أسياد وعبيد؛ هذا هو حال الدنيا منذ أول قيد وضع في يد طفل صغير يحكمه اللون الذي لا ذنب له باختياره، ويبدو أن هذا الحال سرمدي لا يزول مع اختلاف المسميات والأمكنة.
ففي مزارع القطن قرب نهر المسيسبي بولاية نيوأوريليانز الأميركية وقبل قرون عدة مضت، قرر الأسياد ذوي البشرة البيضاء من إنجليز وفرنسيين وأسبان الذين أبادوا سكان الأرض الأصليين، أن يعتقوا عبيدهم الذين جلبوهم من أفريقيا بقرار فرضته الظروف على من يسمى «محرر العبيد» إبراهام لينكولن في العام 1863م بعد 3 قرون من الاضطهاد والعبودية.وجد العبيد الذين نالوا حريتهم بشق الأنفس، وللمرة الأولى، أحراراً في مدينة شاسعة الأطراف هي نيوأورليانز، ووجدوا أنفسهم بين مئات من علب الليل وصالات الملاهي التي أسسها أسيادهم السابقون للترفيه عن أنفسهم، فاستمعوا في تلك العلب الليلية إلى أنواع مختلفة من الألحان الأوروبية التي مزجوها بإيقاعاتهم الزنجية التي جلبوها عبر تغريبة العذاب من أفريقيا ليظهر الشكل الأول للجاز باسم «الراغتايم» الذي يجمع بين أغاني العمل والأناشيد الدينية وألحان الفالس والبولكا الأوروبية.
وكان قوام اللحن الرئيسي للراغتايم ينطلق بما يعرف في المقامات الشرقية «القرار» ليتصاعد بصورة متموجة إلى قمة «الجواب» ولم يكن لهذا النوع الموسيقي لحن رئيسي من ناحية فعلية، فصدحت أصواتهم بتلك الألحان كصرخة عذاب تتوق للحرية وأرضهم الأصلية التي اقتلعوا منها.
كان العام 1890م هو العام الذي شهد إطلاق اسم «الجاز» للمرة الأولى على النوع الموسيقي الجديد الذي سيشكل لاحقاً أبرز نوع موسيقي ظهر في القرن العشرين، واشتقت منه عشرات من الأنواع الأخرى كالبلوز والروك آند رول وغيرها من الأنواع التي استمرت إلى يومنا هذا.
وليس هناك إجماع على أصل تسمية «الجاز» فمنهم من نسبه لمصطلح التسارع في الكلام والثرثرة فيه ومنهم من نسبه لمصطلح يتصل باللهجة المحلية لما يعرف بالمولّدين الذين ظهروا للوجود بعلاقة الزنوج والأميركيين البيض.
إلا أن المشهور هو أن هذا المصطلح أطلق على الموسيقى الخاصة بزنوج أميركا والتي انتشرت في ملاهي ومراقص نيوأورليانز، التي ستنكب لاحقاً في القرن الحادي والعشرين بإعصار مدمر، ومن هناك انتشرت ما تعرف بالثقافة الجازية في جميع أنحاء أميركا ومنها إلى العالم.
في مطلع القرن العشرين وتحديداً في العام 1915م؛ ظهرت أولى فرق الجاز فأطلق عليها «جاز باند» وتكونت هذه الفرقة التي أسسها فليتشر هندرسون من موسيقيين زنوج يعزفون على آلات النفخ النحاسية والطبول لينضم إليها الجيتار لاحقاً.
واشتهر في هذه الفرقة أشهر عازف ترومبيت «بوق» ظهر في تاريخ الجاز وهو الأسطورة لويس أرمسترونغ، لتظهر بعد ذلك فرقة ديوك إلينغتون التي ضمت 20 عازفاً.
ويعود الفضل للموسيقي الأميركي بول وايتمان بإضافة آلة الكمان إلى فرقة الجاز ليظهر بعد هذه الإضافة ما يعرف بالجاز «السيمفوني»، حيث استخدمت للمرة الأولى في هذه الفرق التوزيعات الأوركسترالية بعد أن كانت موسيقى الجاز تعتمد في الأغلب على الارتجال، لتبرز بعد ذلك فرقة «جاز الفيلهارمونيك» عام 1944م على مسرح لوس أنجلوس الفيلهارموني.
المدينة الأخرى التي اشتهرت بأنواع متنوعة من الجاز هي مدينة ديكسي لاند التي برز فيها أسلوب البلوز على يد المغنية بيسي سميث التي لقبت بإمبراطورة البلوز، ولقد كانت آلة الترومبيت البوق هي المسيطرة على موسيقى هذه المدينة وكان كينغ أوليفر وآرمسترونغ هم أوائل وأبرز موسيقيها.
ويأتي عام 1920م لتنتشر موسيقى الجاز في أوروبا عبر باريس ولندن وظهر في ذات السنة ما يعرف بالفرق الجوالة «المغنون المتزنجون» وهم منشدون من أميركا الجنوبية كانوا يطلون وجوههم باللون الأسود ويغنون على الطريقة الزنجية؛ إلا أنهم لم يستمروا طويلاً.
وفي الوقت ذاته ظهر ما يعرف بأسلوب «الستريت- المستقيم» الذي ألزم العازفين والمغنين بالتدوين الموسيقي ليلغي خاصية الارتجال التي تعتبر من مزايا الجاز في بداياته، ليظهر كنقيض له في مرحلة الثلاثينيات أسلوب «الهوت ميوزيك» الذي يدفع عازف آلة النفخ «الترومبيت» و«الساكسفون» لاحقاً إلى استنباط أقصى طاقة في هذه الآلة الموسيقية.
من بين الأنواع الموسيقية الأخرى التي اشتقت من الجاز هو ما يعرف بأسلوب «البوغي ووغي» وظهر في مدينة المافيا شيكاغو، وفي عام 1935م انطلقت على أنغام آلة الكلارنيت أول ألحان رقصة «السوينغ» التي ابتكرها بني غودمان الذي لقب بملك السوينغ وهي من الرقصات الأساسية في موسيقى الجاز.
وقبيل الحرب العالمية الثانية بقليل ظهر الروك آند رول كوريث لأسلوب البوغي ووغي، ولعل أشهر مؤدي هذا الأسلوب إلى يومنا هذا هو الملك إلفيس بريسلي الذي لم يظهر مغني أو موسيقي ببراعته في هذا النوع، وتوالت ولادة أنواع الجاز الذي يعتمد الارتجال مثل بي بوب الذي ظهر وانطفأ فجأة.
صوت أميركا
يعتبر المذيع ضياء بخيت هو أبرز من أدخل موسيقى الجاز إلى العالم العربي، فعبر برنامجه الذي يقدمه في إذاعة صوت أميركا، التي ألغت قسمها العربي، وعبر 1500 حلقة استطاع بخيت أن يستضيف ويقدم موسيقى وحياة أكثر آلاف من نجوم الجاز بأسلوب شيق للمستمع العربي.
ملك السوينغ
يعتبر بني غودمان الذي أسس أسلوب موسيقى ورقصة السوينغ أبرز عازف أبيض في عالم الجاز، ويعتبر أول قائد فرقة أبيض يوظف عازفين ملونين في فرقته أيام التمييز العنصري.
ساكسفون
يقول الموسيقي الأميركي ريكي فورد: ما معنى الحياة من دون موسيقى، وما معنى الموسيقى من دون جاز، وما معنى الجاز من دون ساكسفون، ويعتبر الساكسفون الذي اخترعه البلجيكي آدولف ساكس 1940م هو الآلة الرئيسية في موسيقى الجاز الحديث.
جاز حر
الجاز الحر الذي ظهر عام 1964م أبان ما يعرف بالحركة المضادة بعد قمع حركة السود في لوس أنجلوس وغيرها من مدن أميركا وانتشر بشدة بعد مصرع مارتن لوثر كنغ وغيره من القيادات السوداء.
الأميركيون الأبرع
على الرغم من تعدد وتطور أنواع الجاز، إلا أن الأبرع فيه إلى اليوم، عدا بعض الاستثناءات، هم الأميركيون من ذوي الأصول الأفريقية، وظهرت أنواع متعددة من الجاز بحسب الجغرافيا فكان الجاز الياباني والصيني والروسي والعربي والأوروبي.
أبو ظبي - محمد الأنصاري

