مخطوط إسلامي قديم، يوجد في مكتبة «الحضارة الإسلامية» بالقاهرة، عمره أكثر من ألف عام، يقع بين أربعة آلاف ومئة وتسعين مخطوطا وكتابا عربيا قديما في مجالات مختلفة، إنه مخطوط «الكوكب الدرّي» الذي يروي فصولاً من حكايات صدر الإسلام، وسيرة الرسول. جولة مع سطور هذا المخطوط كشفت لنا حقائق كثيرة.
في أول سطوره يبدأ المخطوط حديثه عن أمر الهجرة، فهناك من المعجزات النبوية التي سطرها التاريخ في هذه الرحلة المباركة، وما وعد به النبي الكريم سراقة بن مالك أنه سيلبس سوار كسرى، عظيم الفرس، وقد تحقق هذا الوعد في فتح بلاد فارس.ويروي «الكوكب الدري» في سطور أخرى ملامح المدينة المنوَّرة قبل الهجرة، حيث يصفها المخطوط بأنها كانت مجموعة من القرى والمنازل البدائية بسيطة البناء المنتشرة دون نظام معين أو ترابط تحيط بها المزارع والحقول.
حيث أهلها يعتمدون على الزراعة، ونطالع بالمخطوط أكثر من تسعين اسما للمدينة، وأشهر هذه الأسماء ما جاء في القرآن والسنة، فالقرآن سماها المدينة، أما أسماؤها الأخرى فهي «يثرب، أرض الله، أرض الهجرة، أكالة البلدان، أكالة القرى، الإيمان، البارة، الهجرة» وغيرها.ويحدد «الكوكب الدري» يوم الاثنين الثاني من ربيع الأول من العام الأول للهجرة يوماً للتحول في تاريخ المدينة والعالم أجمع؛ ففي هذا اليوم وصل رسول الله للمدينة، واتخذها عاصمة للمسلمين، ومقرا لقيادة جيوش الفتح وحملات الدعوة والإرشاد.
صور قديمة
يلقي المخطوط الضوء على صور عدة لطبيعة حجرات بناء مسجد الرسول وبيوته الكريمة منذ السنة الأولى للهجرة، مرورا بتقسيم السيدة عائشة، رضي الله عنها، بيتها لجزأين أحدهما يضم القبور الشريفة.
والآخر لسكنها فيه، وهناك صور أخرى لبناء عمر بن الخطاب سورا على المسجد، وما أحدثه الظاهر بيبرس العام 668هـ من عمارة، ثم السلطان قايتباي العام 888ه، والذي استبدل المقصورة الخشبية بالنحاس والحديد المشغول والمشبك، وقد ذكر أن السلطان قايتباي احتفل بهذه المقصورة بعد تصنيعها في مصر في شعبان العام 888هـ قبل إرسالها للمدينة المنورة، وكانت مكونة من 19 قطعة.
ويطلعنا «الكوكب الدري» على ملامح أرض الحجرة الشريفة وجدارها وسقفها وشكل القبور، وكيف كان الملائكة حين نزل سبعون ألفا منهم من السماء ليحفروا بالقبر، يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي الكريم حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك حتى إذا انشقت الأرض خرج منها سبعون ألفا من الملائكة.
كما توجد على جدران الحجرة نصوص من القرآن الكريم كتبت بأحرف ماء الذهب بخط الثلث في إتقان رائع، بالإضافة إلى أسماء النبي، التي تزين كامل الجدار الداخلي للمسجد النبوي الشريف في العمارة العثمانية التي أبقي على هذا الجزء منها في العمارات السعودية التي تلتها.
وهذا هو قوس رسول الله «الصفراء» الذي رمم وصنع له جراب من الفضة والذهب منقوش عليه صفات القوس، وقد صنع الجراب بأمر السلطان أحمد الأول في القرن السادس عشر الميلادي، ويعرض في جناح الأمانات الخاصة بمتحف قصر «ثوب كابي» بتركيا بأسلوب فني راقٍ وحرص شديد في مقابل غرفة البُردة النبوية الشريفة.
وهذا هو صندوق من الفضة المزخرفة بداخله حافظات الشعرات النبوية الشريفة، وحافظة أخرى للشعيرات الشريفة من الزجاج والذهب، وتلك علبة من الفضة المطلية بالذهب وبداخلها حافظة بها شعيرات من اللحية الشريفة.
ويروي «الكوكب الدري» أن رسول الله كانت لديه عدة رايات ترفع في الحروب منها السوداء وتسمى «العقاب»، والأخريات بيضاء وصفراء وحمراء، وهذه صورة لراية رسول الله في فتح خبير التي سلمها لسيدنا علي بن أبي طالب، وراية أخرى تم تثبيتها على الخلافة العثمانية في قطعة من الصوف الأخضر وحولها أسماء العشرة المبشرين بالجنة.
كما يطلعنا المخطوط على صور لما كانت عليه مساكن النبي وزوجاته، موضحا أن تلك المساكن لم تكن في أول الأمر ملتصقة بالمسجد، بل كان يفصل بينها والمسجد طريق، وقد ذكر بعض الرواة أن النبي الكريم قد بنى لعائشة بيتا يليه شارع المسجد، وأنه جعل بابا في المسجد تجاه باب عائشة يخرج منه للصلاة.
ويؤيد هذا الرأي أن النبي وسع المسجد بعد نحو سبع سنوات من الهجرة، وكان من ضمن هذه التوسعة أن زاد بمقدار عشرة أذرع، ولو كانت مساكن النبي ملتصقة بالجدار الشرقي للمسجد لكان من المستحيل زيادة المسجد نحو الشرق دون هدم المساكن.
ويصف «الكوكب الدري» كيف كانت صورة بيوت المسلمين في عهد النبي، وكيف كانت تصل حتى حدود المطاف حول الكعبة، ولم تكن للمسجد الحرام جدران تحدد في ذاك الوقت، بل كانت البيوت والأزقة تفتح عليه، وظل الحال على ذلك طوال خلافة أبي بكر، رضي الله عنه، فلما استخلف عمر بن الخطاب.
وكثر الناس وضاق المسجد قرر أن يوسعه، ما استلزم أن تهدم بعض البيوت المحدقة به؛ فعرض ابن الخطاب، رضي الله عنه، على أصحابها أن يبتاعها منهم؛ فأبى بعضهم، ولم يهتم عمر بذلك.
وقال لهم: «إنما نزلتم على الكعبة، فهو فناؤها، ولم تنزل الكعبة عليكم»، ثم هدم عليهم، ووضع لهم الأثمان حتى أخذوها فيما بعد، وفي هذه التوسعة اتخذ عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، للمسجد الحرام جدارا قصيرا دون القامة كانت توضع عليه المصابيح، وبذلك كان عمر بن الخطاب أول من أحاط المسجد الحرام بجدار، وكان يقصد به منع نزول البيوت على الكعبة.
صور قديمة
يحوي «الكوكب الدري» صورة قديمة للحرم النبوي الشريف على هيئة فناء مربع متساوي الأضلاع كتب أسفلها يبلغ طول ضلعه نحو سبعين ذراعا أو خمسة وثلاثين مترا، وتحف به جدران أربعة، ارتفاعها نحو ثلاثة أمتار ونصف المتر، ويوجد نحو أحد جوانبه المسجد الأقصى في الشمال، والجانب المقابل الكعبة المكرمة في الجنوب، وجعلت القبلة في الجدار الشمالي.
عمامة الرسول
احتوى «الكوكب الدري» صورا فريدة لعمامة الرسول وعصاه ومجموعة من سيوفه، منها «الرسوب»، وهو من السيوف التسعة التي أهدتها بلقيس لسيدنا سليمان عليه السلام، إلى جانب «المخدم»، «القضيب»، و«المأثور»، وصور أخرى للمقبض والجراب المحلاة بالأحجار الكريمة بعد ترميم السيف، وهي مضافة له ولم تكن في السيف الأساسي.
خاتم النبي
يحوي الكوكب الدري صورا لخاتم رسول الله الذي وضع في علبة من الذهب مبطنة بالمخمل محفوظة بعناية فائقة، ثم فص خاتم النبي، الذي كان يستخدم لختم رسائله، عليه السلام، بعد قفلها، ونقرأ عن خاتم رسول الله أحاديث عدة كتبت بجواره.
ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك قال: لما أراد النبي أن يكتب إلى الروم قيل له: إنهم لم يقرؤوا كتابك إذا لم يكن مختوما؛ فاتخذ خاتما من فضة ونقشه محمد رسول الله، فكأنما أنظر إلى بياضه في يده.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية


