شارع يتدفق في شرايينه ثلاثة ملايين شخص كل يوم، تتدفق في ذاكرته صور تجار البندقية وجنوى في العصور الغابرة، وذكريات العشاق والسهارى والفنانين والحالمين وحتى المتسكعين. أهالي جنوى رحلوا وتركوا بيوتهم في أسفل الشارع الذي سماه بناته الأوائل «بيرا»، ويسميه الاتراك منذ العام 1923 شارع الاستقلال.
انه أحد أهم الأمكنة السياحية جاذبية في العاصمة اسطنبول، ويأتيه الناس من جميع أنحاء العالم. رأسه عند ساحة «تقسيم» الشهيرة، حيث الحمام لا يفارق المكان، كذلك الباصات التي تأتي بالسواح والأتراك، و«تلفظهم» عند الساحة لكي يدلفوا الى الشارع، الذي لا يسمح للسيارات بالمرور فيه، اللهم الا سيارات البلدية، التي لا تتوقف عن تنظيفه ليلا ونهارا.و«أقدامه» عند «غالاطا»، حيث البرج الشهير لا يزال قابعا على آلاف الحكايات التي حدثت في مياه المضيق. على جانبيه، ابنية تاريخية يعود أقدمها إلى أكثر من مئتي عام، وتجسد عمارة متباينة، تختلط بين الأوروبي الايطالي والفرنسي والعثماني الشرقي.الكثير من الأبنية التي كانت في السابق سفارات ومدارس وأكاديميات وقواعد فكرية وسياسية أجنبية، لا تزال على حالتها، وان تغيرت وظيفتها. لكن التاريخ ليس الجاذب الوحيد للسواح الى هذا الشارع الذي يمتد على طول ثلاثة كيلومترات، اذا تختلف مآرب المتجولين ورغباتهم.البعض يأتي لمجرد النزهة، والتفرج على الأبنية والناس، والآخر تستوقفه محال الموضة والمطاعم والحانات والمقاهي، التي تتوزع على الجانبين. وهناك من يرغب بالتوغل أكثر، فيدخل الى الأزقة التي تتفرع من الشارع، وهي كثيرة ومتشعبة.
يقول غورهام أوزتورك، صاحب مكتبة «بنجي كتاب»، التي توجد في احد هذه الأزقة: «هناك ملايين الأشخاص الذين يسيرون على بعد أمتار من هنا. قلة من السواح يفكرون باختراق الأزقة، البعض منهم يصل الى دكان الكتب، ويبدو سعيدا انه في عالم آخر بعيدا عن الصخب».
في أزقة «الاستقلال» تتكدس عوالم متناقضة؛ طلاب يرسمون على الجدران احتفالا باسطنبول عاصمة الثقافة الاوروبية لهذا العام، نساء يشربن «الشاي» على مقاعد منخفضة، عاملون يرشون الماء قرب محالهم انتظارا لحفلات الليل، حيث يتغير المكان، ويرتاده أناس مختلفون عن اولئك الذين يأتون في الصباح.
عتبات تدلف على فضاءات تحت الأبنية تشبه الأقبية، بعضها مقاه والبعض الآخر حمامات، صالونات الحلاقة على الطريقة التقليدية تنتشر كثيرا، كذلك من المألوف، كما في مختلف أرجاء اسطنبول أن ترى الرجال (وحتى الشباب) يلعبون الطاولة.
الشباب، وخصوصا طلاب الجامعات، يفضلون هذا الشارع، ويستأجرون غرفا في البيوت التي تقع خلفه، في الأزقة. يقول الطان، طالب فنون: هذا شارع يحبه المبدعون، أستطيع أن اشعر بطاقة هائلة لمجرد التجول فيه، وأكثر الأوقات تفضيلا لديّ هي أوقات الظهيرة، اذ يتوافد الآلاف الى هذا المكان، وأشعر برغبة في مطالعة وجوههم وتأملها.
مشهد آخر يجذب الناس الى شارع «الاستقلال»، الذي يسميه الفرنسيون «لو غراند افنيو»، انه «الترامواي»، الذي يسميه الأتراك «تونيل»، ويعتبر ثاني أقدم ترامواي من نوعه في العالم، حيث انشأه العثمانيون في العام 1875، وسبقه ترامواي لندن.
تقول بيتي، وهي سائحة المانية: «جئت الى هذا الشارع مقتفية اثر الرحالة الألمان في القرن التاسع عشر. لا تزال الآثار الألمانية موجودة هنا، مثل أكاديمية التعليم العالي في اسطنبول». بينما تحب رشا، القادمة من لبنان بشكل خاص التجول في «ممر الورود» المتفرع عن الشارع: «أحب تلك الزهور التي تأتي بها القرويات من الريف التركي لبيعها للسواح».
لا تعرف رشا، على الأرجح، أن بارونات روسيا كانوا أيضا يبيعون الأزهار في هذا الشارع بعدما حولتهم ثورة 1917 من علية القوم الى فقراء. أيضا، يهتم المولعون بالسياحة الدينية بشكل خاص بزيارات المساجد والكنائس في هذا الشارع، والمقامات والأضرحة التي تتميز بتاريخ يعبق بالحكايات.
سوق السمك هو أحد الأسواق الموجودة في تفرع الشارع، وتجذب السياح، لكن أسعارها غير متهاودة، ويحتاج الزائر إلى أن يسأل قبل الدخول عن قائمة الطعام والأسعار بدقة. أيضا يشتري كثير من السواح «الحلويات التركية» المعجونة بماء الورد والمحشوة بالبندق واللوز، ومن المفيد هنا معرفة أن حجم العلبة التي تباع يكون في ظاهره أكبر من واقع المحتوى، لكن أسعارها متهاودة ولا تتجاوز اليوروات الثلاثة.
أما الإقامة الفندقية، فمؤمنة على طول الشارع، وهي عبارة عن فنادق «بوتيك»، وأخرى ذات نجوم ثلاث أو اربع، وتصلح غالبا للشباب، لكن الأفخم من بينها يقع في أعلى الشارع، عند ساحة تقسيم، ومن بينها فندق «مرمرة».
الذي يكثر فيه العرب بشكل خاص، ويتكلم جزء من طاقمه العربية، كذلك يتمتع بسعة بهوه، الذي زين بأثواب وفساتين نادرة عمر بعضها أكثر من مائة عام، وباطلالة رائعة على الساحة وأيضا مياه البوسفور.
ولهواة الفنادق ذات الحكايات المثيرة، يجب زيارة فندق «بيرا الكبير» في المنطقة، حيث كتبت الروائية أغاثا كريستي كتابها الشهير «جريمة في قطار الشرق»، وتطير «الخطوط الجوية التركية» يوميا، مرتين من دبي الى اسطنبول.
اسطنبول- الحواس الخمس

