حين نقرأ أخبار العالم من حولنا أحياناً نشعر وكأننا نعيش في الماضي السحيق، ففي الوقت الذي وصل به التعليم إلى مستويات متقدمة تطالعنا أخبار عن أطفال في الصومال يقطعون عشرات الكيلومترات على ظهور الإبل ليحصلوا على تعليمهم البسيط في الهواء الطلق لا يحميهم من حرارة الشمس الإفريقية سوى ظل شجرة.

فقد جلس المدرس عبدالله بارو متربعاً تحت ظل شجرة الطلح التي تتميز بطول الأشواق، وعلى جذعها تسند لوحة السبورة التي يشرح عليها عبدالله ومعه عصا طويلة ويشير بطرفها إلى الأحرف حرفاً حرفاً، بينما يردد التلاميذ الجالسون أمامه على الحصيرة معا في صوت واحد ما يقوله أستاذهم، ويجلس البنون بشكل منفصل عن البنات الصغيرات المحجبات.وهذا خبر لا يختص بمطلع القرن الماضي حين كان التعليم في بلدان عربية كثيرة يبدأ من بسطات الكتاتيب، وفكرة المعلم الواحد لجميع الدروس، وإنما يختص بمدرسة تقع في بلدة ديرتو بشمال كينيا التي تبعد 140 كم غرباً عن الحدود مع الصومال من مجتمعات قبلية مسلمة تسعى لتعليم أطفالها مهما كانت قسوة الظروف.وتبدو على الفتيات والفتية بوضوح علامات التحمس للتعليم، ويعتبر أغلبهم الجيل الأول من عائلته الذي يتعلم القراءة والكتابة. ويبدي هؤلاء كراساتهم وكتبهم بفخر، حيث يتم تعليم الأطفال بإشراف أحمد حسن أحد كبار القبيلة الذي يجلس متكئاً على عصاه، وهو يؤكد على أهمية هذه العملية قائلاً لا نريد أن يظل أطفالنا أميين مثلنا، نحن أصبحنا خلف القبائل الأخرى بمئات من السنين لأنه ليس لدينا مدارس أو تعليم.

وهذه المدرسة هي أول فصل متحرك ضمن مشروع الأمم المتحدة للقرى الألفية وهي أول مدرسة للبدو الرحل في كينيا. ومنذ بداية الحملة قبل نحو عامين بدأت سلطات التعليم الكينية بتطبيق نفس نظام المدارس المتنقلة في مناطق البدو الأخرى.

وتواصل المدرسة ترحالها كل ستة أسابيع تقريباً مع بقية معسكر البدو، فعندما تأتي الماشية على المراعي الفقيرة تنتقل المدرسة إلى مكان آخر ومعها الجمل الذي وفرته إدارة المدرسة في مدينة «جاريسا»، بشمال شرق كينيا، للمدرس، وينتقل المدرس ومعه السبورة وصندوق الكتب وخيمته الكبيرة ومتاعه محمل على ظهر الجمل ويسير مع البدو إلى مكان آخر.

وليست هذه الحياة غير معتادة تماماً بالنسبة لبارو الذي يقول: «أنا نفسي جئت من أسرة بدوية وعندما كنت طفلاً كنت أرعى الغنم»، إلا أنه مكان هناك شيء مختلف عن أغلب الأسر البدوية حيث أرسلته أسرته إلى أقاربها في المدينة حتى يستطيع الذهاب إلى المدرسة، وهو يبدو الآن كما لو كان يلعب دور الوسيط بين العالم القبلي والحياة الحديثة.

وتزوج بارو ولديه ثلاثة أطفال، وتعيش أسرة بارو في مدينة جاريسا التي تبعد نحو 120 كيلو متراً عن ديرتو، لهذا يستطيع المدرس فقط مرة واحدة في الشهر الذهاب إلى المدينة ورؤية زوجته وأطفاله في عطلة طويلة كل شهر.

وليس كل الآباء يستطيعون أو يريدون تعليم أبنائهم بعيداً عنهم. فبعضهم يحتاج إلى أبنائه الذين يكونون بمثابة الأيدي العاملة لهم وبعضهم يودعون بناتهم بصفة خاصة لدى أقاربهم، فهم يخافون على البنت من الخروج إلى التعليم أو الذهاب إلى المدرسة، ففي هذا المجتمع المسلم يعتقد الناس أن البنت عرضة دائماً لمحاولات اغتصاب خاصة وأن المدرسة بالنسبة لهم مجهولة الأبعاد.

وأما تلك الظروف الصعبة التي يعيشها تلاميذ المدارس ومعلمها نجد أن التعليم في أماكن أخرى من العالم ومنها دبي قد وصل إلى مستوى مدهش في التقدم إذ تستطيع الأمهات متابعة أولادهن في المدارس عن طريق الانترنت بينما يستطيع أطفال لم يتجاوز السادسة أو السابعة من أعمارهم استخدام الكمبيوتر بمهارة لأداء واجباتهم المدرسية، وتقدم لهم المدارس فصولاً دراسية مجهزة بأحدث التقنيات إضافة إلى الملاعب والمسابح التي تخضع للإشراف المدرسي.

فصول الدراسة معروفة وأوقاتها في مدارسنا بينما نجدها تختلف في هذا الجزء من إفريقيا حيث يهتم الأهل بأن ينهي أولادهم وبناتهم واجبات الرعي قبل أن يذهبوا إلى المدارس ويستكملوا مطالب تعليمهم، لأن الماشية ورعايتها هي مصدر الرزق بينما المدرسة حالة جديدة لا تتجاوز كونها حلماً بالتطور ومواكبة الحياة الحديثة، فحتى أعداد الطلبة تتأثر بمواسم الأمطار، فعندما بدأ عبدالله بارو عمله كان لديه أكثر من 120 طالباً.

إلا أن قحط العام الماضي أرغم البدو أن ينقسموا إلى مجموعات جزئية كثيرة، وبقي بارو مع المجموعة بأغلب الأطفال.

ويقول: «آمل ان يلحق بنا الأطفال الآخرون عندما تخضر المراعي وينبت العشب مرة أخرى، فكلما كانت الظروف أصعب كلما ازداد عدد الطلاب الذين يضطرون لترك المدرسة.

ومع كل تلك المصاعب لا ينتهي يوم العمل بالنسبة لبارو عندما ينتهي من التدريس لأطفال دورة ما بعد الظهر ورجوعهم إلى أسرهم، ويقول مبتسماً: «يأتي الطلاب البالغون الذين يريدون تعلم القراءة، وتدرس الحصة على ضوء لمبة الجاز المثبتة في خيمة بارو». ويضيف قائلاً: «أغلب الطلاب البالغين سيدات يردن مساعدة أطفالهن وهن حريصات على التعليم حتى لا يتم خداعهن في سوق المدينة». ولهذا فمادة الحساب هي المطلوبة بصفة خاصة.

حبيبة ـ 17 عاماً ـ أقنعت زوجها بأن يسمح لها بالذهاب إلى المدرسة، ويتعلم أربعة من إخوانها وأخواتها الصغار في فصل بارو المرتحل، فتقول: «إنها المرة الأولى في حياتي التي سنحت لي الفرصة في التعليم، ولا أريد أن اضيعها، فإذا كان بإمكاني القراءة والحساب فأنا أستطيع ان أفعل الكثير في حياتي».

وتحلم الشابة بأن تفتح كشكاً صغيراً بجانب بئر المياه الكبير يستطيع تجار الماشية والبدو أن يمروا عليه يومياً وتبيع لهم الشاي والعصير. وتؤكد السيدة بفخر: «قديما كان هذا حلماً فقط. وعندما أتعلم ما يجب ان أعرفه عندما أصبح سيدة أعمال استطيع ان انفذه»، وتضيف: «ربما حتى أستطيع ان افتح مطعماً صغيراً».

ويشجع بارو دائماً أثناء عمله الطلاب الذين يكون لديهم طموحات وآمال. ويقولك «هذا العمل يجعلني سعيداً وفخوراً، فما يحدث هنا يستطيع ان يقدم لشعبنا مستقبلاً أفضل».

ويعلم بارو ان إمكانيات التعليم في المدارس البدوية محدودة، فأساسيات التعليم كالقرادة والكتابة وعلم الحساب فقط هي بداية ولا تعوض التعليم في مدرسة مكملة، إلا أنها تعتبر بداية على الأقل.

ويقول بصوت خافت: «إنهم أطفال أبرياء وهم سجناء لأسلوب حياة البدو، أريد على الأقل ان أعطيهم الفرصة». والطفل حسن ذو السنوات العشر لا يريد ان يظل يرعى الجمال والماعز طوال حياته ويقول الطفل المتيقظ: «أريد ان أصبح مدرساً».

وكذلك أحمد حسن من كبار رجال القبيلة مقتنع بفوائد التعليم ويريد ان يكمل حفيده تعليمه في يوم من الأيام في باهوري أو في مدرسة أخرى بالمنطقة ويقول بلهجة هادئة: «ربما أعيش اليوم الذي تعود فيه إلينا فتاة من قبيلتنا بعد ان تصبح ممرضة، وإن شاء الله ربما يصبح واحداً من هؤلاء الأطفال طبيباً أو حفار آبار في يوم من الأيام».