على صوت «شهرزاد» ألف ليلة، وموسيقى المختارات الإذاعية، وخيال أبناء الإذاعة المصرية، أول إذاعة في الشرق الأوسط، نشأت الدراما
الإذاعية منذ 70 عامًا، محققة تاريخًا من الإبداع الصوتي الممثَّل بحناجر فذَّة حُفرت في ذاكرة المستمع العربي، إلا أن التزاحم الفضائي الذي نشهده هذه الأيام جعل دور الإذاعة يتقلص ويتراجع، فأصيبت بالشيخوخة.إضافة إلى رفض القائمين عليها خطة تطويرها واكتفوا بالعيش تحت عباءة ذكرياتها ومجدها، فانصرف عنها الكتَّاب والفنانون، ولم يعد أحد يتابعها إلا نادرًا في مسلسل رمضاني أو اثنين على الأكثر. «الحواس الخمس» تساءل: هل يمكن طرح توصيات من أجل عودة الدراما الإذاعية إلى سابق مجدها ، أم أنها قد كتبت شهادة وفاتها بنفسها؟..
يؤكد رمزي مجاهد مدير عام الدراما الإذاعية، أن لكل فن جمهوره، وأن جمهور الدراما الإذاعية جمهور مخلص متابع لكل ما تطرحه الإذاعة بشكل عام، كما أن الإذاعة لا تزال تحظى بنجومها الذين نجحوا تلفزيونيًا، لكنهم لم يبتعدوا عن الدراما الإذاعية حتى في ظل الزحف الهائل الذي تشهده الفضائيات في الأعمال الدرامية التي خصصت قنوات لتقديمها، لافتا الى أن الدراما الإذاعية ذات بعد اجتماعي لهواة التخيّل.
حيث تأخذ على عاتقها حمل هموم المجتمع وقضاياه في إطار أخلاقي بعيدًا عن إسفاف الصورة الفضائية وابتذالها في كثير من الأوقات، ما جعل الإذاعة تصنع جمهورًا خاصًا مبدعًا في تذوقه..
ويضيف مجاهد: إن الوضع حاليا في الإذاعة أصبح مختلفًا عن الإذاعة قديمًا بعد المنافسة الشرسة؛ لذا لا بد من استمرار العمل نحو تطوير الدراما الإذاعية من حيث الشكل والمؤثرات الموسيقية وطريقة الكتابة والاستعانة بنجوم لهم تاريخ لجذب أكبر قدر من المتابعة، وإن كان الجمهور الإذاعي سيظل واحدًا مهما اختلفت المادة الإذاعية.
أسير الصورة
ويعترف الإعلامي مفيد فوزي بأنه قد أصبح أحد ضحايا السباق التلفزيوني والفضائيات، التي استطاعت جذبه مثل غيره، واستحوذت على جمهور الإذاعة الذي عاش عشرات الأعوام منتظرًا مسلسلات وبرامج الإذاعة، إلا أن سحر الصورة داهم هذا الجمهور، وتغلبت تكنولوجيا العصر على خيال الإذاعة الواسع.
وأوضح أن السحر الذي كانت تتمتع به الدراما الإذاعية قد اختفى بظهور الصورة، فقد كان الجمهور يجلس بجوار الراديو ليتخيل شكل الممثل من صوته، ويتوه وراء الأحداث أينما ذهبت من دون أن تحكمه عيناه بإطار شاشة توجهه بشكل آلي من دون مشاركة منه في صنع ديكور خيالي لأماكن الأحداث.
إضافة إلى اختفاء الكتَّاب الموهوبين في مجال الدراما الإذاعية، ما جعل نسبة الخيال تقل لدى الجمهور الذي صار أسير الصورة المعلَّبة التي يقدمها التليفزيون، علاوة على الكسل الذي صار يتمتع به الجمهور العربي، حتى أنه لم يعد يريد أن يجهد خياله في شيء؛ لذا صار كل فن يستدعي بذل مجهود لا رواج له في هذا الزمن، فنحن نعيش عصر «الجاهز»، وقد يكون ذلك سببًا في تخلفنا عن رُكب التقدم.
لا مقارنة
بينما ترى انتصار شلبي رئيس الإذاعة المصرية، أن الصحافة يمكن أن تكون سببًا رئيسيًا في انصراف المستمع عن الدراما الإذاعية، فلا تجد خبرًا أو تحقيقًا عن نجوم الإذاعة ونشاطاتهم المختلفة ومسلسلاتهم التي تجد الصدى الواسع في الدول العربية، وتفتقر إلى النجومية داخل مصر، وهذا عيب الصحافي وليس عيب الإذاعة، فقد تعودت الصحافة أن تبحث عن الموضوعات ذات الجماهيرية في نطاق التلفزيون ونجومه فقط.
وأضافت: إن الإذاعة رغم الكفاءات الموجودة بها، لم تحظ إلا بنصيب ضئيل مما يتمتع به التلفزيون من امتيازات مادية ومهنية وإعلامية، رغم أن جهازي الإذاعة والتلفزيون يضمهما اتحاد واحد هو اتحاد الإذاعة والتليفزيون الذي يرأسه المهندس أسامة الشيخ، إلا أن الاهتمام الإعلامي بالتليفزيون يفوق الإذاعة بمراحل؛ لذا فلا مجال للمقارنة بين الدراما التليفزيونية حاليًا ونظيرتها الإذاعية التي تفتقر لإمكانات يحصل عليها التليفزيون بنسب أعلى، رغم تقدم وسائل التكنولوجيا التي استفاد منها الراديو مثل وجوده مثلاً في 90% من أجهزة المحمول.
زرع إعلانات
وعن مسؤولية الإذاعة في تسويق إنتاجها الدرامي، قالت إنها لا تخلي مسؤوليتها عن عملية التسويق؛ حيث اضطرت إلى الاستعانة بوكالة الإعلانات لزرع الإعلانات وسط أحداث المسلسلات لتغطية نفقات الإنتاج، إلا أن البعض اعتبرها آفة أفسدت المسلسلات الإذاعية، كما أفسدت مسلسلات التليفزيون من قبل..
وأضافت: يعكف حاليًا فريق من العاملين بالإذاعات المختلفة لإيجاد طريقة مختلفة يحاولون بها إبعاد الإعلانات عن الأحداث الدرامية لضمان جذب الجمهور، كما أحاول من خلال الاستعانة بنجوم مثل أحمد السقا، منة شلبي، شريف منير، محمد هنيدي، هشام عبدالحميد، علا غانم، عمرو سعد وغيرهم، إحياء أمجاد الإذاعة مرة أخرى.
تدني الأجور و غياب نصوص
بينما يؤكد الكاتب الإذاعي محمد السيد عيد أن هناك حلقة مفقودة في الدراما الإذاعية يتجاهلها الجميع؛ حيث يتسبب انصراف النجوم عن العمل في الدراما الإذاعية بعد رمضان في فقدها جماهيرها، ويرجع ذلك إلى تدني أجور النجوم.
حيث إن حلقة تلفزيونية واحدة تساوي تكلفة مسلسل إذاعي كامل، إضافة إلى مشكلة نُدرة النصوص التي تُكتب للإذاعة، فجميع النصوص التي يتم عرضها حاليًا نصوص ضعيفة، كذلك يرجع السبب في تراجع الدراما الإذاعية إلى ضعف أجور كتَّاب الإذاعة دون غيرهم، فيصبح العمل منذ البداية ضعيفًا، وبالتالي يتم إسناده إلى ممثلين من الصف الثالث، الذين غالبًا ما يكونون في حالة بطالة؛ لذا يقبلون بالأدوار الإذاعية الموجودة.
كما أن الرقابة على النصوص الإذاعية أصبحت تمرر أي عمل بشكل استهلاكي من كتَّاب تربطهم مصالح وعلاقات بمسؤولين بالإذاعة وشركات الإنتاج، إضافة إلى الصمت التام الذي يُخيم على القائمين على الإذاعة في مصر أمام التهام الفضائيات لأي وسيلة إعلامية أخرى، ولا يبذلون أي جهد في التطوير كأن ما يحدث أمامهم من امتهان تاريخ الإذاعة يصب في خانة الرضا لديهم.
وقد أكد عيد أنه لا سبيل لخروج الدراما الإذاعية إلا بالبحث عن أسماء موهوبة في عالم التأليف، ومنحهم المبالغ التي يطلبونها بعيدًا عن أولئك الذين نضب معينهم، وأصبحوا يتعاملون بمنطق المال فقط، فيقدمون نصوصًا يتخللها الحشو خالية من أي إبداع؛ لذلك لا بد من البحث عن مواهب أدبية جديدة لتفريخ أجيال قبل أن نصل إلى الانهيار الكامل.
موسمية الدراما
أما المخرج الإذاعي مدحت زكي رئيس قطاع الانتاج السابق فأكد أن هناك مشاكل متعددة تواجه الدراما الإذاعية، مثل هروب المخرجين الإذاعيين إلى التلفزيون للحصول على فرق العائد المادي، علاوة على مشاكل القطاع الخاص الذي ينتج هذه الأعمال بشكل سيئ، ويتدخل في كل كبيرة وصغيرة في العمل الدرامي.
ويفرض على الجميع وجهة نظره ومتطلبات السوق، ويستعين بنجوم الصف الثالث لتقليل التكاليف بأي طريقة، ما يقلل قيمة الأعمال الدرامية الإذاعية، فينصرف الجمهور عنها..
مضيفًا: «إن موسمية العروض الدرامية والتي يتم خلالها الاكتفاء بشهر رمضان فقط تقلل من تواصل الجمهور مع الإذاعة بشكل عام والدراما بشكل خاص».
حفظ ماء الوجه
عبدالرحمن رشاد نائب رئيس الإذاعة، وضع خطة إنقاذ سريعة للدراما الإذاعية تتمثل في البحث عن النص الإذاعي الجيد بعيدًا عن الأسماء اللامعة، وذلك من خلال مسابقة في التأليف الإذاعي يتقدم إليها كل من يمتلك موهبة في هذا المجال.
وإن كانت الأسماء اللامعة قادرة على المنافسة فتكون الفرصة متاحة لهم مثل غيرهم مع التركيز على النصوص التي تحمل أفكارًا جديدة ذات أهداف محددة تسهم في بناء المجتمع، والبعد عن النصوص التي تحض على الابتذال والسطحية التي لحقت بفروع الدراما بشرط أن يتم اختيار النصوص بعيدًا عن أي مصالح شخصية.
القاهرة - دار الإعلام العربية

