كما يحدث دائما في الأعمال الفنية التي تقوم على مضامين سياسية، وجدت مسرحية «ملك الشحاتين» التي تعرض حالياً على مسرح السلام بالقاهرة إقبالا كبيرا من الجمهور وإشادة من النقاد والمهتمين الذين وصفوا العمل بأنه كبير ويحمل مضامين فيها كثير من الدلالات والإشارات لواقعنا اليوم في العالم العربي، خاصة أنه عمل يعبر عن روح وفكر مؤلفه الشاعر الراحل نجيب سرور .

وما يدعو إلى الدهشة أن المسرحية التي عرضت في سبعينات القرن الماضي يعاد عرضها اليوم لتجيء مواكبة لمرحلة العولمة، ليؤكد سرور أنه بالفعل قارئ يجيد قراءة المستقبل، لذا تنادي المسرحية بوحدة الشعوب العربية لمواجهة مشاكلها المعقدة باعتبارها الأسلوب الوحيد لحلها. «ملك الشحاتين»، مسرحية يقوم بإخراجها محمد الخولي، ويشارك في بطولتها محمود الجندي، سامي العدل، لقاء سويدان، نجوى فؤاد، ريكو، منير مكرم، عادل الكومي، نجاح حسن، محمد عابدين، والطفل عبدالرحمن الخولي. ويتحدث المخرج محمد الخولي عن العمل فيقول إن من أهم الأسباب التي دعتنا إلى إعادة تقديمه أنه من أهم أعمال الشاعر الراحل نجيب سرور، وإعادة عرضها هو تخليد لذكراه، واعترافًا بمدى إسهاماته في تقديم أعمال مسرحية على درجة من الرقي والتميز، كما أن تقديم المسرحية كان بمثابة محاولة لإحياء التراث المسرحي، وإعادة تقديم شكل الأوبريت الذي اختفى لفترة من المسرح.

أوبريت مختلف... وأشار الى أن «ملك الشحاتين» من أهم العلامات المميزة في تاريخ المسرح، وقد سبق وتم تقديمها على مسرح البالون في السبعينات، وأخرجها جلال الشرقاوي، ثم تم إعادة تقديمها مرة ثانية منذ عشرين عامًا على أحد مسارح القطاع الخاص، وقام ببطولتها محمد منير، صابرين، فايزة كمال، ونجاح الموجي، والذي اعتذر بعد اشتراكه بها، وتم استبداله بالفنان سعيد صالح، وأخيرًا تم تقديمها الآن على مسرح السلام ، موضحا أن المسرحية مكتوبة في شكل أوبريت، وأنه من خلال المسرحية حاولنا تقديم رؤية جديدة ومختلفة مواكبة لمشاكل عصرنا الحالي، كما حاولنا المزج بين روح العمل، مع محاولتنا لإلقاء الضوء على أهم مشاكل مجتمعنا العربي من خلال المولد الذي تدور فيه أحداث المسرحية، والذي ينقسم الناس فيه إلى مجموعتين، مجموعة «الحراميَّة» ويتزعمها «أبو مطوة»، والذي يجسده الفنان سامي العدل، ومجموعة «الشحاتين» ويتزعمها «أبو دراع»، والذي يجسده الفنان محمود الجندي، ويحدث بينهما صراع منذ بداية المسرحية على مَن يتقلد زمام الحكم.

وخلال أحداث العمل يقع أبو دراع في غرام بنت ملك الشحاتين «ألماظ»، والتي تجسدها الفنانة لقاء سويدان، والتي تحاول أن تُزيل الخلاف بينهما، وتدعوهما إلى الاتحاد، وفي الوقت نفسه يتدخَّل الخواجة «جورج»، وهو يمثل الاستعمار الإنجليزي، والذي كان يحكم مصر في ذلك الوقت، والذي يسعى طوال أحداث المسرحية إلى الإيقاع بينهما حتى يستفيد من صراعهما معًا، ولكن في نهاية العمل يتفق الطرفان، ومن خلال اتحادهما يستطيعان القضاء على الاستعمار، وهذا هو الهدف الرئيسي من المسرحية، كما يتخلل العرض «تابلوهات» غنائية استعراضية أضفت على العمل شكلاً جماليًا.

إقبال جماهيري

ويؤكد الخولي أن بروفات المسرحية استغرقت نحو شهرين كفترة تحضير، وأن موسم عرض المسرحية مستمر؛ لأن هناك إقبالاً جماهيريًا كبيرًا، كما أن بها نجومًا كبارًا فضلا عن عناصر العمل الأخرى التي أسهمت في إخراج صورة مسرحية متميزة من خلال تلحين تابلوهات الغناء، والتي قام بها الملحن صلاح الشرنوبي، ومصمم الاستعراضات حسن إبراهيم.

ومصممة الأزياء هدى السجيني، ومهندس الديكور محيي فهمي.. مشيرًا إلى أنه كان قد تم ترشيح الفنانة فيفي عبده لبطولة المسرحية، ولكنها اعتذرت لانشغالها بمسلسل «طوق النجاة»، والذي سيتم عرضه خلال رمضان المقبل، ثم تم ترشيح الفنانة لوسي، ولكنها اعتذرت بسبب الأجر، وفي النهاية تم الاستقرار على كل من الفنانة لقاء سويدان، والفنانة نجوى فؤاد.

عبق مسرحي

الفنان محمود الجندي أعرب عن سعادته بالمشاركة في عمل مسرحي يحيي تراث المسرح برؤية جديدة تساير العصر، ويحمل دعوة إلى الاتحاد بين الشعوب، مع إضفاء شكل استعراضي رائع في محاولة لإعادة شكل الأوبريت مرة أخرى، ويؤكد أن المسرحية أعادت لنا عبقا مسرحيا قديما بروح عصرية، وبفكر فنانين متميزين..

مشيرًا إلى أنه يجسد من خلال المسرحية شخصية «أبو دراع» والد «ألماظ»، وهو رجل فقير يعيش في صراع ضد ملك الحراميَّة «أبو مطوة»، والذي يجسده الفنان سامي العدل، وتحاول ابنته أن تنهي الصراع القائم بينهما، وفي النهاية يتحد ملك الشحاتين مع ملك الحرامية في مواجهة المستعمر..

مؤكدا أن من أهم الأسباب التي جذبته إلى قبول العمل بالمسرحية الرسالة الهادفة التي يقدمها لنا مسرح الدولة من خلال إعادة تقديم عمل مسرحى يحمل أهدافًا وطنية بفكر متحضر حديث، وفي الوقت نفسه توجيه رسالة للاتحاد بين البلاد العربية من أجل الحفاظ على ملامح الخريطة العربية.

استعراضات غنائية

وتؤكد الفنانة لقاء سويدان أن العمل المسرحي أتاح لها الفرصة لإخراج طاقاتها الفنية والإبداعية، لافتة إلى أن الوقوف على خشبة المسرح يُشعرها بحالة من الإبداع المستمر والمتجدد، والذي تستطيع من خلاله إسعاد جمهورها؛ حيث إنها قدمت من خلال مسرح الدولة أعمالاً مسرحية متعددة أكسبتها ثقلاً فنيًا متميزًا.

كما أن من أهم الأسباب التي جعلتها توافق على المسرحية أن دورها به مساحة تمثيل وغناء واستعراض كبيرة؛ لأن المسرحية هي في الواقع أوبريت غنائي شعبي، ومن الصعب أن يعثر الممثل على عمل يحوي تلك العناصر جميعًا ولا يشارك به، بغض النظر عن حجم الدور الذي يستطيع من خلاله الفنان ترك بصمة لدى الجمهور.

وتشير إلى أنها تقدم من خلال المسرحية خمسة استعراضات غنائية من ألحان صلاح الشرنوبي، وقام بتصميم الاستعراضات حسن إبراهيم، حيث تجسد شخصية «ألماظ» بنت ملك الشحاتين «أبو دراع»، وتقع في غرام ملك الحرامية «أبو مطوة»، والذي يجسده الفنان سامي العدل، وهى فتاة حرة تحمل بداخلها فكرًا وطنيًا، وتدعو إلى الاتحاد ضد المستعمر الأجنبي.

وتسعى جاهدة طوال المسرحية في أن تزيل الخلاف والصراع بين الشحاتين والحرامية ضد المستعمر الأجنبي.. مؤكدة أن الدور جديد عليها ولم تقدمه من قبل؛ حيث قدمت من قبل أدوارًا كثيرة دارت جميعها في قالب الفتاة الراقية الارستقراطية، وأن مساحة الدور أضافت إلى رصيدها الفني الكثير؛ لأنها استطاعت من خلال الدور أن تقدم فنًا شاملاً من تمثيل وغناء واستعراض.

ويشارك الفنان سامي العدل في مسرحية ملك الشحاتين؛ حيث يجسد شخصية «أبو مطوة» ملك الحرامية، والذي يحاول أن يتزعم المملكة وينتصر على ملك الشحاتين «أبو دراع»، ولكنه يقع في غرام بنت ملك الشحاتين «ألماظ»، والتي تجسدها الفنانة لقاء سويدان.

ويعيش في صراع طوال أحداث المسرحية على رئاسة المملكة، ويجهل عدوه الذي يستفيد من نزاعه مع ملك الشحاتين، وهو الخواجة جورج، وتساعده حبيبته «ألماظ» في الاتحاد مع والدها ملك الشحاتين، وإنهاء الخلاف بينهما والانتصار على الاستعمار.

مؤكدًا أنه على الرغم من انشغاله بتقديم أعمال درامية سيتم عرضها خلال رمضان المقبل إلا أن العمل المسرحي له سحر خاص لا يستطيع الفنان التنازل عنه؛ لأنه يجعل الفنان يشعر باستمتاع خاص لا يشعر به في تقديم أي عمل آخر، خصوصًا أن الفنان يرى رد فعل الجمهور أمامه، ويسعد عندما يشعر ببهجة المشاهدين، ويسعى جاهدًا كل ليلة إلى ابتكار كل ما هو جديد حتى يُمتع الجمهور.

ويشير إلى أن المسرحية تحمل جميع عناصر النجاح من فكر مسرحي برؤية الراحل نجيب سرور، وإخراج رائع قام به المخرج المتميز محمد الخولي، ومجموعة رائعة من الفنانين أضافوا روحًا جديدة للعمل، ومن الصعب أن يتكرر عمل بكل هذا الثقل.