الدكتور سيد خطاب رئيس الرقابة على المصنفات الفنية الجديد في مصر ممثل ومخرج ومدرس في المعهد العالي للفنون المسرحية - قسم الدراما والنقد، عمل بالإخراج المسرحي في مراحل متعددة، بدءاً من المسرح المدرسي، مروراً بمسارح الثقافة الجماهيرية والمسرح الجامعي، وصولاً إلى مسرح الدولة، حاصل على شهادة الدكتوراه في التقنيات الرقمية من ايطاليا.
وفي حواره مع «الحواس الخمس» أكد أن الرقابة مؤسسة ثقافية، وليست جهازًا سلطويًا للحذف والإلغاء، وأشار إلى أن المبدع الحقيقي يفترض أن يتمسك بالرقابة.. نافيًا ما يتردد عن تدخلات جهات أخرى في عمل جهاز الرقابة على المصنفات الفنية..فإلى تفاصيل الحوار..قبلت منصب الرقيب، على الرغم مما يتردد عن كونه أداةً في يد السلطة وأنك مجرد منفذ للتعليمات؟قبلت المنصب لأن لي وجهة ومنهجًا لا يسمحان بتدخل أحد في عملي، فقد سمعت عن اتصالات تأتي إلى الرقيب بتعليمات الحذف أو المنع أو مجاملة شخص على حساب آخر، لكنني أؤكد أنني صاحب القرار، وأن جهاز الرقابة هو المسؤول، فليست هناك اتصالات أو تدخلات دينية أو أمنية أو من أي جهة أخرى في عملي، وأعلم أن نظرة الكثيرين إلى الرقيب نظرة مريبة.لكني أعلن أنني ضد «الحرية المفتوحة»، وأعلم أن هذا يضعني وسط معارك طاحنة مع المبدعين، لكن مهمتي تتطلب العدل والأمانة وتحكيم الضمير، وليس الضمير هو ضمير الرقيب، بل ضمير مجتمعي في المقام الأول.
إلى أي مدى تتدخل الرقابة في عمل المبدعين، وهل يمكن رفع سقف الحريات الرقابية على الفنون؟
الرقابة تتدخل وقت اللزوم، أما رفع سقف الحرية بشكل مطلق أي إلغائه، فهذا يعني ألا يكون هناك رقيب، وهذا غير منطقي، لكني أؤكد أن تدخل الرقابة في عمل المبدعين لا يمثل إلا حالات نادرة لا تحتاج إلى خبير رقابي من الدولة؛ لأن أي عامل أو موظف بسيط في شركة الإنتاج يستطيع أن يحكم بالحذف على مشاهد بعينها معروفة.
فأنا أؤمن بأن العمل الإبداعي الحقيقي يحتاج إلى تحرّي الدقة من القائمين عليه، لكن بكل أسف هناك سيناريوهات تتخطى الواقع، وتتناول موضوعات متجاوزة لكل الأخلاقيات المجتمعية، فكيف نسمح بتقديم مثل هذه الأعمال؟.
كما أننا محكومون كجهاز رقابي بعرض أعمال دينية أو عسكرية على جهات مختصة مثل الأزهر والكنيسة والقوات المسلحة، فالجهاز الرقابي لا يمكنه لعب كل الأدوار، فلكل جهة دورها الذي يكمل عمل الجهاز الرقابي على المصنفات الفنية.
هل تستطيع في المرحلة اللاحقة أن تُغير نظرة المبدع للرقيب لتتحول العلاقة من معركة إلى ثقة؟
المشكلة ليست في إمكاناتي، فقد مر على هذا المنصب العشرات، ولم تتغير النظرة، لكنني أفكر في أن يكون هناك حوار حقيقي بين المؤسسات الرقابية والمبدعين، وعلينا أن نطمئنهم بأن الرقابة تحترم المبدع، وتلفت نظره إلى بعض السلبيات، وتنقح العمل حتى يخرج بشكل يُرضي أذواق كل العائلات.
خاصة أننا نعيش في مجتمع محافظ، إضافة إلى أننا دولة تراعي الأمور التي من شأنها خلق نوع من البلبلة أو المساس بأمنها أو كرامتها أو التي توجه إساءة إلى مجتمعاتنا، وإذا رأى المبدعون أن هذا ظلم من الرقابة، فالموضوع هنا لا يخضع لوجهات النظر، بل يخضع لمعايير إنسانية وأخلاقية، فهذه مسؤولية يجب أن تكون مشتركة بين الرقيب والمبدع.
نظرية مؤامرة
لكن البعض يرى أن المشكلة ليست في تقويم الأعمال المطروحة، لكنهم يغضبون من سياسة الكيل بمكيالين مجاملة لبعض النجوم على حساب آخرين؟
هذه نظرة قاصرة للبعض، وتحفز وإيمان مطلق وغير صحيح بنظرية المؤامرة، فهؤلاء يرون أن الرقابة تمرر عملاً وترفض عملاً لاعتبارات شخصية، وهذا لا يحتاج إلى رد، كما أن البعض يدعي أننا نرفض أو ندون ملاحظات حول عمل ونمرر آخر يحمل وجهة النظر نفسها.
وهذا يعني أن العمل الأول تعامل بذكاء في طرحه من خلال مشهد أو حوار، أما الآخر فيكتفي بإيمانه بنظرية التآمر بدلا من أن يقبل الملاحظات، ويفتح حوارًا مع الرقابة، لكنه يتعامل مع وجهة النظر الأخرى بتحدٍ لا مبرر له باعتبار أن مشاهده وحواراته تتفق مع البناء الدرامي للعمل أو أن الرقابة تضطهده.
لكنني أعيد تأكيداتي أن الرقابة ليست لها مصلحة مع جهة دون أخرى، وليس من مصلحتها أو مهامها تعطيل أعمال المبدعين، بل توفر لهم الحماية الكافية حتى يخرج الإبداع إلى الناس بلا مشاكل أو خسائر.
رقابة مشتركة
البعض يرى أن العالم صار مفتوحًا وأن الممنوع لدينا تمكن رؤيته من خلال الإنترنت والفضائيات.. فلماذا الرقابة؟
لدينا نسيج مجتمعي لا يسمح لنا أن نترك الحبل على الغارب؛ لأن ذلك سيولد الفوضى، فالرقابة لديها دور مهم يحمي المجتمع من اختراقه أو تدميره، فما يطرح خارج حدودنا لسنا مسؤولين عن ترويجه، فالرقابة مشتركة من جهات مختلفة، فلسنا الجهة الوحيدة التي تحمي المجتمع، فما يطرحه الإنترنت يجب أن يخضع لرقابة الدولة والأسرة والمؤسسات الدينية.
مرونة
هل تعتقد بأن الرقابة دائمًا تلتزم بالمبادئ التي أنشئت من أجلها؟
كما قلت ليس للرقابة مصلحة في تجاوز حدودها، ومهمتها الحفاظ على النظام العام والآخرين، وعدم ازدراء الأديان، أو الدعوة لمبادئ هدّامة، وعلى الرغم من ذلك توجه للرقابة الاتهامات، والأمر الواجب ذكره أنه إذا نفذت الرقابة القوانين بحذافيرها، فلن تتم الموافقة على أي فيلم، لكن الرقابة في مصر أؤكد أنها ما زالت تتعامل بكثير من المرونة.
فنحن مطالبون بالاستجابة للتحولات الاجتماعية بعض الشيء، كما أؤكد أن جهات مثل الأزهر والكنيسة والقوات المسلحة لا تحتكر عمل الرقابة، ولا نلجأ إليها إلا وقت ورود موضوع يتعلق بها، مثل أفكار تمس العقيدة أو قضايا الأمن القومي، ولن تؤثر هذه الجهات في منع المبدعين من التحاور بمنطقية.
هل تتوقع نجاح أي صورة من صور الحوار بين الرقابة والمبدعين؟
لا بد من التأكيد على قيمة الحوار بيننا، بشرط أن نسمع بعضنا البعض جيدًا، وأن نلقي بهواجسنا واعتقاداتنا السلبية خارج أسوار الحوار، فهذا سيقودنا إلى الوصول - على الأقل - إلى حد أدنى من التفاهم.
فمن الممكن أن يتحول المبدع إلى رقيب على ذاته المبدعة، وهذا ما نسعى إليه؛ لأن هذا ما سيوفر على الرقابة كثيرًا من الجهد، ويوفر المناخ لبدء مرحلة جديدة قائمة على الثقة بين المبدعين والرقابة.
كيف تتخيل الحال من دون وجود رقابة على الفنون؟
فوضى شديدة، وصراع بين المبدع والمجتمع، فالمجتمع أكثر قسوة في أحكامه من الرقابة، وهذا يؤكد أهمية دور الرقيب؛ لأنه في حالة عدم وجوده ستجد كمًا هائلا من القضايا في المحاكم ضد المبدعين، وحتمًا ستكون النتائج خطيرة، ولن يستطيع أحد تحديد حجم آثارها السلبية.
استثناءات
متى مرَّرت عملا فنيًا دون رغبتك؟
بمجرد الاطلاع على السؤال يعتقد القارئ بأنك تعني أن هناك ضغوطًا أو مجاملات أو حسابات جانبية من خلالها يمكن أن أتجاوز القوانين والأعراف، إلا أن هذا لا يمكن حدوثه، فالرفض في الإمكان في أي وقت ما دام القانون يسمح لي بذلك، لكني أحيانًا أجد نفسي أمام موقف لا أحسد عليه، مثل منتج وضع مبالغ كبيرة في العمل؛ لذا أضطر إلى الموافقة حتى لا يضار المنتج، خاصة إذا كانت التجاوزات ليست خطيرة.
هناك مخرجون، منهم خالد يوسف، لديهم رأي في الرقابة، فكيف يمر خالد يوسف بأفلامه دائمًا إلى العرض في السينما على الرغم مما تثيره من قضايا خلافية؟
ليس هناك أحد فوق القوانين التي تحكم عملنا، فبعض المنتجين أو المخرجين يخلقون معارك وهمية مع الرقابة، ونجد الصحف والشارع يتحدث عن مشكلة بين الرقابة وصُناع عمل ما، لكنها وسائل للدعاية لا أكثر.
أما عن خالد يوسف فهو مخرج متميز أحترمه كثيرًا، لكن أفلامه تعرض على الرقابة مثل الآخرين، وبكثير من المرونة نتعامل مع الجميع، ولا نفرق بين مخرج وآخر وفقًا لقوانين رقابية صارمة.
اسكتشات
كيف تتدخل الرقابة في حذف أو رفض مشاهد من صلب الواقع بغرض معالجتها؟
دائماً يكون دفاع الفنان بأنه يصور الواقع، وغالبًا ما تجد أن الواقع قد تم تبديله، وهذا ما جعل أغلب الأعمال خالية من الذوق الفني، بل هي مجموعة من «الاسكتشات» السريعة، ودراما مفككة خالية من المضمون؛ لذلك أؤكد أن تصوير المبدع للواقع ليس هو الإبداع، فالمهم هو ماذا نريد أن نقول، وكيف نقول ما نريد؟.
كم فيلم رُفض منذ توليت الرقابة، وما مصير الأفلام المرفوضة من قبل توليك المنصب؟
هناك أفلام كانت مرفوضة منذ فترة تولي علي أبو شادي، ولكننا طالبنا صُناع هذه الأفلام بأن يتقدموا إلى لجنة التظلمات، فأعيد تقديمها وعرضت، أما الأفلام المرفوضة فقد تم ذلك باعتبارها مسيئة لأشخاص أو مؤسسات بشكل مباشر؛ لذا طلبنا من منتجيها تعديلها لتصحيح معلومات خاطئة أو مشاهد خارجة أو غيرها من الأسباب.
فقد تم رفض 5 أفلام منذ توليت منصب الرقيب، من بينها فيلم «ابن الرئيس» للمؤلف يوسف معاطي، بطولة محمد عادل إمام؛ لأنه يمس شخصية عامة، كذلك فيلم «الصمت» للمخرجة إيناس الدغيدي، وفيلم «تحت النقاب» الذي اعتبرته الرقابة فيلمًا مسيئًا؛ لكونه يصف النقاب ستارًا لممارسات غير أخلاقية، وينضم إلى القائمة المرفوضة فيلم «صوت وصورة».

