أشكال الثياب لا تأتي من فراغ، بل هي تعكس طبيعة الحياة الاجتماعية، ومستوى المعيشة وأنواع التيارات الفكرية والفنية السائدة في منطقة ما من العالم، لذلك عكست أزياء الفرنسيات في تلك السنوات عطش المجتمع الفرنسي كله الى التمتع بالحياة وتعويض ما سرقته سنوات الحرب من أفراح ومسرات صغيرة.
في تلك الفترة أطلق المغني دريان أُغنيته الشهيرة «لقد قصصن جميعاً شعورهن». وكانت كلمات الأُغنية تتغزل بالنسوة اللواتي تخلين عن ظفائرهن التقليدية، وما تتطلبه من عناية يومية، واعتمدن موضة الشعر القصير «ألا غارسون» لأنها أنسب لحياة الحركة والعمل، ويذكرنا هذا بموضة الشعر القصير التي اجتاحت المدن العربية، منتصف القرن الماضي، بعد أن كتب نزار قباني قصيدته التي يقول فيها: «إن عاتبوك يوماً كيف قصصت شعرك الحريرا، قولي لهم أنا قصصت شعري لأن من أُحبه يحبه قصيرا»؟
لم يكن الشعر القصير وحده على الموضة في السنوات الفرنسية المجنونة، بل جاءت من الولايات المتحدة الأميركية نساء مغامرات وفنانات حالمات بعاصمة النور وجلبن معهن فساتين ال«تشارلستون» التي تكشف عن الركبة والقلائد الطويلة والشفاه العريضة المصبوغة بالأحمر القاني. ومع نسمات التخفف من الثياب التقليدية انتشرت موضة قيادة المرأة للسيارة، ويبدو أن كل خطوة كانت ترافقها أُغنية فقد أنشد المغني الشعبي بيسكو أُغنية «أنها تعرف قيادة الاوتوموبيل».
ومن جانب اخر فبقدر ما تبدو ثياب النهار متقشفة وبسيطة، آنذاك، بقدر ما تبهرنا فساتين السهرة التي تدخل فيها الأقمشة اللماعة. إنه زمن انتشار معطف المطر والثياب الرياضية (السبور) والأنسجة الصناعية المريحة والقبعات الصغيرة، وهو أيضاً زمن المطرزات والكشاكش والسلاسل الذهبية واللؤلؤية والشرائط والريش والتيجان التي توضع فوق «باروكات» الشعر الملون بالوردي والبنفسجي. وهو أخيراً الزمن الذي قذفت فيه النساء الى سلال القمامة بمشدات الجسم، أي وسائل التعذيب تلك التي ورثنها من جداتهن وأمهاتهن وبقايا موضة القرن التاسع عشر.
وعلى صعيد مستحضرات التجميل كانت تلك الفترة سباقة الى ابتكار الدهون المغذية للبشرة والعصارات المذيبة للشحوم. وهي السنوات التي صار فيها التبرج الظاهر للعيان دارجاً لكل النساء في الأماكن العامة بعد أن كان مقصوراً على فتيات الليل.



