تقول إيرما بيوس عندما توفي زوجها وتركها وحدها، ولم تكن قادرة على استيعاب كيف حدث ذلك، وبعد أشهر عدة وجدت طريقها في مساعدة مجموعة من الأشخاص يمرون بحالة حداد مماثلة، وسألوها في وقت ما إذا ما كانت تستطيع تنظيم رحلة لهم.

ومنذ ذلك الحين أصبحت بيوس، مديرة لوكالة سفر ألمانية تنظم الفعاليات والرحلات للأشخاص الذين فقدوا أحد أحبائهم، ويتزايد الاهتمام بهذا النوع من الرحلات، وأصبح يشمل وكالات السفر الأخرى والمؤسسات التي تعرض أنشطة قضاء وقت الفراغ والترفيه. ونظمت بيوس عام 2009 ست رحلات لمقاصد داخل ألمانيا، وفي مناطق أخرى بأوروبا، وتشمل مقاصد العام الجاري مالطا وينابيع أبانو الحارة في إيطاليا.فهل باتت المجتمعات العربية في حاجة لمثل هذه الوكالات لتنظيم رحلات خاصة للترفيه عن الذين فقدوا أحباءهم، سؤال الإجابة عنه في السياق التالي:يقول الدكتور إبراهيم الياسي إن الحراك الاجتماعي يحتم على المجتمعات ان تتطور في مواكبة هذا الحراك في إطار العادات والتقاليد، وهذا ما حدث في مجتمع الإمارات، حيث تطورت العادات والتقاليد في التخفيف والمواساة عمن فقدوا أعزاءهم.حيث تنظم بعض الأسر رحلات ترفيهية سواء داخل او خارج الدولة مع الاهل وبعض الأصدقاء تتخللها جلسات نقاش حول الكثير من القضايا أو عقد جلسة حوارية تكون أشبه بمؤتمر عائلي في ختام الرحلة، وأحيانا يكون المؤتمر بعد شهر أو عام بعد الوفاة، لكن هذا الأمر لم يصل مستوى الظاهرة، لكنه في الطريق لان يكون سلوكا اعتياديا للمشاركة بعد فترات الحداد.

وتشاطره الرأي سيدة الأعمال والمؤلفة المسرحية إيمان فارس الرأي في ان المجتمعات العربية لا تزال بخير، ولا تحتاج إلى مثل هذه الوكالات مستشهدة بما حدث لها إبان وفاة والدها، على الرغم من أن الفقد كان أليما وغاليا بالنسبة لها إلا وقفة المحيطين بها من أهل وأصدقاء وسيدات ورجال أعمال كان لها كبير الأثر في التخفيف عن مصابها الجلل، وكانت فترة للتوقف والتدبر والتأمل ومراجعة الكثير من المواقف طوال حياتها لان الموت على الرغم من قساوته ينعش الذاكرة لكثير من الأحداث ما كان لنا أن ننتبه لها في الأحوال العادية.

وبالنبرات ذاتها يحكي المذيع في قناة العربية زاهر هرموش عن تجربته الشخصية في تناسي الألم بعد وفاة اعز ما لديه في هذه الدنيا؛ والديه، فكان مصابا جعله يعيش في دوامة من الأحزان، لكنه تسلح بقوة الإرادة في مواجهة هذا التأزم، وقرر تناسي الفجيعة، لكنه لم ولن يستطيع أن ينسى والديه؛ فالأم والأب يسيطران على كامل وجدانه، لذا حاول بشتى الوسائل أن يخفف عن فقدانهم فبدل عمله.

وأعاد تأثيث مسكنه وقام بعدد من الرحلات الداخلية والخارجية وهذا الأمر يوضح أهمية هذه الوكالات التي تنظم رحلات لمن فقدوا عزيزا لديهم لأنها توفر لهم الجهد وتحدد لهم الوجهات المناسبة لكل حالة.

وتشير بيوس إلى أن وكالتها نظمت العام الماضي رحلة وقت أعياد الميلاد ورأس العام الميلادي الجديد إلى بلدة تيجرنسي بالقرب من ميونيخ، وتقول إن الضيوف شعروا بالدهشة والإعجاب من الجو الرائع الذي ساد احتفالات بداية العام، وتضيف إن بعض المشاركين في الرحلة لم يمارسوا الرقص منذ عشرين عاما.

ومثل هذه الرحلات أصبحت قصة مألوفة لدى فريتز روث، فقد أسس أكاديمية خاصة للحداد منذ 13 عاما، وهي تقوم بمهام عدة من بينها تعليم الأفراد كيف يصبحون مرافقين لأشخاص في حالة حداد.

ويقول روث إنه عندما نظمت الأكاديمية دورات تدريبية في مجموعات للأشخاص الذين في حالة حداد كنا نسمع مرارا وتكرارا أنهم يودون القيام برحلات ولكنهم يتشككون في قدرتهم على السفر بمفردهم، وتنظم الأكاديمية رحلات لهؤلاء الأشخاص منذ أعوام عدة.

ويرى كارستن كوسمان، المسؤول عن الرحلات الخاصة بوكالة تي يو آي إن مثل هذه الرحلات تعد منتجا يقدم للخاصة وسيظل هكذا، وتشير أبحاث السوق إلى حدوث الكثير من المتغيرات المجتمعية، وفي هذا الصدد يقول كوسمان ان الكنائس والأسر أخذوا يفقدون أهميتهم عندما يتعلق الأمر بأحزان فقدان الأحبة، وبالتالي تتعامل وكالته للسفر مع الأمر بشكل مختلف اليوم بأكثر مما كانت تعتاده في السابق، ويضيف إنه لم تكن ثمة اختيارات أمام الأشخاص الذين يعانون من ألم فقدان أحبائهم ويمكن للسفر أن يساعد على ملء هذا الفراغ.

رحلة سفر

اعترفت وكالة تي يو آي الألمانية للسفر بالأشخاص الذين في حالة حداد كمجموعة زبائن وهي تعمل بالاشتراك مع الأكاديمية لخدمة هذه الشريحة من سوق السفر، وأول رحلة من هذا النوع نظمتها الوكالة كانت في مايو من العام الماضي عندما سافر اثنا عشر ضيفا إلى ماديرا بالبرتغال، وكانت التجربة إيجابية.

وكالة عربية

يوافق الإعلامي بقناة العربية زاهر هرموش على فكرة أن تكون هناك وكالة عربية متخصصة تساعد الذين فقدوا عزيزا لديهم على الخروج من عالم المأساة وعدم إطالة فترة الحداد، لكنه يتساءل عن مدى تقبل المجتمعات العربية لمثل هذه الوكالات.

تراحم عربي

يرى الدكتور إبراهيم الياسي، مدير مركز الحوار للدراسات والبحوث أن المجتمعات العربية والإسلامية تمتاز بترابطها وتراحمها خصوصا في حالات الوفاة وفقدان شخص عزيز حيث يهب الأهل والأصدقاء بضمير جماعي موحد لمد يد العون لأهل الفقيد وهذه عادات وتقاليد متوارثة في مجتمع الإمارات وسائر المجتمعات العربية.

تخطيط الرحلة

يقتصر عدد المشاركين في الرحلات التي تنظمها وكالة تي يو آي للسفر على عدد يتراوح بين 12 إلى 18 شخصا ويتم اختيار الفنادق الصغيرة التي لا يزيد عدد غرفها عن مئة، كما تمتد الرحلة لمدة أسبوع واحد ويصاحبها اثنان من المرافقين من الوكالة.

ويقول مسؤولو وكالات السياحة إنه لا يتعين تنظيم الرحلة السياحية بعد فقدان أحد الأحباء مباشرة ويقترح روث أن يبدأ التخطيط للرحلة بعد الوفاة بفترة تتراوح بين أربعة شهور و12 شهرا.

ويوضح روث أن الرحلة تعد بمثابة رابطة لتعلم كيفية الحزن مع أشخاص يمرون بالتجربة نفسها، ومن المفيد غالبا أن يكون المشارك قادرا على التعبير عن مشاعره.

رهبة السفر

وتقول بيوس إن الناس يخشون من السفر بمفردهم والجلوس وحدهم على مائدة بمطعم أحد الفنادق، ويشعر الأشخاص الذين يمرون بفترة حداد غالبا بأنهم عبء على الآخرين غير أن الأمر يختلف مع رحلات بيوس، فتوضح قائلة إنها تسمح للمسافرين في الرحلات التي تنظمها بالحديث بإسهاب والتعبير عن حالة الحزن التي يمرون بها بسبب وفاة أحد الذين يحبونهم.

غير أن الأكثر أهمية من هذا بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من فقدان أحد أحبائهم أن يمارسوا شيئا أو نشاطا مشتركا مع أشخاص آخرين.

دبي ـ عماد الدين إبراهيم