لن تجد مقاهي دافئة توحي بالحميمية تحت ظلال الأشجار أو شوارع مرصوفة بالحصى أو مباني مشيدة على الطراز الاستعماري في جاكرتا. وتحفل العاصمة الإندونيسية بنحو تسعة ملايين من السكان وتتعرض كل يوم لحالة من شبه الشلل المروري بسبب الازدحام، ومع ذلك تتمتع المدينة بتاريخ غني، وأيضا بشوارع ملتوية ومبان تاريخية بل وبأشجار تلقي بظلالها على الأماكن.
وعندما تغلق إيلا عبيدي عينيها في كوتا توا وهي البلدة القديمة بجاكرتا تتخيل زوارق الترفيه وهي تنزلق على صفحة مياه القناة ومتاجر تعرض السلع في واجهات العرض الزجاجية والكثير من المقاهي وسياح يتجولون في الشوارع الضيقة، ولكنها عندما تفتح عينيها ترى القناة وقد امتلأت بالقاذورات وانبعثت منها رائحة الصرف الصحي ومستودعات أصبحت في حالة سيئة من التلف وسيارات متكدسة من الزحام في الشوارع الضيقة.
وتشرف عبيدي بوصفها نائب الرئيس التنفيذي لصندوق المحافظة على التراث بشركة السكك الحديدية الإندونيسية التي تمتلكها الدولة على نحو 600 محطة تاريخية للسكك الحديدية ومبنى، وتقوم السيدة الإندونيسية عبيدي القوية الإرادة على الرغم من أنها نحيلة الجسم وهي ذات نسب مختلط من زواج صومالي وهولندي بدعم بلدها إندونيسيا لاستثمار ماضيها الاستعماري في اجتذاب السياح.
وتم استيطان المنطقة الحالية المعروفة باسم جاكرتا منذ آلاف السنين، وقد حكمتها سلالات هندية لفترة طويلة، وجاء الهولنديون بحلول نهاية القرن السادس عشر وأسست شركة الهند الشرقية الهولندية حصن باتافيا في موقع المدينة بعد ذلك بفترة قصيرة، وأصبحت باتافيا قاعدة لتجارة مزدهرة في التوابل والتبغ والبن، ثم أصبحت بعد ذلك العاصمة الاستعمارية لجزر الهند الشرقية الهولندية. وأصبحت جاكرتا ذات شخصية مستقلة خاصة بها بعد افتتاح قناة السويس عام 1869، ثم غزاها اليابانيون عام 1942 وحصلت إندونيسيا على استقلالها رسميا عام 1949 وتمت تسمية المدينة جاكرتا منذ ذلك الحين.
وكانت البلدة القديمة بجاكرتا هي الحي الهولندي بالمدينة، وتمر بها قناة تشبه بشدة القنوات التي تشق مدينة امستردام الهولندية، كما كانت توجد بها بيوت يملكها تجار التوابل الأثرياء ومستشفى قديم والكثير من المستودعات القديمة.
واشترت عبيدي مستودعا قديما في الحي القديم عام 1999 ربما كان قد بني منذ أكثر من 220 عاما وصار حطاما تقريبا اليوم فقد انهار السقف وامتلأت الجدران بالثقوب، والتفت جذور شجرة عملاقة حول ما تبقى من الجدران، وتقف الشجرة وسط المبنى.
وتقول عبيدي بحماس إن هذا المبنى عبارة عن 460 مترا مربعا من الفردوس، أو أنه على الأقل سيصبح فردوسا بعد التجديد، وتنضح الجدران بعبق التاريخ، وتضيف إنها قد تضع الزجاج فقط أمام المبنى وتتركه هكذا.
وفي الركن القريب يوجد فندق متهدم يحمل بقايا عصر ذهب ولى منذ فترة طويلة، فيمكن رؤية قوالب القرميد الهولندية مصفوفة على جدار وألواح النوافذ الزجاجية الملونة والمطبوع عليها شعارات النبالة الأوروبية وسلالم لولبية كانت تسعد حتى سكارليت أوهارا بطلة فيلم ذهب مع الريح.
وتؤكد عبيدي ضرورة تجديد وتطوير هذه المنطقة وتطهير القناة ذات الرائحة الكريهة وتوفير الأمان وإعادة توزيع حركة المرور.
وكان يوجد بالبلدة القديمة منذ فترة طويلة مكان واحد للقاءات، إضافة إلى عدد قليل من المتاحف التي لا تلقى إقبالا يذكر، وهو مقهى باتافيا الذي يقع بمبنى تاريخي أمام ميدان فتح الله، وقد اشترى هذه المقهى استرالي يدعى جراهام جونز منذ أعوام عدة وقام بتجديده وتصميم ديكوراته بخطوط حديثة، وكان من الممكن للممثلين الشهيرين همفري بوجارت وإنجريد برجمان أن يشعرا بأنهما في وطنهما لو جلسا على هذا المقهى.
وتدعو عبيدي إلى إنشاء وتجديد مزيد من المقاهي وكذلك إقامة المتاحف والمتاجر والمشروعات التجارية وتشجيع باعة الشوارع والمواطنين للانتقال والإقامة في هذا الحي. وفي جهودها لتطوير الحي القديم جمعت عبيدي أكثر من سبعين من أصحاب المنازل لتأسيس جمعية لمراقبة الجريمة ومساعدة أصحاب المشروعات الصغيرة على إقامة منصات لبيع الهدايا التذكارية في الشوارع والمقاهي المتنقلة وغيرها.
ويموج ميدان فتح الله اليوم بالحيوية في أوقات العصر عندما يتجمع الشباب وتعزف فرق موسيقى الشوارع ألحانها، بينما يعتزم أحد الجيران افتتاح قاعة للفنون وآخر فندقا وثالث دارا للسينما.



