بداية من البارود ووصولاً إلى انفجار النجوم وتصادم الكويكبات، هناك ثمة قوى هائلة تتحرك في الكون لها طاقة قادرة على الخلق وقوة التدمير. بدأ الكون منذ 7 .13 مليار عام مضت بانفجار هائل يطلق عليه اسم الانفجار الكبير، فخلق جميع أنواع المادة الموجودة في الكون، ومهد الطريق لكل الانفجارات التي تليه منذ ذلك الحين. فبين الانفجارات البركانية الملتهبة واصطدام الكويكبات العنيفة وانفجار النجوم، شهد الكون في تلك اللحظة مولد أكثر قوى الطبيعة تدميراً.

يُعّرف الانفجار حرفيا بأنه انبعاث مفاجئ وأحيانا عنيف للطاقة. يحتوى أكبر سلاح نووي تم تفجيره حتى الآن على طاقة قدرها 50 ميجا طن من مادة التي إن تي المتفجرة، غير أن تلك المتفجرات التي يصنعها الإنسان لا تقوى على مجرد المقارنة بالقوة الفجة للطبيعة الأم. فقد بلغت قوة زلزال 2004 في أندونيسيا الذي نتج عنه موجة تسونامي مدمرة بلغت طاقتها ما يعادل 100 جيجا طن من مادة التي إن تي المتفجرة، أي ما يساوي 2000 قنبلة من أضخم القنابل النووية لدينا. تتسم البراكين والزلازل والأعاصير وموجات التسونامي بقدرتها على إشاعة الخراب في مناطق واسعة، إلا أن حتى أعتى قوى الطبيعة على الأرض ليست بالقوى التدميرية التي تتصف بها التصادمات الكونية. فكل مليار عام، تمحو الصخور الفضائية ما على وجه الأرض مما يزيد وزنه عن 25 كيلو جراما جراء اصطدامها بالأرض.

وهذه الصخور تعتبر بمثابة البقايا الكونية التي تخلفت عن المجموعة الشمسية التي تكونت منذ ما يقرب من 5 مليارات عام. ويعتقد العلماء بأن الأرض اصطدمت بكويكب بحجم مدينة مانهاتن أدى إلى انقراض الديناصورات قبل 65 مليون عام مضت. يكشف برنامج ناشونال جيوغرافيك «الكون المعجز: انفجار الكون» أن كويكب يزيد حجمه على 200 ضعف سيصطدم بالأرض بقدرة تفجيرية قدرها 100 مليون ميجا طن مما يحدث دمارا عظيما، فيحول الكويكب خلال جزء من الثانية مئات ملايين الأطنان من الصخور إلى رماد تذروه الرياح يتعلق في الغلاف الجوي ليحجب عنا الشمس، فتفنى صور الحياة من على وجه الأرض في غضون أسابيع وشهور.

وهكذا نجد أن الطاقة التدميرية للاصطدامات الكونية تفوق الخيال، بحيث إنها تكفي لمحو الحضارة. لكن ما احتمالية أن يصطدم بنا أحد هذه الأجسام الكونية المهلكة؟ يضرب الأرض كل 1000 عام جرم بحجم تمثال الحرية مخلفا قدرا كبيرا من الدمار، وكل بضعة ملايين من الأعوام، يسير نحو الأرض جسم بحجم الجبل مهددا الحياة على كوكبنا بالخطر. تحاول الوكالات الحكومية مثل وكالة ناسا للفضاء جاهدة تتبع الأجسام التي تقترب من الأرض. ويقول عالم الكواكب في جامعة أريزونا جاي موليش في برنامج ناشونال جيوغرافيك «الكون المعجز: انفجار الكون» إنه يعتقد بأنه يمكن استخدام الشمس لحماية الأرض من كارثة كهذه عن طريق تجميع أشعة الشمس باستخدام مرآة تركيز شمسي على شكل قطع مكافئ وتوجيهها نحو سطح الكويكب إلى أن يبدأ في التبخر فيكون البخار الناتج صاروخا طبيعيا يدفع الكويكب في الاتجاه المعاكس.

وعندما يتعلق الأمر بتغيير مسار كويكبات ضخمة في طريقها للاصطدام بالأرض، قد تكون الشمس أيضا هو ما نراهن عليه، فهي على الرغم من كل شيء الجسم الذي يتمتع بقوة هائلة فينتج في غضون ثانية واحدة طاقة تفوق ملايين المرات قدر الطاقة التي تم إنتاجها على سطح الأرض حتى الآن، فالشمس تمتلك قدرة هائلة، ولا يقتصر دور العمليات النووية التي تحدث داخلها على إمداد الأرض بالطاقة فحسب، بل بإمكانها أيضا إنقاذنا من كارثة.

وهكذا نجد الشمس مصدر القوت والحماية، فهي تمد منازلنا بالطاقة أو تتوقف في وجه الصخور الفضائية المتجهة إلينا.

تعطي قوة أحد الزلازل الكبيرة أو اصطدام أحد الكويكبات العملاقة أو الطاقة الهائلة للشمس نموذجا رائعا للطاقة العاتية الموجودة في الكون، غير أنها تتلاشى أمام القوى الجامحة التي تحرر أثناء موت أحد النجوم بانفجاره. ففي كل قرن، ينفجر أحد النجوم في مجرات بحجم مجرة درب التبانة متحولاً إلى فتات محدثا انفجارا مروعا يكون بعضها غير مسبوق، وتمثل هذه الانفجارات الهائلة والتي يطلق اسم المستعرات العظمى أقوى الأحداث التي تقع في الكون في وقتنا الحالي.

إذا حدث مثل هذا الانفجار على مقربة من الأرض، سيكون الأمر كما لو كان لدينا شمس ثانية في سمائنا، وإذا تحول نجم على بعد بعض مئات السنين الضوئية إلى مستعر أعظم، سيحدث هذا الانفجار الكوني دمارا عظيما على الأرض حيث تتفاعل الطاقة المنبعثة من انفجار النجم مع الغلاف الجوي فتدمر طبقة الأوزون وتجرد الأرض من درعها الحامي الذي يقيها من الأشعة فوق البنفسجية والأشعة الكونية مما قد يؤدي إلى انقراض الحياة على الأرض.

لحسن الحظ أن أقرب النجوم إلينا التي يمكن أن تتحول إلى مستعر أعظم يبعد مسافة 260 سنة ضوئية، وهي بعيدة بما يسمح بعدم الإضرار بالحياة على كوكبنا. تحدث ظاهرة المستعر الأعظم فقط للنجوم التي تفوق حجم الشمس بأضعاف عديدة، غير أن الشمس سوف تموت في أحد الأيام ولن تنفجر، إلا أن موتها لن يكون أقل تدميرا.

بعد خمسة ملايين عام من الآن، سينفد وقود الشمس، مما يؤدي إلى انهيار مركزها، ويتسبب الضغط الشديد في رفع درجة حرارة المركز إلى 100000000 درجة، كما تؤدي الحرارة المنبعثة إلى تضخم طبقات الشمس الخارجية، مما يدفع بالشمس للدخول في مرحلة تعرف بمرحلة العملاق الأحمر، فتتضخم إلى أن تبتلع كوكب عطارد ثم الزهرة.

وربما يصل الأمر إلى ابتلاع كوكب الأرض، وفي نهاية المطاف، وبعد نفاد غاز الهليوم الذي يستخدم في عمليات الاندماج النووي، يتوقف المصنع النووي، وبالتالي يغلق مركز الشمس أبوابه ويُعلن موت الشمس رسميا.

يأتي موت النجوم بين أقوى الأحداث الكونية، وسواء انهارت هذه النجوم، مثل شمسنا، أو انفجرت مكونة مستعرات عظمى براقة يمكن رؤيتها بوضوح في الكون، إلا أنها تظل تذكر بالقوى العاتية التي تعمل في الكون، وحتى على مستوى الكون الفسيح، فإن هذه الانفجارات تمثل أحداثا متميزة، فهي هائلة بحيث يمكننا رؤية ضوئها على بعد مليارات السنين الضوئية.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الضوء المرئي من المستعرات العظمى ما هو إلا جزء بسيط من إجمالي الطاقات الصادرة عن هذه الانفجارات الضخمة، حيث ينبعث قدر الطاقة المتبقي في صورة إشعاعات تعجز عين الإنسان عن رؤيتها حيث لا تستطيع العين سوى رؤية مجموعة صغيرة جدا من الطيف الكهرومغناطيسي.

تسمى أحيانا الأشعة ذات أقصى تردد بأشعة جاما، وهي أشعة مدمرة حيث يمكن لطاقتها الضخمة تكسير الروابط الجزيئية، لذا تعتبر انفجارات أشعة جاما أقوى أنواع الانفجارات الكونية وأحد أكثر الأحداث بريقا منذ وقوع الانفجار الكبير.

وتنتج انفجارات أشعة جاما من المسعرات العظمى، والتي يفوق بريقها بريق الشمس بمليارات المرات كما ظهر في برنامج ناشونال جيوغرافيك «الكون المعجز: انفجار الكون». ففي غالب الأحيان تأتي هذه الانفجارات من مجرات تبعد عن الأرض بمليارات السنين الضوئية، مما يؤدي إلى ضعف حدة هذه الأشعة القاتلة عند وصولها إلى الأرض، وبالتالي لا تحدث أضرارا، إلا أنه في حال حدوث أي من هذه الانفجارات قرب الأرض أو في مجرتنا فمن المحتمل عندئذٍ أن تتعرض الحياة على كوكبنا للتدمير.

في حال ارتطام أشعة جاما الناتجة عن انفجار على بعد 6000 سنة ضوئية بالغلاف الجوي للأرض، يمكن أن يدمر هذا طبقة الأوزون الواقية، وتخترق الأشعة فوق البنفسجية الصادرة من الشمس الغلاف الجوي مودية بنطاق كبير من الحياة على سطح الأرض وبالقرب من سطح المحيطات والبحيرات.

إضافة إلى أننا سنشعر بتغير سريع في المناخ، وستنهال علينا كميات هائلة من الأمطار الحمضية مما سيؤدي في النهاية إلى انقراض العديد من الكائنات في العالم، ولكن لحسن الحظ، يعتقد بندرة وقوع انفجارات أشعة جاما، وغالبا ما تقع في الفضاء الخارجي بعيدا عن الكون.

يعد الكون مكانا محفوفا دائما بالمخاطر، ولكن من المثير أن الكون بأسره لم يمر بانفجار أكبر أو أضخم من الانفجار الكبير الذي أعطاه النشأة الأولى، فيعتقد بأن الكون كان في بدايته -من نحو 7 .13 مليار سنة- عبارة عن كتلة من الفضاء بالغة الصغر، ثم حدث أمر ما، أطلق زناد أكبر وأضخم انفجار عرفه التاريخ، فتمدد هذا الكون الصغير في واحد على مليار من المليار من المليار من الثانية إلى حيز عرضه مليارات الأميال، خلق هذا الانفجار الهائل كل شيء- كل أنواع المادة التي نراها في الكون اليوم.

فقد أطلقت القوى الهائلة التي نتجت عن الانفجار الكبير العنان للقوى التي تتولى مقاليد الحكم في الكون منذ ما يقرب من 14 مليار عام، ففي لحظة واحدة أرسى الانفجار الكبير الأساس الذي يسير عليه كل انفجار يحدث بعد ذلك، فالكون هو ساحة لقوى مخيفة تقف أمامها الطاقات التي تحررها الزلازل والأعاصير والبراكين متضائلة إذا قورنت بالطاقات التي تعمل في كوننا المتفجر.

فهي طاقات تتسم بقوة لا يصدقها عقل- قوة يمكنها في لحظة واحدة تبديد الحياة من فوق الأرض. فبداية من انفجار النجوم إلى اصطدام الكويكبات، نعيش تحت تصرف قوى هائلة بالكاد نفهمها أو ندركها.

يعرض اليوم على قناة «ناشونال جيوغرافيك» في تمام الساعة التاسعة مساء بتوقيت الإمارات.