الصيف في قاموس المصممين والأنيقات على حد سواء، يرتبط بالتصميمات المريحة والمنطلقة، وبكل ما له علاقة بالأقمشة المنسابة والخفيفة، وليس هناك بالطبع ما هو أكثر انطلاقا وانسيابية وخفة من الفساتين المستوحاة من موضة العشرينات المولعة بالتفاصيل المريحة والأنثوية إلى أقصى درجة.
فتصاميم العشرينات، تماما كما صورتها الأساطير وأفلام هوليوود، أزياء تخاطب أشخاصا يعرفون كيف يغرفون من متع الحياة، وكيف يستمتعون بأجواء حالمة تغمرها اشعة الشمس نهارا وضوء القمر ليلا، يحملون باليد اليمنى كأس عصير بارد ومنعش، بينما اليد الثانية ترتخي بكسل تحت ثقل أساور الذهب، تماما مثل الصورة التي تتراءى للعين.
والموضة المناسبة في المكان المناسب أمر مطلوب، فالعودة إلى القديم بهدف تقديم الجديد أمر ليس بدعة، لأن الموضة ظلت وفية دائما للتاريخ، ولم تستغن يوما عن رموزه وإيحاءاته، ويزيد الإقبال عليها كلما كانت هذه الرموز غنية بالألوان والتطريزات، وكل ما يمكن ان يضفي عليها المزيد من الغنى والتألق، في العشرينات من القرن الماضي، وفي تلك الفترة أطلقت كوكو شانيل الزي الجديد المفعم بالاناقة والنعومة والانوثة مستخدمة قماش الجرسي، الذي كان يعتبر في تلك الايام من الاقمشه الفقيرة،حيث حققت ثورة بتحريرها النساء من قيود الموضة.
وأثارت الكثير من الجدل بمصادقتها النخبة من الأرستقراطيين الذين نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر دوق ويستمنستر، والفنانين أمثال جون كوكتو وبيكاسو، وجعلت اسمها أيقونيا يتحدى الزمن فاتحة بذلك على نفسها أبواب الشائعات حول حياتها الشخصية وعلاقاتها وانتماءاتها وتصميماتها فلم تكن ككو شانيل متقدمة على زمنها فحسب بل كانت، حسب مجلة التايم الأمريكية، متقدمة على نفسها أيضا.
فلو نظر أحد على أعمال أشهر مصممي الأزياء المعاصرين امثال توم فورد وهيلموت لانغ وميوتشيا برادا وجيل سوندرز ودوناتيلا فيرساتشي، لرأى في الكثير من استراتيجياتهم صدى لما قامت به شانيل، فالطريقة التي مزجت بها شانيل، قبل نحو 85 عاما، بين مفردات الملابس النسائية والرجالية تخلق أزياء أتاحت للابسيها الشعور بالارتياح الخفي بدلا من التظاهر به، وتعد مثالا على كيفية تشابك ذوق شانيل وشعورها بالرقي مع أزياء اليوم، فهي لم تعرف نفسها باعتبارها أنثوية.
وفي الحقيقة كانت تتحدث دوما عن الأنوثة بدلا من الأنثوية، لكن أعمالها مثلت ومن دون شك جزءا من تحرر المرأة، فقد مدت حبل النجاة إلى المرأة ليس مرة واحدة بل مرتين، وذلك خلال مرحلتين منفصلتين تفصل بينهما عقود من الزمن، أي في العشرينات والخمسينات من القرن الماضي، إذ لم تقدم شانيل على استخدام الأزياء والمنسوجات والمواد التي كان يرتديها الرجال فحسب، بل أيضا استخدمت، بدءا من نفسها، الملابس الرياضية باعتبارها جزءا مهما من لغة الأزياء.
وهنا تمكنت المرأة بجدارة من الاستمرار في فرض طموحاتها المهنية في كل المجالات، والتي ظلت بعضها حكرا على الرجال، وحافظت على اعتماد مظهرها الجديد حتى سميت تلك الفترة ب«السنوات المجنونة»، حيث اصبح التشبه بالرجال طاغيا لدى السيدات، وبات الشعر القصير اخر موضة عند السيدات، ويمكن للمرء أن يرى كيف انبثق أسلوب العشرينات من الحاجة، ولكنه نبع أيضا من التحدي، فلم تكن شانيل قادرة أن تحمل تكاليف شراء ملابس الموضة في ذلك الزمن.
لذلك رفضت تلك الملابس وقامت بتصميم ملابسها الخاصة، مستخدمة الستر الرياضية والأربطة التي كانت تمثل اللباس اليومي للرجال، وبدأت ثورتها في عالم الأزياء ضد المجتمع من خلال استهدافها للرأس أولا وعبر القبعات. فالقعبة الطفولية التي ابتدعتها كانت على تباين صارخ مع قبعات «بيل إيبوك»، التي كانت تمثل الموضة آنذاك والتي سخرت منها شانيل بقولها «كيف يمكن للدماغ أن يعمل تحت تلك الأشياء؟»
وكانت لا تكل عن ترديد المقولات الشهيرة التي يجري اقتباسها من قبل أوساط متنوعة عدة، فقد قالت ذات مرة: إن الزي ليس مجرد ملبس، بل إنه في الهواء تحمله الريح. وبإمكان المرء أن يحس وجوده، فهو في السماء وفي الطريق.
وتتمثل أحد نجاحات شانيل المبكرة لأزياء العشرينات في الكنزة الواسعة التي ربطت حولها حزام وصاحبتها بتنورة، وفي مثال اخر فقد عادت مدام مادلين فيونيه، إلى الأسلوب اليوناني السائد في تلك الفترة، كذلك مدام «غري»، حيث استغلتا قدراتهما الفذة في الخياطة الراقية وقدمتا تصميمات منسابة بتقنية «الدرابيه» لمست وترا حساسا بداخل أية امرأة تتوق لأيام زمان، وتشبعت بقصص هيلين أو أفروديت أو بيريسفوني وغيرهن.
كما عشقته كلا من مارلين ديتريش وغريتا غاربو لما يتيحه من حرية حركة وتحرر من قيود الأزياء الراقية، كما كانت عليه في العشرينات، في أيام بول بواريه وأمثاله. ومنذ ذلك الحين لم يغب هذا التصميم عن ساحة الموضة، وفي كل عقد يعود إلينا بشكل أو بآخر، مرة بتطريزات أو أطوال مختلفة، ومرة بألوان تلعب على التضارب أو نقوشات نافرة ومرة بأقمشة خضعت لتقنيات حديثة وهكذا.
وعندما وصلت إلينا منذ بضع سنوات، كانت قد دخلت في سجلات التصميمات الأيقونة، وهذا يعني بالنسبة للمصممين صعوبة أكبر في تجديدها، وأنها أصبحت تحتاج إلى الكثير من التحدي والموهبة لاختراق أسرارها، وهي أمور أكدتها مصممات أتقن طياتها وتطريزاتها، من أمثال الإيطالية البرتا فيريتي، الأميركية دونا كاران والإغريقية الأصل صوفيا كوكوسالاكي، ولا يستغرب استعانة دار «فيونيه» بالمصممة الشابة كوكوسالاكي عام 2007 لتعيد للدار التي أغلقت ابوابها عام 1929 أمجادها القديمة، نظرا إلى اقترابها من اسلوب المؤسسة الراحلة.
دبي ـ رشا عبد المنعم



