بعد رحيل عميد الدراما التلفزيونية العربية، أسامة أنور عكاشة، عاش عدد كبير من فناني ومثقفي مصر في حالة تساؤل عما سيؤول إليه حال الدراما في ظل غياب أملها الوحيد في استعادة الريادة العربية، فلم يكن حزن الفنانين على رحيل عكاشة فقط، إنما هناك من قلقوا بعد رحيله على مستقبل الدراما المصرية، ويرون أن رحيله يعد جرس إنذار خطير قد يفقد الدراما المصرية مكانتها بين صناعات الدراما العربية.
يجدر بنا أولاً ألا نجلس القرفصاء لنتباكى على رحيل عكاشة، بل تجب دراسة قيمة ما قدمه للدراما العربية من أعمال رصدت الحياة في مصر من خلال مُفكر يتمتع بالعديد من الآراء الناقدة، لا مجرد كاتب سيناريو.عرف عن عكاشة ناصريته وقوميته العربية، والتي ظل يدعو لها بضمير حي من خلال أعمال مخلصة غير موجهة، لكنه بعد هذه المواقف المؤيدة للناصرية، قد أعاد النظر في آرائه، طالب بإلغاء الجامعة العربية مطالبًا بإنشاء «كومنولث» للدول الناطقة بالعربية قائم على التعاون الاقتصادي، فقد بدأ يفتر حماس عكاشة لمناقشة قضية القومية العربية.وأصبح يعلق عليها بأنها «مجرد حلم وراح إلى حاله»، لكن أفكار عكاشة تدل على أنه لم يرتد عن موقفه من تأييد للناصرية أو القومية بمعنى واحد، وإنما هناك ما يسبب هذه التحولات في المواقف، وليس تناقضها أو التراجع عنها لدى أولئك الذين يستطيعون قراءة التاريخ ومتغيرات الحياة، والذي كان عكاشة واحدًا منهم؛ لذا ينطبق عليه قول القائل «إنه الناصري الذي لا يموت».
ملحمة مشاريع
وهذا يجرنا إلى تكوين عكاشة الثقافي وسط جيل الستينات الثري، والذي صار يسقط واحدًا تلو الآخر في ظلمات الموت.. هذا التكوين الثقافي لم يأت مصادفة، وإنما نتيجة اكتمال في البيئة المصرية والعربية يبشر بهذه الثمار في ميادين عديدة، فلا ينكر أحد أن عكاشة قد تحوَّل إلى ملحمة مشاريع إبداعية عرفت طريقها إلى الجمهور من خلال الدراما.
كما لم تكن الدراما التي يقدمها تسلية رمضانية، كما يحدث اليوم، وإنما جلوس بالكاميرا المترقبة أمام خطوات التاريخ وتحولات الشخصية المصرية، فجمع في أعماله بين الفلسفة والسياسة والتاريخ، فقد مارس الرجل في بداياته الكتابة الروائية والقصصية والمسرحية والمقال ، كتب عن الفساد الذي رفعت له الحياة المصرية القبعات بعد الرايات البيضاء وكتب عن الهم العربي والهوية العربية التي باتت عاجزة عن صد العدوان عنها.
إن آراء عكاشة تستحق أن نتوقف عند جرأتها، لا لأنها فرقعات إعلامية، بل لأنها تنبت من دراسة حقيقية وموقف غير مزيف، ونابعة من يقين مثقف كبير، فمثلاً حين هاجم عكاشة شخصية عمرو بن العاص ووصفه بأنه أحقر شخصية في تاريخ الإسلام.
وحين قامت الدنيا ضده من قبل التيار الديني في مصر، أعلن الرجل أنه لن يغير حرفًا مما قاله، وأعلن مسؤوليته التامة عن كل حرف كتبه، ولم يتنصل من رأي مهما كان الهجوم ضده، ومهما كانت درجة حساسية القضية المثارة.
قراءات درامية
ونظرًا لقيمة الرجل، والتي سنعرف قيمتها أكثر بعد رحيله، فقد أكد مثقفون وفنانون مصريون أن الدراما المصرية فقدت عمودها الذي يحملها بكفاءة على مدار أكثر من 40 عامًا، وأن الدراما المصرية كانت تعيش على حد الخطر وفقدان الريادة، لكن أملها كان دائمًا في وجود كتَّاب متميزين أمثال عكاشة، لكن برحيله وقعت الخيمة على رؤوس الجميع..
فلم يستطع الفنان يحيى الفخراني الحديث عن عكاشة إلا بأقل الكلمات؛ حيث قال إن الدراما التلفزيونية بدأت على يد عكاشة، فنصوصه الدرامية قدمت النجومية على طبق من ذهب لكثير من الفنانين المصريين، ولا يمكن تكرار قيمته على مستوى الفن أو على المستوى الإنساني، كما أكد أننا لا بد أن ننتبه كقوم يعيشون على الدراما بأننا فقدنا من كان يرى، وعلينا أن نفتح أعيننا أكثر لأن موقع الدراما المصرية من حيث الكتابة أصبح في خطر شديد..
نجيب محفوظ التلفزيون
وقال الكاتب محمد صفاء عامر إن الدراما التلفزيونية ماتت بموت عكاشة، وآن لنا أن نتلقى فيها العزاء، بينما أكد الروائي يوسف القعيد أننا فقدنا مؤسس الكتابة التلفزيونية، وواحدًا من أهم المثقفين المصريين، مُشبهًا عكاشة بنجيب محفوظ الدراما.. مشيرًا إلى أننا في لحظة فارقة لا بد أن يدركها جيدًا صناع الدراما المصرية..
بينما اعتبر المخرج محمد فاضل أن رحيل عكاشة يعد انتكاسة للأمل الوحيد الذي كان للدراما المصرية، فقد كنا نعلق على وجوده الكثير من الآمال والمشاريع لإنقاذ الدراما المصرية من كبوتها، وإعادتها إلى ما كانت عليه من تألق..
وعن نصفه الآخر أسامة أنور عكاشة تحدث المخرج إسماعيل عبدالحافظ، قائلا: «إن الراحل كان المنصف الوحيد للدراما التلفزيونية أمام غول السينما، فهو الذي أعطى صقلاً لها أمام الجمهور العربي، ووضع العمل التلفزيوني في مكانة لا تقل عن السينما»..
كما أعربت فنانات مصريات مثل صفية العمري وإلهام شاهين وعفاف شعيب أن عكاشة كان أبًا حقيقيًا للدراما العربية، وباني مجدها الكبير، كما اعتبرنه صانعًا لنجوميتهن على الشاشة الصغيرة..
تكريم
بينما قال مسعد فودة نقيب السينمائيين: «فقدنا قيمة فنية كبيرة وصاحب خلق رفيع ومبدعا من زمن الفن الجميل حتى في معارضته كان يعارض بأدب كبير، وكان الفقيد قبل وعكته الصحية الأخيرة يكتب مسلسلاً جديدًا بعنوان «تنابلة السلطان».
ويعد الجزء الثالث من «المصراوية»، وخاض عدة جولات من الصراع مع المرض، لاسيما الفشل الكلوي والسكر والقلب، وكان يخرج من أزماته الصحية بعمل جديد يسعد به الجمهور».. مؤكدًا أنه سيتم تكريم اسمه من خلال النقابات الفنية الثلاث السينمائية والموسيقية ونقابة المهن التمثيلية.
مبدعٌ من طرازٍ خاصٍ
الفنانة إلهام شاهين بطلة العديد من أعمال الراحل أكدت بدورها أنها فقدت برحيل أسامة أنور عكاشة أباها الثاني، مؤكدة أنها فقدت اتزانها وصفاءها النفسي منذ علمت بنبأ رحيل عمدة الدراما المصرية.. مشيرة إلى أنه كان أبرع الكُتَّاب المصريين في توصيف المشهد الإنساني للمجتمع المصري.
دراما فلسفية
غنيٌّ عن الحديث ما قدمه عكاشة للدراما العربية من إنجازات تعد رائدة على مستوى العالم العربي، فنتذكر مسلسلات «عصفور النار، الشهد والدموع، ضمير أبلة حكمت، أرابيسك، زيزينيا، المصراوية، رحلة السيد أبو العلا البشري»، ولا ننسى ملحمته الخالدة، «ليالي الحلمية»، التي قدمها في خمسة أجزاء رصد فيها تاريخ مصر النضالي من خلال دراما فلسفية تناقش تحولات الشخصية المصرية عبر قرون..
أسامة أنور عكاشة حجر الزاوية للدراما العربية، وها هو قد غاب، ووجب على كتَّاب الدراما المصرية أن ينتبهوا إلى واقع جديد يحتاج إلى قراءة واعية لا إلى أعمال درامية للتسلية.
إضاءة
ولد أسامة أنور عكاشة في مدينة كفر الشيخ العام 1941، وحصل على ليسانس الآداب من كلية الدراسات الاجتماعية والنفسية جامعة عين شمس العام 1962، ما ساعده على فهم الظواهر الاجتماعية وعلاقة الفرد بمجتمعه.
كما غاص في أعماق النفس البشرية وناقش دواخلها وصراعاتها في أعماله المتنوعة والتي تجاوزت الأربعين مسلسلاً وأكثر من 15 سهرة تلفزيونية، بالإضافة إلى أعماله الإذاعية والمسرحية والسينمائية.

