بدأت الفكرة كلّها بحجرةٍ تناقلتها أيادي النساء والرجال، كما الأطفال، لترسم أسطورة جديدةً تُضاف إلى أساطير الأناضول. «لحن الحياة» هو أوّل إبداع الذي ينظمه النحّات الأستراليّ أندرو رودجرز في أوّل مشاريعه القائمة ضمن «أرض الفنون». 460 يداً تعاونت على مدى ثلاثة أعوام، لتَخرج في 2009 بتُحفةٍ فنيّة يُمكن رؤيتها من الفضاء الخارجيّ، أطلق عليها السكّان اسم «ألحان الحياة»، وتوالت بعدها الأعمال لتُنتج «أرض الخيول الجميلة» و«سيبيل» و«العصفور ذو الوجه الملائكيّ» و«شجرة الحياة» و«توام الاسد ذو الرأس الواحد» و«المعبد الأوّل»، وغيرها.

واليوم، قد حان الوقت للافتتاح المنتظر، حيث تنطلق فعّاليات معرض الهواء الطلق، والذي سيُعرض فيه للمرّة الأولى مشروع «الوقت والفضاء»، المؤلّف من ثمانية أعمالٍ عملاقة، إضافة إلى العروض الموسيقيّة العالميّة التي تُحييها أوركسترا بوروسان. سيكتسي الحدث كلّه بحلّة المهرجان، حيث ستصبغ عليه سحنةٌ فولكلوريّة محليّة، ومفاجأته الكُبرى ستكون استهلال عمليّات تجهيز مسرح الهواء الطلق، المشروع الذي يُتوقّع أن يتم استخدام ما يزيد على 100 طنٍّ من الحِجارة لإتمامه.

يحظى مشروع «الوقت والفضاء» بصفة أكبر معرضٍ للفنون المعاصرة في العالم، فالأعمال الثمانية، والمشكّلة حجراً بحجر بأيادي السكّان المحليين، تبعد عن بعضها مسافة كيلومترين، ويُمكن رؤية كلٍّ منها من على ارتفاع 450 كيلومتراً، أي من الفضاء الخارجيّ. والجدير بالذكر أن عشّاق الفنّ والنحت من كل أنحاء العالم، أضحوا الآن في «كابادوكيا»، مترقّبين الكشف عن هذه الأعمال العملاقة، والتي استهلك إنتاجها 11 ألف طنٍّ من حجارة. وزيادةً على ذلك، تحوّلت الشركات السياحيّة المشغّلة للمناطيد إلى تلك المنطقة، وفي بالها تأمين خدمة العُمر لمقدّري الفنّ من حول العالم.

12 موقعاً فنيّاً في العالم

يبدو أنّ أندرو روجرز، الرجل المُعجزة وراء هذه الفكرة، والذي ترك بصمات مشروعه العملاق «لحن الحياة» في اثني عشر موقعاً مُختلفاً من العالم، يوجّه أعماله هذه لسكّان المريخ، فالفكرة التي بدأ بتنفيذها منذ عشرة أعوام، تركت أثراً ضخماً من المنحوتات الإبداعيّة، والتي يظهر رونقها بهيّاً وواضحا بالعين المجرّدة، لسكّان الفضاء الخارجيّ.

أوّل المواقع التي تضمّنت أعمال اندرو، كانت وادي «عربة» في فلسطين، والمجاورة للحدود مع الاردن، ومن ثمّ صحراء «أتاكاما» في تشيلي، وبعدها ألتيبلانو في بوليفيا، ومقاطعة كرونيغالا في سريلانكا، ومنطقة جيلونغ في أستراليا، وعاصمة آيسلندا الشماليّة، أكوريري،، وأخيراً صحراء غوبي في الصين.

ويؤكّد الفنّان العالميّ، الذي لم يكتفِ بمشروعٍ واحدٍ في كل من المواقع السابقة، أنّه يوظّف أساطير وتقاليد البلدان التي يُقيم الأعمال فيها ضمن مشاريعه. ومن الأساسيّات التي يعتمدها أندرو أيضاً، إشراك السكّان المحليّين للمناطق المجاورة للمشاريع في العمل، فإلى الآن، تعاون روجرز مع أكثر من خمسة آلاف مواطن ضمن البلدان الاثني عشر التي عمل بها.

وزيادة على الاستعانة بالطاقات المحليّة، يوظّف روجرز ضمن أعماله، التي تُسمّى بالقاموس الفنّي «نحوتاً أرضيّة»، مواد طبيعيّةً بحتة، كما يعتقد أنّ أعماله المُقامة ضمن مساحات واسعة وفارغة، تزيد من الإدراك العالميّ تجاه قضايا البيئة، وخصوصاً تلك التي تتعلّق بالاحتباس الحراريّ.

الخطوة القادمة

يعدّ المشروع المُقام في «كابادوكيا»، أحدث أعمال أندرو روجرز، وقد عبّر النحّات المُخضرم عن رغبته بإنتاج عملٍ ما في هذه المنطقة عندما زارها للمرّة الاولى منذ 27 عاماً، وانبهر بجمالها الطبيعيّ.

وبكونه يُعطي أهميّة للنسيج التاريخيّ لكلّ المواقع، فيُهمّه تقديم الخاصيّات المميّزة للشعوب ضمن أعماله، حيث يقول: للأمر أهميّة كبيرة بالنسبة لي، فالحجارة التي تُشكّل العمل تنتمي للمنطقة التي نعمل بها، وهنالك خيطٌ يصل بين الحضارات القديمة والفنّ الحديث، تُمثّله هذه الحجارة ولا يُمكن قطعه. ومن الضروريّ أن نُظهر أهميّة ذلك الخيط، والحياة التي يُمثّلها ضمن أعمالنا، لأنّنا ندين بذلك للأجيال القادمة.

ويوضّح روجرز حقيقة أن البشر ابتعدوا عن الطبيعة بانشغالهم بإصدارات التكنولوجيا الجديدة، ويؤكّد أن إنجاز أعمال نحتيّة ضخمة بطاقاتٍ بشريّة، ليس سهلاً، ويضيف: تزيد قيمة العمل حين يشارك سكّان المناطق المحليين بإنتاج العمل، لأنّ كلا من هذه الأعمال يمثّل جسراً يربط ماضيهم بالحاضر والمستقبل. فخلال حياتنا، لا يمكننا فصل أي مرحلةٍ عن الأخرى، والمستقبل يحمل جزءاً كبيراً من الماضي.

وفي نهاية الحديث، لن ننسى إخبار كينيا، أنّها ستكون الوجهة المقبلة التي ستلفت أنظار المخلوقات الفضائيّة، حيث إن عينا أندرو تتجه بأملٍ كبير إليها، لتنفيذ أكبر أسدٍ في العالم.

دبي ـ علي محيي الدين