تاريخها المسرحي ممتد إلى 55 عاما، إحدى نجمات المسرح في عصره الذهبي، أعمالها استعصت على الحصر بين محلي وعالمي، إنها سيدة المسرح العربي سميحة أيوب، التي تولَّت الكثير من المناصب المهمة، مثل مدير المسرح الحديث لمدة 5 أعوام كاملة من 1972 حتى 1977، ثم تولت إدارة المسرح القومي لمدة 14 عاما كاملة ابتداءً من 1975 حتى 1989 حتى استقالت منه.

ورفضت أن تتولى رئاسة «مهرجان القاهرة السينمائي»، الذي ظل يرأسه زوجها الكاتب المسرحي الراحل سعد الدين وهبة أعواماً طويلة بعد نجاحه في أن يجعل للقاهرة مهرجانا سينمائيا دوليا يشهد له الجميع، وكان رفضها بسبب أنها رأت أنها لا تساوي قوة شخصية سعد الدين وهبة، كما أنها لم تستطع أن تتخيل نفسها تجلس على مقعد تركه زوجها الراحل خاليا. سميحة أيوب كانت ضيف «مركز طلعت حرب الثقافي» بحي السيدة زينب في القاهرة القديمة، في ندوة تحت رعاية «صندوق التنمية الثقافية» في مصر؛ لتعيش مع الحضور لحظات من ذاكرتها التي لا تنفصل بأي حال عن ذاكرة الفن المصري كله.

سينما الستينات... بدأت سميحة أيوب حديثها بالسينما فقالت إنها لم تحقق نصف شهرة أعمالها المسرحية، على الرغم من مشاركتها في بطولة 40 فيلما، مؤكدة أنها كانت تعمل في السينما من أجل المال؛ لكي تنفق على المسرح، وأوضحت أنها قاطعت السينما حين ظهرت نوعية من الأفلام لم تشعر بأي حب تجاهها؛ حيث طغت على السطح أفلام المقاولات والمخدرات حسب قولها. وأضافت: «السينما حاليا لم تعد تقدم قضايا إنسانية، فالأفلام الجيدة قليلة، أما سائر الأفلام فتقدم للإضحاك فقط ومستواها رديء، لكنها تشكل موجة عامة، ومثلما نفتقد مسرح الستينات، فإننا نفتقد سينما الستينات أيضا؛ ذلك لأننا نعيش موجة تراجع وانحطاط سينمائي، وتفريغ للسينما من محتواها ورسالتها، ففي سينما الستينات كانت الدولة تباشر مهام مسؤوليتها عن السينما؛ لذا قدَّمت أفلاما مهمة مثل «الزوجة الثانية» و«البوسطجي» وغيرهما، وأشارت كذلك إلى أن فترات السينما قديما من الأربعينات إلى نهاية الستينات كانت تتسم بالقوة نظرا إلى غياب المنتج التاجر، ورواج فكرة المنتج الفنان مثل أنور وجدي، وقد أكدت سميحة تنويرية فن السينما، وأشادت بتغير نظرة المجتمع تجاه الفنان بعكس معاناة الأجيال السابقة التي كانت تلاقي معاناة كبيرة، خاصة من الأسرة باعتبار فن التمثيل عملا مهينا.

بين الباليه والتمثيل... وبدخول الندوة في مرحلة الحديث عن المسرح وصلت سميحة أيوب إلى منطقتها المفضلة، فاستعادت ذكريات عملها المسرحي الكبير «سكة السلامة»، الذي كتبه زوجها سعد الدين وهبة، وشاركها فيه عمالقة المسرح المصري، وأشادت سميحة بالمعالجة الرائعة التي قدمها الفنان محمد صبحي لهذا النص المسرحي بتقديمه مسرحية «سكة السلامة 2000». مؤكدة احترامها لمسرح محمد صبحي الذي يقدم المتعة إلى جانب الفكر والسياسة إضافة لتقديره عقلية الجمهور، وصرحت كذلك بأن ممثلي الكوميديا الجدد لا يضحكونها؛ لأنهم يقدمون كوميديا تجارية، فقد يعجبها الموقف وليس أداء الممثل، مشيرة إلى عودتها قريبا للوقوف على خشبة المسرح.

حيث تقوم ببطولة مسرحية جديدة يشارك في بطولتها الفنان عبدالرحمن أبو زهرة بجانب مجموعة من شباب المسرح القومي، وسيتم تقديمها في الموسم الصيفي 2010 بأحد مسارح مدينة الإسكندرية.

وأشارت إلى أن أحلامها قبل التمثيل كانت تنحصر في أن تكون راقصة باليه؛ حيث قالت: حين كنت طفلة كنت أغلق الباب على نفسي، وأمارس هواية رقص الباليه لأوقات طويلة دون ملل، لكن القدر غير اتجاهي حين سمعت في الراديو، عندما كنت في المدرسة الثانوية، أن معهد الفنون المسرحية يطلب آنسات للانضمام إليه، وأن الفتاة التي ستنجح ستحصل على مكافأة قدرها 6 جنيهات شهريا.

وقد كان المبلغ كبيرا في هذا الوقت، فبقيت أفكر في الـ 6 جنيهات، وماذا يمكن أن أفعل بها، وفي اليوم التالي ذهبت إلى المدرسة فوجدت صديقتي تقول لي إنها استمعت لإعلان المعهد، وظلت تلحّ عليّ حتى أذهب معها، فوافقت، وفي المرة الثانية داعبت الفكرة خيالي ورحت أحلم بأن أرتدي ملابس وأحذية مثل الفتيات اللاتي رأيتهن، وفجأة جاءني أحد أعضاء لجنة الامتحان وسألني: ماذا تفعلين هنا؟

فارتبكت بشدة، وقلت له: جئت مع صديقتي، فضحك وسألني: هل تحبين أن تمثلي؟ فقلت له دون تردد: نعم، فأخذني كي أؤدي الامتحان، وسئلت: لماذا تحبين التمثيل؟ فأجبت لأنني أحب يوسف وهبي، فطلب مني أن أؤدي مقطعا تمثيليا، فقلت لا أحفظ غير شعر باللغة الفرنسية.

وعندما بدأت في الإلقاء خفت وتلعثمت ثم بكيت، وكان عمري وقتها 14 عاما، وكان النظام يقتضي أن أكون في عمر 16 عاما حتى أحصل على مكافأة المعهد، فقبلوني طالبة مستمعة حتى أصل إلى السن القانونية فتحولت حياتي خلال هذين العامين تماما، وبالفعل التحقت بالمعهد وكانت زميلتي فيه الفنانة فاتن حمامة التي جمعتني بها صداقة قوية فيما بعد.

تذكر سميحة أيوب أول مرة وقفت فيها على خشبة المسرح؛ حيث كان ذلك من خلال فرقة زكي طليمات الذي أخبرها بأنها ستصبح إحدى أهم نجمات المسرح المصري والعربي، وأشارت إلى أنها تدين للإذاعة بالكثير من الفضل بعد النجاح الساحق الذي حققته في مسلسل «سمارة» الذي جعل الجمهور يحفظ نبرات صوتها ويميزها، وعلى الرغم من أنها قدمت نحو 70 مسلسلا إذاعيا عبر مشوارها الفني، فإنها لم تشعر بنجاح أي منها مثلما حدث مع مسلسل «سمارة».

زيجات فنية

وتحدثت عن حياتها الشخصية فقالت: لم أفكر في شيء غير التمثيل لكن شاء القدر أن أتعرف على الفنان محسن سرحان بحكم عملنا في أكثر من فيلم مثل «شاطئ الغرام» مع حسين صدقي وليلى مراد، فقد عرض عليَّ محسن الزواج فوافقت دون أن أتأكد من صحة مشاعري، ولم يستمر الزواج طويلا، فقد كنت أصغر منه بكثير، إضافة إلى غيرته الشديدة.

فتم الانفصال بيننا وبقيت 3 أعوام دون زواج ثم تزوجت للمرة الثانية من الفنان محمود مرسي، الذي كان عظيما من الناحية الإنسانية والفنية، فكنت أعشق الاستماع لمحاضرته في المعهد، وأحب أداءه كممثل وأبدى هو إعجابه الشديد بي كممثلة، وكانت مناقشتنا تستمر أوقاتا طويلة عن الفن والأداء التمثيلي، لكن تم الانفصال سريعا أيضا؛ لأنني أحببت الأستاذ والممثل وهو أحب قدراتي كممثلة.

ومن هنا أدركنا استحالة الحياة الزوجية بيننا وبقينا أصدقاء، وحزنت حين سمعت خبر وفاته، وقد اتخذت قرارا بعد الانفصال عنه برفض تام للحب والزواج، وتعاملت بعنف مع كل الرجال الذين سعوا للاقتراب مني إلى أن ظهر سعد الدين وهبة، فقد التقيته في بروفات مسرحية «السبنسة» في المسرح القومي.

حيث كان سعد يشغل منصب رئيس تحرير جريدة الجمهورية، وكانت مسرحيته الأولى التي عرضت قبل زواجنا هي مسرحية «المحروسة» التي لم يصادفها النجاح الذي كان يتمناه، وحينما حاول التحدث معي في البروفات أحرجته، ففوجئت به في المساء يتصل بي ويطلب التحدث معي، فانفعلت عليه وسألته: لماذا تتصل ومن الذي أعطاك رقم تليفوني؟.. فوجدته يقول لي إن هناك شيئا ما يريد أن يخبرني به بخصوص دوري في المسرحية، فطلبت منه أن يؤجل الكلام إلى الغد في بروفة المسرح؛ لكنه أصر على إكمال الحديث.

وراح يسألني عن سر رفضي التحدث مع أي رجل، وفجأة وجدته يقول لي: إن هناك من أخبرته باعتقادها أن هناك علاقة عاطفية بيني وبينه، فسألته: وكيف كانت إجابتك؟ قال: هذه تهمة لا أنكرها وشرف لا أدعيه.. فأعجبتني الجملة وكانت بداية حكايتي مع سعد الدين وهبة الذي استمرت رحلتي معه 34 عاما، ولم يفرق بيننا سوى رحيله.