هل تخيَّلنا قبل ذلك متابعة عمل سينمائي أو تلفزيوني أو مسرحي من دون موسيقى تصويرية؟ بالتأكيد سيكون عملاً منقوصًا مهما كان مستوى الكتابة أو الإخراج؛ حيث تعتبر الموسيقى التصويرية من أهم العناصر الأساسية في صناعة العمل الدرامي.
بل يعتبرها النقاد نصف البصر كونها الوسيلة الأقوى التي توفر للمشاهد فرصة الاندماج في المشهد، وعلى الرغم من أن تاريخ السينما مليء بالعديد من الأعمال الدرامية التي كانت الموسيقى التصويرية هي الحسنة الوحيدة الموجودة فيها، ومن أجلها أقبل الناس على العمل على غرار موسيقى فيلم «دعاء الكروان»..إلا أنه خلال السنوات الأخيرة ومع الاتجاه للاعتماد على أدوات التكنولوجيا الحديثة ظلت الموسيقى التصويرية تتأرجح بين الصعود والهبوط نتيجة تراجع إحساس المؤلف بها وتعامل المنتجين معها من ناحية أخرى على أنها شيء ثانوي.. تفاصيل أكثر تضمها السطور التالية..اعترافًا بأهمية الموسيقى التصويرية جاءت قوانين حقوق الملكية الفكرية لتشمل حقوق الموسيقى التصويرية، إضافة إلى أن السينما والمسرح والتلفزيون تزخر مكتباتها بالعديد من المؤلفات الخالدة لكبار الموسيقيين المصريين يأتي على رأسهم أندريه رايدر، علي إسماعيل، هاني شنودة، عمار الشريعي، عمر خيرت، جمال سلامة، يحيى الموجي، راجح داوود، هاني مهنى.مودي الإمام، وغيرهم من مؤلفي الموسيقى التصويرية، الذين استطاعوا إعمال حاسة السمع جنبًا إلى جنب مع حاسة البصر، ما يساعد المشاهد في إدراكه للأحداث وتحريك مشاعره من خلال التيمة الموسيقية المستوحاة من العنوان، ومن ثم الانتقالات الحوارية والانفعالية التي تتم وفقًا للتقلبات الأدائية إذا كان المشهد حزينًا أو سعيدًا.
تحريض موسيقي
يقول الموسيقار عمار الشريعي إن الموسيقى التصويرية لم تعد مجرد خلفية موسيقية للمشاهد، ولكنها تعبر كما يعبر الممثل، أو تتواكب مع حركته وانفعالاته وانكساراته وغيرها من الحوارات التي تدور في مشاهد العمل؛ لذلك لا بد أن يكون المؤلف مدركًا لأدواته، ويتمتع بخيال واسع، وإحساس فطري؛ لأن المؤلف الموسيقي لا يؤلف بإحساس لمخاطبة وجدان الناس فقط، بل لأنه محكوم بسيناريو ومشاهد وحوار وانفعالات على مستويات مختلفة يتم التعامل معها كما يجب.
خاصة أن المُشاهد ينفعل مع المشهد أو الحوار بتحريض من الموسيقى التي تصاحب الفيلم، وحتى في حالات الحب تقود الموسيقى التصويرية مشاعر الناس إلى المشهد ومتابعة الحوار بالانفعال المطلوب، فإذا حاولنا أن نشاهد عملاً سينمائيًا أو دراميًا دون موسيقى معتمدًا على الدوبلاج، سنجد أننا نستمع إلى حوار دون مشاعر، وإذا كان لأي عمل أبطال، فالموسيقى التصويرية أحد أبطال هذا العمل.
ويضيف الشريعي أن هناك ممثلين لا يتدخلون في اختيار مؤلف الموسيقى التصويرية للعمل، لكنهم دائمًا ما يكونون سعداء بأسماء معينة تقوم بهذا الدور، وهذا ما جعل كثيرًا من صُنَّاع السينما يحرصون على توفير مؤلف يحبه النجم بطل العمل.
ريادة رايدر
أما الموسيقار هاني شنودة فأكد أن هناك روادًا للموسيقى التصويرية في مصر منذ الخمسينات مثل أندريه رايدر الذي لعب دورًا مهمًا في تطوير وتعريف الآخرين بالموسيقى التصويرية، بل كان معلمًا مطلعًا على التطور الموسيقي العالمي، رغم أن أغلب أفكاره كانت تقوم على الموسيقى الكلاسيكية..
أضاف شنودة أنه لم يكن هناك اقتباس إلا بعد رحيل جيل من المؤلفين الموسيقيين المصريين، فبعد نكسة 1967 لم يحرص المنتجون على استقطاب موسيقيين محترفين لتأليف الموسيقى التصويرية لأفلامهم، وأصبح بعضهم يعتمد على أسطوانات موسيقية لتركيبها على أحداث الفيلم، وقام آخرون بسرقة موسيقى أفلام عالمية عديدة، وتركيبها على أفلام مصرية.
وذلك قبل أن يظهر على الساحة صُنَّاع الموسيقى الغنائيون، خاصة الذين لديهم فرق موسيقية، والذين امتد طموحهم لتأليف موسيقى تصويرية، فظلوا قاسمًا مشتركًا في أغلب الأفلام التي ظهرت في فترتي الثمانينات والتسعينات.
آخر بند إنتاجي
بينما انتقد الموسيقار هاني مهنى بعض الذين يعتمدون على الكمبيوتر كبديل عن كل الآلات الموسيقية.. مشيرًا إلى أن أهم ما يميز الموسيقى التصويرية هو إحساس المؤلف ومدى قدرته على توظيف الموقف وتمكنه من أدواته الموسيقية..
وأضاف إن الجيل الجديد جاء بلا تيمة موسيقية تميزه وتعبر عن شخصية المؤلف رغم توفر كل أدوات التطور والتكنولوجيا للجيل الجديد، إلا أن الجيل السابق كان يتميز بإحساس قوي، وخيال نادر، وقدرة على توظيف أدواته بشكل لافت .
كما انتقد مهنى التعامل الإنتاجي مع الموسيقى التصويرية، وقال إن المنتجين يضعونها آخر بند من بنود الإنتاج، وكأنها شيء ثانوي، رغم أنها تشكل أهمية كبرى لضمان نجاح العمل، فمهما كان الممثل عظيمًا، فلن يصل إحساسه للمُشاهد بالشكل المطلوب دون موسيقى تصويرية تعينه على الحالة وتداعيات المشهد؛ لذلك فمن المؤسف أن يتم التعامل مع الموسيقى التصويرية كأمر ثانوي في الأفلام المصرية، فيما نجدها في الأفلام العالمية البند الأول لدى الإنتاج.
موسيقى مرافقة
وقال الدكتور أحمد محمد لقمان أستاذ الموسيقى بمعهد الموسيقى العربية إن الموسيقى التصويرية حاليًا تماشت مع واقع التطور الفكري الإنساني، خاصة بعد استعمال محترفي صناعة الموسيقى التصويرية الأصوات التأثيرية الغريبة المصدر حتى يحدث التزاوج التصويري والموسيقي على أكمل وجه.
لذلك أصبحت الموسيقى التصويرية علمًا واسعًا يقوم على خلفية احترافية تقوم بدورها في ترجمة المشاهد والحركات والأفكار؛ ليخرج العمل متكاملاً، فالبعض لديه اعتقاد بأن أي موسيقي كبير يمكنه أن يؤلف موسيقى تصويرية لفيلم أو مسلسل، وهذا ليس صحيحًا، فوضع الموسيقى التصويرية عملية معقدة تحتاج إلى خبرة كبيرة في المجال، وخيال قادر على ترجمة الصورة والحوار وتوصيله بشكل يناسب انفعال الفنان أثناء أداء مشاهده.
كما أن البعض أيضًا يربط بين الموسيقى المرافقة والتصويرية، إلا أنه وجب التفريق بينهما، فالموسيقى المرافقة أبسط وأقل من حيث تركيبها ومتابعتها لأي موضوع، ولا تحتاج إلى الدقة المطلوبة لترجمة المشاهد والحوارات والمواقف في الأعمال السينمائية.
منافسة قوية
أعرب الدكتور أحمد محمد لقمان أستاذ الموسيقى بمعهد الموسيقى العربية عن حزنه لتراجع الاهتمام بالموسيقى التصويرية رغم أن أي عمل درامي لا يمكن أن يبث أو يعرض دون موسيقى تصويرية؛ لذلك لا بد من إعادة تقييم مؤلفي الموسيقى التصويرية.
كل حسب إمكاناته وقدرته، وهذا يسهم في تطويرها ويخلق منافسة قوية بين الموسيقيين المتخصصين في هذا المجال، وقد ضرب مثالاً بالموسيقار عمار الشريعي، الذي من دون موسيقاه لن يكون للعمل الدرامي طعم، فمسلسل «رأفت الهجان» حين نشاهده مئة مرة فسنكتشف في كل مرة عبقرية هذا الرجل.

