كان للمسلسل التركي «نور» عظيم الأثر في زيادة معدلات التدفق السياحي لتركيا 3 أضعاف، لتنجح بذلك الدراما التركية فيما فشلت في تحقيقه السفارات على مدى 10أعوام، إذ عاد السائحون السعوديون والكويتيون والإماراتيون بقوة إلى تركيا بعد أن عكست مسلسلاتها واقعا جذابا للحياة في تركيا جعل الكثيرين يفكرون بجدية هذا العام لاختيارها لقضاء الإجازة بين الطبيعة الساحرة بالمطاعم التي كان يتردد عليها «نور» و«مهنَّد».
ولم يكن ليتحقق ذلك، لولا التسهيلات التي تقدمها الحكومة التركية للقائمين على الدراما، والأمر ذاته لا يختلف كثيرا عن التسهيلات التي تمنحها سوريا والمغرب لفنانيها، لكن في المقابل لا يزال المسؤولون المصريون يتجاهلون هذه الحقائق؛ حيث تصر إدارات الفنادق والمطاعم السياحية بمصر على تأجير مطاعمها وقاعاتها بمبالغ كبيرة تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات لتصوير أحد المشاهد، رافضين تقديم أي تسهيلات الأمر الذي أدى إلى هروب عدد كبير من السينمائيين لتصوير أفلامهم في الخارج بما في ذلك الأعمال التي تدور أحداثها في مصر.
وعلى الرغم من تنبه الاتحاد المصري للغرف السياحية لهذا الهروب واتفاقه مع 25 من المنتجين والفنانين والسينمائيين والتلفزيونيين من بينهم العدل جروب، محمد حسن رمزي، خالد يوسف، ليلى علوي، وعدد من خبراء السياحة والآثار؛ لتقديم تسهيلات تفوق التي تمنحها تركيا وسوريا والمغرب للفنانين.. لكن هل هذه التسهيلات هي التي تساعد على الترويج السياحي، أم أن هناك عوامل أخرى تحتاجها السياحة المصرية من الدراما بشكل عام حتى تصل إلى مستوى التدفق في تركيا؟.. كل ذلك نتعرف إليه في سياق التحقيق التالي.
يؤكد إلهامي الزيات رئيس مجموعة «إمكو» للسياحة والفنادق، أن فكرة استخدام الدراما للترويج السياحي لم تولد على أيدي صُنَّاع الدراما الأتراك كما يدعي البعض، لكنها بدأت من القاهرة، إلا أن تركيا استغلتها استغلالاً صحيحا، ولعبت الطبيعة الجذابة وتعلق المشاهدين بمسلسل «نور» دورا إضافيا في ذلك حتى أصبحت تركيا المنافس الأول لمصر في السياحة، واستطاع صُنَّاع الدراما هناك تسخير الفن لإبراز الشكل الجمالي من خلال تصوير المسلسلات والأفلام التركية التي يتم تسويقها عربيا؛ حيث يتم اختيار أجمل المناظر التي تبرز جمال البلد، علاوة على تسهيل الإجراءات من المسؤولين عن تنشيط السياحة بتركيا أمام السينمائيين.
وأضاف أن هذه الصورة التي ظهر عليها الفنانون الأتراك في مشاهدهم دعت المتخصصين المصريين في مجال السياحة إلى البدء في تنفيذ هذه الخطوة من جديد، بهدف استغلال الطبيعة الساحرة في مصر سواء بالمحافظات الساحلية أم السياحية مثل شمال وجنوب سيناء والإسماعيلية والبحر الأحمر وغيرها من المحافظات.
وقد نالت الفكرة تشجيع الجميع وقرروا دعم هذه الخطوة للترويج السياحي لما تتمتع به مصر من طبيعة خلابة وحضارة تمتد إلى 7 آلاف عام.
تسهيلات
وعن التسهيلات التي سيتم تقديمها للمنتجين وصُنَّاع الدراما في الفترة المقبلة، أكد عادل عبدالرازق عضو مجلس إدارة الاتحاد المصري للغرف السياحية، أن المنتجين سيحصلون على تخفيضات هائلة تصل في بعض الأحيان للإقامة المجانية في الفنادق التي ترغب في وضع اسمها في الأعمال الدرامية، وذلك عن طريق هيئة تنشيط السياحة التي قررت دعم هذا التوجه لإظهار الجمال والسحر اللذين تتمتع بهما المدن المصرية أسوة بما يحدث في تركيا التي تسعى بكل طاقتها لتسخير الدراما لخدمة السياحة، إذ إن مصر تمتلك من المقومات السياحية المتميزة التي تنعش السياحة الوافدة إلى مصر.
خطة تسويق
في السياق نفسه أوضح أحمد موسى، رئيس لجنة النشاط البيئي والتراثي باتحاد الغرف السياحية المصرية، أنه سيتم استثمار كل الأماكن السياحية في مصر في الأعمال الدرامية والسينمائية؛ لكون الفن أفضل سفير للترويج للسياحة في الدول العربية والأوروبية أيضا، وسيتم تقديم كل التسهيلات اللازمة من قبل المنتجعات والفنادق والقرى السياحية والأماكن الأثرية.
حيث يعود ذلك على الاقتصاد المصري من خلال تسويق هذه الأعمال للعرض على أغلب شاشات القنوات التليفزيونية أو دور العرض بالدول العربية والأجنبية حتى تدخل الأعمال المصرية في منافسة مع نظيرتها التركية والسورية التي تستثمر إمكانات بلادها وعرض مقوماتها السياحية بعد أن وضع الاتحاد خطة ترويجية حددت خلالها أهم الأسواق السياحية الرئيسية من خلال تصنيف الدول في مجموعات، وتم إطلاق قوافل ترويجية وتسويقية استعدادًا للموسم السياحي الجديد للتعريف بمصر من خلال الأعمال الدرامية التي يتم تصويرها حاليًا.
خطف أنظار
المنتج د.جمال العدل يرى أن التصوير في الأماكن السياحية يعد من أفضل وسائل الترويج لها، لكن المسؤولين بوزارة السياحة المصرية لم ينتبهوا إلى ذلك منذ أعوام طويلة حتى فاجأتهم الدراما التركية التي استطاعت الترويج للطبيعة الساحرة لبلادها، وخطفت أعدادًا هائلة من الأفواج السياحية التي كانت تتدفق على مصر، وأصبح المشهد بصفة عامة ينبئ بكارثة، خاصة أن السياحة أحد مصادر الدخل القومي الرئيسية..
وفى المقابل يؤكد العدل أن الدراما التركية كانت محفزًا للسوريين أيضًا لإظهار الأماكن الجميلة هناك، وتوصلوا إلى أسلوب الترويج لها، وحققت بالفعل أهدافها بتضافر الجهود المجتمعية بين شركات الإنتاج ووزارة السياحة وبعض الوزارات المعنية؛ حتى استطاعت سوريا هي الأخرى وضع نفسها على قائمة الدول العربية المتقدمة سياحيًا، واتضح ذلك بعد عرض مسلسل «باب الحارة»؛ حيث أقبل عدد هائل من السياح على زيارة أماكن التصوير، كذلك مسلسل «ضيعة ضايعة»؛ حيث تهافت العرب والسوريون أيضًا على زيارة قرية «السمرة».
تصاريح الثقافة والسياحة
وعن المشاكل التي كانت تواجه صُنَّاع الدراما قديمًا يقول المنتج إسماعيل كتكت إن الحصول على تصاريح من وزارة الثقافة وفرض مبالغ كبيرة للتصوير في بعض الأماكن السياحية والأثرية كان العقبة الرئيسية التي تضطرهم إلى بناء ديكورات تحاكي الأماكن الطبيعية، رغم أن القائمين على السياحة يعلمون أن التسهيلات التي تقدمها بعض الدول المجاورة تسهم في تنشيط الحركة السياحية، وتساعد على زيادة دخلها من خلال الترويج لمعالمها السياحية وأماكنها الطبيعية..
كتكت لفت أنه في الوقت الذي كان يرغب فيه الأجانب في تصوير أعمالهم بمصر كانوا يواجهون بقائمة أسعار وقيود تمنعهم من مواصلة التصوير وسط دهشة الأجانب الذين سيروجون بهذه الأعمال للأماكن السياحية في دول أوروبية وأميركية دون أن تدفع وزارة السياحة مليمًا واحدًا للترويج في الخارج، إلا أن نظرة السياحة المصرية للدراما ما زالت متدنية.
فبعد أن اصطدم صُنَّاع الدراما الأجانب بالواقع المصري والقيود التي تفرضها وزارات الثقافة والسياحة والداخلية، استطاعت دول مثل المغرب والإمارات جذبهم بفضل التقدم في هذا المجال، علاوة على التسهيلات التي تقدم لهم من وقت إلى آخر، ما دعا صناع الدراما المصريين إلى التوجه إلى هذين البلدين.
رغم تكلفة سفر المعدات الخاصة بالتصوير، لكنهم يشعرون بأنهم يجدون ضالتهم التي يبحثون عنها، ولو تم توجيه ملايين الجنيهات التي يتم إنفاقها على الترويج والتنشيط السياحي والدعاية في الخارج في تسهيل التصوير السينمائي والتلفزيوني، لكان أفضل وأكثر فائدة.
ويستدل المخرج خالد يوسف على بدائية التفكير لدى المسؤولين بوزارتي الثقافة والسياحة برفض الرقابة على المصنفات الفنية في مصر لتصوير فيلم أميركي في مصر، ما دفع القائمين على العمل بالتوجه لتصويره بالمغرب، واستعانوا ببعض الجرافيك لتعويض نقص بعض الأماكن، فتسبب ذلك في خسارة بالغة للسياحة المصرية التي تعد مقصد جميع السائحين في الدول الأوروبية، إلا أنهم بدأوا يتوجهون إلى المغرب ولبنان وتركيا وسوريا نتيجة التسويق الدرامي الجيد.
لكن يوسف يعتقد أن اجتماع غرفة السياحة الأخير سيكون أول خطوة على الطريق الصحيح لتنصيب مصر من جديد على قائمة الدول السياحية بعد الخسارة الكبرى التي تعرضت لها في الأعوام الأخيرة، مُشيدًا بفكر لبنان في أفلام السبعينات عندما جعلت جميع أعمالها السينمائية والدرامية رصدًا لطبيعتها الساحرة وجبالها الخضراء، فجذبت الجميع لزيارتها.
غرام في الكرنك
بينما أوضحت الناقدة السينمائية رانيا يوسف أن السينما المصرية، وكذلك الدراما، لم يحدث لها تخلف عن ركب استعراض وتسويق الأماكن السياحية، إلا أن عدم انتشار الفضائيات قديمًا كان يقلص من النتائج المتوقعة من عرض الأعمال الفنية في الدول العربية، ورغم ذلك فقد لعبت بعض الأعمال المصرية دورًا كبيرًا في تنشيط السياحة بشكل يفوق الإعلانات المباشرة والدعاية في الخارج التي ينفق عليها ملايين الدولارات كل عام.



