لم يدَّعِ أحد أنه منشئ الفن الشعبي، فالثابت أنه قد أبدعته قريحة العقل الجمعي بتفاعله مع البيئة، فمثَّل حكمة الشعوب ونسيجها الحضاري، فهو فنٌّ جماليٌّ لا يعرف فردية، بل يستعر وقوده من فريق عمل مختلف الأطياف يتوحَّد تحت لواء التراث، رافعًا شعار «لا لذوبان الهُويَّة»..

فن فطري تجلَّى في هدْهدة الأم لوليدها، أناشيد الحماسة في الحروب، مسامرات الرفاق في الليل، حواديت الأجداد إلى الأحفاد، أساطير الأمم، لكن سفينته باتت تُصارع آلام مواجهة الطوفان العظيم، فلا عون من أحد، ولا دعم لشراعها، منذ أن صارت أمورها تسير في وزارة الثقافة المصرية وفْق نظامٍ وظيفيٍّ بيروقراطي، فتحوَّل التراث إلى المخازن، وعَلَتْ أسهم فنونٍ لا تخصّ مجتمعاتنا في شيء مثل فن الباليه..(الحواس الخمس) ألقت الضوء على الفن الشعبي في مصر في محاولة لرصد المشاكل التي تعترضه عبر السطور التالية.البداية كانت برائد الرقص الشعبي محمود رضا فقال: « الفن الشعبي محفور في ذاكرة الشعوب والمجتمعات ذات الحضارة الممتدة إلى عمق التاريخ بما تحمله من دلالات على مظاهر الحياة السائدة في الحقب التاريخية المتعاقبة من خلال النبرات الصوتية العذبة، والإيقاعات التي تتخللها الرقصات»..

أضاف رضا أن انضمام فرق الفن الشعبي تحت لواء وزارة الثقافة في مصر أضر بمصالحها؛ لكون وزير الثقافة في مصر فنانًا تشكيليًا لن يهتم إلا بالفن التشكيلي، وهذا أمر منطقي، ما يؤثر سلبًا في مجالات الوزارة الأخرى، خاصة الفن الشعبي الذي عانى من الميزانيات الهزيلة التي خصَّصها المسؤولون عن قطاع الفنون الشعبية لاحتياجاته الضرورية.أوضح رضا أن مأساة أخرى تحط ركابها على كاهل الفنون الشعبية، وهي تكريس الوزارة الاهتمام بفنون غربية مثل الأوبرا والباليه، ولا تُعير اهتمامًا بالفنون الشعبية التي تعبر عن روح الانتماء والشخصية المصرية، وبات التجاهل متعمَّدًا من قبل نظام وُضع من أجل إذلال الراقصين..أضاف: «إن «فرقة رضا للفنون الشعبية» التي أنشأتها في العام 1959 تم انضمامها إلى الوزارة، وتمت عملية تكهين وتخزين لي بتحويلي إلى موظف منذ 20 عامًا؛ لذا لم أستطع أن أجعل الفرقة قطاعًا خاصًا بعد أن أصبحت تخضع إلى رقابة حكومية، فصارت علاقتي بها لا تتجاوز ملف الذكريات».جدير بالذكر أنه بعد خروج محمود رضا لم تقدم فرقته أي جديد منذ أكثر من 20 عامًا، وهذا ما يؤكده د. نبيل بهجت مدرب فرقة «ومضة» للفنون الشعبية، الذي أكد أن فرقة رضا لم تعد لها أي بصمة كما كانت عندما كان يُديرها محمود رضا؛ لهذا تركتها الوزارة ولم تعد تمنحها أي دعم، خاصة أن الفرق الجديدة بدأت تفرض نفسها بفن جديد وبشكل يومي..

يضيف بهجت أن الفن الشعبي أصبح يتنامى بشكل أفقي وليس رأسيًا، بعد انتشار العديد من الفرق الشعبية؛ حيث أصبحت كل محافظة تزخر بعدد لا بأس به من فرق الفنون الشعبية التي تحظى بآليات تضمن بقاءها.

وأوضح بهجت أن وزارة الثقافة تسعى لزيادة مخصصات الفِرق التي تطور نفسها ولا تبخل عليها مثلما يحدث مع «فرقة النيل للآلات الشعبية»، والتي تقدّم عروضها مجانًا أسبوعيًا للجمهور، وهذا يعني أن الوزارة تدعم هذه الفرق، لكن لا يُعقل أن تقوم الوزارة بدعم فرق فاشلة.

بيروقراطية

أما شريف عبداللطيف، رئيس الإدارة المركزية لقطاع الفنون الشعبية والاستعراضية، فقد أكد أن هناك عددًا كبيرًا من الفرق التي تدعمها الوزارة، منها «فرقة التنّورة للفنون الشعبية»، والتي تقدم عروضها مرتين أسبوعيًا في «بيت السحيمي» بالقاهرة القديمة، بالإضافة إلى فرقة «ومضة»، وفرق المحافظات مثل الإسماعيلية، مطروح، الشرقية، والعريش، فلو كانت الوزارة غير مهتمة بهذا الفن - بحسب عبداللطيف - لما ظهرت هذه الفرق من الأساس؛ لأن الجمهور قد اختلفت ثقافاته.

وأصبح يبحث عن الفن الشعبي مُمثلاً في شعبان عبدالرحيم، وسعد الصغير، على الرغم من كونهما لا يقدمان أي فن له صلة بالفن الشعبي الحقيقي، إلا أنه اعترف بصفته مسؤولاً عن قطاع الفنون الشعبية بوجود عدة معوقات بيروقراطية لدى بعض الموظفين في التعامل مع الفنون بطريقة رجعية.

كذلك ضعف التخطيط والنظرة الوضيعة لهذا الفن الراقي، وانتشار التزمُّت والردَّة في المجتمع، والعودة من جديد إلى بعض الأفكار البالية التي تم وأدها منذ أعوام طويلة، وصارت النظرة المجتمعية للفنون عامة مبنية على فكرة الحلال والحرام.

أزمة أماكن العرض

يرى عامر التوني، مدير فرقة «المولوية»، أن وزارة الثقافة لا تتأخر في دعم الفرق الجديدة التي تثبت كفاءتها، والدليل على ذلك فرقة «المولوية» التي لم تحقق انتشارًا كبيرًا إلا بعد دعم الوزارة لها رغم أنها فرقة حرة.. أضاف أن فرق الفنون الشعبية لن تنال النجاح إذا لم ترعها الدولة.. مشيرًا إلى أن فرقة «المولوية» هي الفرقة الوحيدة الحرة بمصر.

غناء مدرسي

وطالب شريف عبد اللطيف، رئيس الإدارة المركزية لقطاع الفنون بإعادة المسرح والموسيقى والغناء في المدارس.. مشيرًا إلى أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه وزارة الإعلام تجاه هذا المنتج الثقافي، وذلك من خلال قيامها بعرض الرقصات من حين إلى آخر حتى لا يشعر المشاهد أن هذا الفن قد اندثر.

مهرجانات

شريف محيي الدين، مدير مركز الفنون بمكتبة الإسكندرية يؤكد ان أن مصر من أهم الدول في العالم التي تحظى برعاية مهرجان للفنون الشعبية، وهو مهرجان الإسماعيلية للفنون الشعبية الذي بدأ العام 1985، ويتبع في فعالياته وبرامجه منظمة «سيوف» التابعة لهيئة اليونسكو، ويشارك فيه كل عام أكثر من 1500 عضو.

نقص دعاية

علي الجندي، مدير فرقة الإسكندرية للفنون الشعبية، رهن نجاح الفن الشعبي برعاية الدولة له، وأكد أن هذا الفن لن يرى النور إذا رفعت الدولة يدها عنه، فجميع الفرق التي نجحت مثل «فرقة الإنشاد الديني»، «الفرقة القومية للفنون الشعبية» .

تلقى الدعم الجيد من قبل الوزارة وهذا ما يضمن استمرارها، لكنه أشار إلى نقص الإنفاق، وقصور في الدعاية التي لم تعد يُنفق عليها إلا مبالغ ضئيلة مقارنة بميزانية الفرق، فبالظهور الإعلامي - حسب قوله - يمكننا تغيير أوضاع الفن الشعبي في مصر، مطالبًا بضرورة وضع الفقرات الشعبية ضمن فقرات الحفلات الغنائية حتى يتعرف إليها الجمهور.

تمويل خارجي

إيهاب حسن، المدير الحالي لفرقة رضا للفنون الشعبية، يختلف مع الآراء التي ترى أن الفن الشعبي في أزمة، ويؤكد أنه لا يعاني من أي مشكلة سوى نقص طفيف في الدعاية والتمويل حتى تستطيع الفرق الوفاء بكل التزاماتها من ملابس، وتدريبات على الرقصات، وتطوير الموسيقى.