أو نفع، خصوصاً أنها لن تعرض بالسينما ولن تجذب الجماهير لمشاهدتها، فالتجربة لا تزال في بدايتها وإن كان نجاحها جماهيرياً صعب.
عصب جديد
يقول سامح مهران: عالم التجريب يحتاج إلى وقت لكي تتضح فوائده بترسيخ قواعد لاستخدام أي تقنية جديدة، وهذا ما يمكن أن يحدث لظاهرة استخدام الموبايل في التصوير السينمائي، فقد تصبح هي الأساس بعد فترة من التجريب؛ لتصير عصباً جديداً للفن سواء أردنا أم لم نرد.
القاهرة: دار الإعلام العربية


