في متحف مصر الحديثة تلتقي ب55 شخصية بين سياسية ودينية وفنية، مقتنيات عصور غابرة شهدت نضال المصريين، أيامهم، آلامهم، وأحلامهم، وحوادثهم الكبرى؛ فالمتحف الكائن على نيل الجيزة بمصر يضم 38 تمثالاً، و250 صورة ولوحة فنية تبرز أهم الأحداث في تاريخ مصر على مدى 157 عامًا منذ تولي محمد علي حكم مصر في العام 1805.
في مدخل المتحف تطل علينا صور عديدة لنقيب الأشراف، السيد عمر مكرم، الذي ولد في أغسطس 1750 لعائلة نبيلة تنحدر من نسل سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، تلقى تعليمه بالأزهر الشريف، وتم تعيينه رئيسًا لمجلس التعليم، وفي العام 1795 شهد عدم ارتياح في الوضع الاجتماعي.حيث كان يحكم المصريين اثنان من المماليك «مراد بك» و«إبراهيم بك»؛ فقام عمر مكرم بعمل عقد مُوقع من كليهما وعدا فيه بإقامة العدالة الاجتماعية، ولكن المملوكين لم يحترما هذا العقد، ولم يقيما له اعتبارًا، وعادت الفوضى من جديد.:الحملة الفرنسية:تسجل وثائق «متحف مصر الحديث» أنه قد دارت معارك على أثر وصول نابليون إلى القاهرة في يوليو 1798 بينه وعمر مكرم، وبعد تراجع الجيوش الفرنسية سادت حالة من الفوضى كان فيها المماليك يتحكمون في شؤون العباد بقبضة حديدية، بينما على الجانب الآخر يتصارع الأتراك فيما بينهم، ولم يكن هناك قائد يستطيع السيطرة، فقام عمر مكرم بتحرير عقد مع مجلس الأشراف.وتم اختيار محمد علي؛ ليكون قائدهم، وذلك في 13 مايو 1805، وانفرد محمد علي بالسلطة الكاملة، وبدأ في زيادة الضرائب التي عارضها مجلس الأشراف، فقام محمد علي بنفي عمر مكرم إلى دمياط، ثم نفاه مرة أخرى إلى طنطا؛ حيث توفى هناك.
ومن عمر مكرم إلى رفاعة الطهطاوي الذي ولد العام 1801 لأسرة متدينة، فقد اختاره محمد علي؛ ليكون الوصي على الطلبة الذين أرسلهم إلى فرنسا للدراسة العام 1826، وتتوارى شخصيات وتبرز أخرى ليأتي سليمان باشا الفرنساوي، ذلك الضابط الفرنسي الذي اعتنق الإسلام وتزوج من عائلة محمد علي.
أبناء محمد علي
ونرى صورة ل«إبراهيم باشا» القائد والحاكم، الابن الأكبر لمحمد علي، تروي عنه وثائق تاريخية على جدران المتحف أن والده محمد علي أرسله في حملة إلى الحجاز العام 1813، وتولى قيادة بعثة إلى السودان العام 1821، وقاد القوات المسلحة المصرية ضد اليونان العام 1824، وتولى قيادة الحملة السورية، واستولى على عكا ودمشق وحمص وحلب إلى أن توفى العام 1848 مريضًا بالسل.
وثائق أخرى تطل برأسها على جدران المتحف خاصة ب«عباس حلمي الثاني»، أول من تولى الحكم بعد محمد علي، وقد اتصف عهده بالجمود والركود كما كان متسلطًا مذعورًا مكروهًا حتى من قبل عائلته، إلى أن قُتل في قصره بمدينة بنها بدلتا مصر، حيث خنقه اثنان من خدمه في 14 يوليو 1854.
وتستمر وثائق المتحف في الحكي، وتخبرنا أن محمد سعيد باشا، ابن محمد علي، والحاكم الثالث في أسرة محمد علي، قد أمر ببناء سكك حديد مصر من القاهرة إلى الإسكندرية، وكان أول من أصدر القوانين لتملك الفلاحين الأراضي لزراعتها، وأول من أسس نظامًا للمعاشات للموظفين الحكوميين، ومنح المهندس الفرنسي «ديليسبس» حق حفر وبناء قناة السويس العام 1854 إلى أن توفي العام 1863 وعمره 41 عامًا، ودفن بمدينة الإسكندرية.
ولأن التاريخ لا يتوقف فإن مرحلة الخديوي إسماعيل، هذا الحاكم الأوروبي في أسرة محمد علي، يتولى حكم مصر، وتقول الوثائق إنه أراد أن يحول القاهرة إلى صورة طبق الأصل من العاصمة الفرنسية باريس، فحول مجرى النيل الذي كان يتفرع في العاصمة إلى 7 أفرع، وجعل النهر الخالد يمر من قلب العاصمة مثل نهر «السين» في باريس، وذلك بسد بعض الفروع، ويخلف إسماعيل ابنه الخديوي توفيق الذي عرف عنه انحيازه للبريطانيين، علاوة على ضعف شخصيته، وقلة ثقته في نفسه، كما وصف بالخيانة أيضًا.
ومازلنا نسير بين طرقات المتحف لنتابع الأحداث الكبرى، فنلتقي بالزعيم أحمد عرابي، صاحب أشهر مظاهرة في مصر 9 سبتمبر 1881 بمواجهة توفيق باشا بمطالب المصريين.
المُصلح والمشاغب
الشخصيات الفكرية الدينية لها نصيب وافر في أركان «متحف مصر الحديثة»؛ فيأتي على رأس هذه الشخصيات الإمام محمد عبده، الذي وصفوه ب«المُصلح الديني»، وهناك صورة ل«جمال الدين الأفغاني» الملقب ب«المشاغب» و«الفيلسوف المعلم».
ولم تغفل وثائق «متحف مصر الحديثة» عن كشف ملامح وصور الخديوي عباس حلمي الثاني الذي حارب اللورد كرومر، المندوب البريطاني، ففي عهده صدر العفو عن أحمد عرابي، وعودته من المنفى، وأنشأ المتحف المصري وسد أسوان والبنك الأهلي المصري..
دنشواي
وعلى يمين الصور الخديوية مشاهد لحادث دنشواي وثورة مصطفى كامل، الذي نجح في بث روح الوطنية في نفوس الأمة المصرية حتى وفاته في العام 1908، وعلى بعد خطوات نقترب من عصر السلطان حسين كامل، الذي كان عهده من أسوأ العهود في تاريخ مصر؛ لتعاونه مع الإنجليز ورفض ابنه كمال الدين حسين العرش، فتقرر أن ينتقل إلى أخيه السلطان أحمد فؤاد الذي يظهر في صور عديدة بزيه العسكري والمدني.
شخصيات مصرية تتزين بها جدران متحف مصر الحديث، صور لرجال دولة كبار مثل الزعيم سعد زغلول، محمد محمود باشا، الاقتصادي الوطني طلعت حرب، هدى شعراوي، وأستاذ الجيل أحمد لطفي السيد وغيرهم.
4 فبراير
وهذه وثيقة تاريخية لحادثة 4 فبراير 1942 حين قام ثعلب الصحراء «روميل» بالاستيلاء على بني غازي بالقرب من حدود مصر الغربية، يصفها المؤرخون بأنها لحظة من أكثر اللحظات إذلالاً لمصر حين اقتحم الجيش الإنجليزي قصر عابدين، واقتحم مكتب الملك فاروق لإجباره على التنازل عن العرش، ولولا تدخل أحمد حسين، رئيس البلاط الملكي، لما أنقذ فاروق من الهلاك مؤقتًا..
ثم نطالع مشاهد من معركة الشرطة بمدينة الإسماعيلية في 25 يناير 1952، ويعقبها حريق القاهرة في 26 يناير 1952، والذي هز أرجاء القاهرة مخترقًا شوارعها المختلفة مثل شارع عدلي وفؤاد الأول وشبرا والفجالة والظاهر وسط القاهرة، وامتد ليصيب منازل وعمارات سكنية ومعارض سيارات وشركات ومقاهٍ، فقد احترق خلاله 36 شخصًا، وأصيب 52 - حسبما أشارت في ذلك الوقت تقارير رسمية.
حفر القناة
ولم يغفل المتحف عرض مشاهد لعمال حفر قناة السويس، فنرى مجسمًا بطول 3 أمتار، وعرض متر ونصف المتر يجسد وقائع عملية الحفر التي استمرت طوال 10 أعوام منذ العام 1859 إلى 1869.
ويقف حول عمال الحفر بالسخرة كما يبدو من الصور الحرس في أيديهم سياط لمن يحاول من العمال أن يأخذ شهيقًا أو يخرج زفيرًا، أو يهرب من العمل المميت، ليسطروا بدمائهم معلمًا من معالم مصر الحديثة، والذي كان له فيما بعد أحداث كبرى في الحروب التي تعرضت لها مصر عبر تاريخها.

