بين النكتة والنكتة يقف حمادة سلطان، صاروخ الضحك الذي يصيب عدة أهداف في الثانية ومؤلف ال10 آلاف نكتة، وراء ستارة الابتسامة التي تركها على شفاه جمهوره؛ ليلوم نفسه على عدم الاهتمام بجمع المال وتكديسه، كما يهاجم مفاهيم هذا الزمن في الفن بعد أن احتُجبت عنه الحفلات والنجومية، ولم يعد يدعوه أحد ليلقي بنكاته كما كان يفعل منذ أواخر ستينات القرن العشرين.

إنه محمد محمد عبدالغني، المولود في أسوان بجنوب مصر في العام 1941، والذي جاء مع أسرته إلى القاهرة، وعاش في حي شبرا باحثًا في شوارع هذا الحي الشعبي عن الضحكات المرتمية على الأرصفة وفي وجوه أبناء الطبقة الوسطى.سلطان كأنه على موعد مع ضحكة مختزنة في داخله أرادت الأقدار أن تحملها إلى قلوب المصريين والعالم العربي.. حمادة سلطان يقصُّ حكايته وذكرياته من أول السطر حتى آخر نكتة.:كرسي الإذاعة:يقول سلطان: بدأت كهاوٍ من خلال مسرح المدرسة، وظهرت في ذلك الوقت «فرقة الدراويش» واشتركت فيها، وكانت الفنانة المعتزلة شادية من أعضاء هذه الفرقة؛ حيث كان للفرقة اسم كبير، فنمت موهبتي من خلال العمل بها، وأصبحت المسؤول عنها فيما بعد، وقد سعيت في البداية أن أكون مطربًا، فاشتركت في ركن الهواة بالإذاعة المصرية في العام 1955، وكنت أصغر هاوٍ في مصر لدرجة أنهم كانوا يضعون لي كرسيًا لكي أصل إلى الميكروفون.وقد عاصرت في هذه الفترة شخصيات مهمة في تاريخ الفن والإذاعة أمثال المطربين محمد العزبي، كمال حسني، ماهر العطار، ومن الإذاعيين علي فايق زغلول، وكنت أؤدي أغنيات عمر الجيزاوي.جاءت الفرصة لحمادة سلطان للتقدم لاختبار الإذاعة، فكانت نقطة الانطلاق الحقيقية من خلال مشاركته في برنامج «السامر» في إذاعة الشعب التي صارت ـ حاليًا ـ تسمى «القاهرة الكبرى»، وعن ذلك يقول: كان هذا البرنامج متزامنًا مع برنامج «ساعة لقلبك» الشهير بشخصياته الكوميدية المتعددة، ومن بين هذه الشخصيات «سلطان الجزار».

و«حسين الفار» اللذان علّماني فن النكتة وكيفية صناعتها، فقد كانا محترفين في ذلك، فالنكتة ما هي إلا نتاج موقف من مواقف الحياة، فكان سلطان يكتب والفار يؤدي وارتبطا بالعمل معًا، وعندما مات الفار ترك سلطان العمل، فلم يجد غير المقاهي ملجأً له، فاتجه للخمر والسهر، وكان يبيع ملابسه؛ لكي يجد ما يعيش عليه، وكان أحمد الجمل هو المسؤول عن أعماله في برنامج «ساعة لقلبك».

فكان ينظم له حفلاته، وكان يصحبني معه لهذه الحفلات وبعد الحفل يعطيني 50 قرشًا، وعندما ذهبت معه إلى فرح في منطقة شبرا، وجدت الفنان محمد رشدي يغني في الفرح، وبعد انتهاء الفرح أعطاني أحمد الجمل 25 قرشًا، وعندما اعترضت على المبلغ أخبرني بأن محمد رشدي يتقاضى 75 قرشًا، فسكت تمامًا.

كازينو «الفونتانا»

في مهرجان كبير بكازينو «الفونتانا» حضر 150 هاويًا، فحصلت على المركز الأول في مسابقة المهرجان، وعملت في هذه الفترة في كازينو «الأوبيرج»، وكان لا يدخله إلا الأثرياء، وصوَّرت أول شريط فيديو من إنتاج محمد عمارة، زوج سهير زكي، وتركت الطرب في هذا الوقت، فلا سبيل لمواجهة عمالقة الطرب، عبدالحليم حافظ، فريد الأطرش وغيرهما.

وظهرت بأغنية «دراويش القاهرة» على غرار «دراويش الإسكندرية» في العام 1957، وحصلت على جائزة الشباب وسلمها لي محمد درويش، صاحب فرقة الدراويش التي ظهرت في فيلم «لواحظ» إلا أنني قررت تغيير اتجاهي بعيدًا عن الغناء واتجهت إلى عالم النكتة بعد أن تعلمتها من سلطان الجزار.

مع الجزَّار

وحول خطواته الأولى في عالم النكتة قال حمادة سلطان: حاول المتعهد أحمد الجمل أن يقنع سلطان الجزار بالرجوع مرة أخرى للعمل بأن يشارك معي، وبالفعل تقبل سلطان الفكرة، وكان أول خبر نُشر في الجرائد أن سلطان يجد ابنًا له، وقدمنا حفلات كثيرة معًا، فكان أول حفل في برنامج «السامر»، ولسوء الحظ كان هذا هو الحفل الوحيد الذي لم يُسجل من بين 30 حفلاً.

كنت في تلك الفترة أتناوب العمل بين الإذاعة والكازينوهات، وكان أول أجر لي في الإذاعة بعد اعتمادي بها 5 جنيهات، ولكنني اعتُمدت كمطرب وليس ك«مونولوجست»، وابتكرت في هذه الفترة فكرة «النكتة السريعة» والموسيقى المصاحبة لها، واشتركت في الفترة الترفيهية في العام 1957.

بديل «الضيف»

كان سلطان في هذه الفترة يحارب من كثيرين بغرض إبعاده عن المسرح إلا أن نكاته كانت مؤثرة لدرجة أن انهالت عليه العروض والعقود لإحياء حفلات في الدول العربية، ومثل مصر في مهرجانات عديدة، وشارك في كثير من الأفلام السينمائية مثل «خلف الأسوار»، «الجنة تحت قدميها».

وكانت هناك مساعٍ لضمه إلى فرقة «ثلاثي أضواء المسرح» بعد رحيل الفنان الضيف أحمد، لكنه اعتذر بسبب ارتباطه بالعديد من الحفلات واكتفي بعروض بسيطة، أما المسلسلات فقد اشترك في «دلوعة يا بيه»، مع هويدا ابنة الفنانة صباح، و«نادي الخالدين»، لكنه تركت كل ذلك ولم يكمل؛ بسبب كثرة سفره إلى الخارج لارتباطه بإقامة حفلات خاصة.

الريّس مِتْقال

ويتذكر حمادة سلطان بعض المواقف المؤثرة في حياته فيقول: تعرضت في فترات كثيرة من حياتي إلى الاحتياج المادي على الرغم من الحفلات الكثيرة التي كنت أحييها، كما أن مبادئي منعتني من كسب الأموال عن طريق السب واللعنات، فقد فوجئت بمصريين يطلبون مني السفر إلى لندن لإحياء حفل، واشترطوا فيه أن أشتم العراق الشقيق.

وكنت سأتقاضى مبلغًا خرافيًا لكنني رفضت، فمن غير المعقول أن يكرمني العراق على أراضيه وأقوم أنا بسبه من الخارج، كما طُلب مني أكثر من مرة الذهاب إلى إسرائيل، وكان المطرب الشعبي «الريس متقال» مدعوًا هو الآخر لزيارة إسرائيل وإقامة حفلات هناك، فسألني قبل أن يقرر: هل ستسافر؟، فقلت له: لا، فأقسم:«عليَّ الطلاق بالتلاتة ما أنا رايح».

تقليد السِّت

التقيت للمرة الأولى بسيدة الغناء العربي أم كلثوم، صاحبة الفن الراقي الذي تعلم منها المعاصرون وكل مَن أتى بعدها، في زفاف السيدة هالة ابنة الشاعر أحمد رامي في مايو 1967 قبل نكسة يونيو بشهر، ووقتها أرسلوا إليَّ وقالوا: «أم كلثوم تريدك»، فلم أذق النوم ليلتها، فقد اختارتني أم كلثوم بالاسم، وعندما وقفت أمامها قالت لي:

«حافظ على الناس، تحافظ الناس عليك»، وقد حاولت تقليدها ذات مرة دون أن أخبرها، فقدمت جزءًا من أغنية «إنت عمري» بطريقة فكاهية ساخرة وكانت أم كلثوم في الكواليس، وعندما استمعت إلى ضحكات الجمهور غضبت، فهربتُ من الحفل لكنني في اليوم التالي فوجئت بها تتصل بي لتسألني عن سبب اختفائي بعد الوصلة، وتعجبت عندما أخبرتني بأن الفقرة أعجبتها، وطالبتني بتكرارها في جميع الحفلات.

أما علاقتي بالفنان إسماعيل يس، فلا يتسع الوقت لذكر تفاصيلها، فقد التقيت به في حفل «أضواء المدينة»، وقدمني على مسرح «البالون»، وقال عني: «يسعدني أن أقدم لكم هذا الشاب الذي سيحمل لواء النكتة في العالم العربي»، وقد امتدت علاقتي به لمدة 38 عامًا، وكنت أستمع إليه في أواخر أيام حياته وهو يقول:

«الفن لا يقدِّر أبناءه». كذلك ارتبطت بالفنان محمود شكوكو لمدة 38 عامًا ولازمته في رحلة مرضه، وكان يعتبرني مثل ابنه، وكانت له طقوس غريبة في حياته مثل أنه لا ينام بجوار أحد، وكان يحب النظام في كل شيء، إضافة إلى خفة ظله التي لا نظير لها.

أخطبوط

وقد كانت الفنانة وردة تسميني «الأخطبوط» بعد تجربة لها في حفل مشترك معي، فقد غنَّت وصلتها الأولى، ثم خرجت أنا على المسرح لأقدم فاصلاً قبل أن تعود لوصلتها الثانية، إلا أن الصالة قد فرغ نصفها بعد فقرتي، وعادت وردة لتغني فوجدت نصف الجمهور قد غادر المسرح، وقد تعلمت وردة من هذا الموقف، فحين سافرت معها إلى سويسرا لإحياء حفل خاص بأمير عربي، أصرت في هذه الليلة على أن الفنانين المشاركين جميعًا يغنون أولا، ثم يكون الختام بحمادة سلطان، وأخبرت الجميع بأنني ألتهم الجماهير حين أقف كالأخطبوط على المسرح.

أما فريد الأطرش فكان شخصية مثالية، وكنا نعرف أنه لا يمكن لأي فنان مبتدئ أن يدخل صالون فريد الأطرش إلا ويخرج منه نجمًا مثلما حدث مع هاني شاكر عندما قدمه محمد الموجي لفريد الأطرش؛ لكي يأخذ رأيه فيه، ومن بعدها انطلق هاني شاكر وكنت حاضرًا هذا اللقاء، كذلك كان الموسيقار عمار الشريعي موجودًا؛ ليعزف على آلة «الأكورديون» في بداياته الفنية، فقد كان منزل فريد الأطرش يجمع الموهوبين، وكان بيتًا أنيقًا، جدرانه مرصعة بسيوف من الذهب.

آخر نكتة

لقد كانت تربطني صداقات قوية بالمونولوجست «فيتا صالح» التي كانت بديلة للفنانة ثريا حلمي، وكان من المفترض أن تغني أغنية «بتسأل ليه عليا» من لحن فؤاد حلمي الذي علَّمني الموسيقى، لكن فايزة أحمد أعجبت بالأغنية فغنتها، كما غنى عبدالحليم أغنية «ظلموه» بدلاً من الفنانة ليلى مراد، فقد عشت في زمن غني بالمواهب، فكان من حظي الحصول على ألقاب عديدة.

واحد «بلدياتنا»

يقول سلطان عن الرئيس السادات: كانت تجمعني بالسادات علاقات طيبة وذكريات كثيرة من بينها حدوث مشاجرات وجرائم قتل بين «الصعايدة» و«الفلاحين».

وكان آخرها مذبحة في العام 1976، وفوجئ السادات بأن سبب هذه المعارك هو «النكات» التي يطلقها كل طرف على الآخر، فوصل الأمر إلى السادات الذي أرسل لي عبدالحميد رضوان، وزير الثقافة؛ لإخباري بأن الرئيس السادات منزعج جدًا بسبب هذه النكات، وطلب مني تغيير هذه الموجة، وبالفعل أقلعت عن كلمة صعيدي أو فلاح في النكتة، واستبدلتها ب«مرة واحد بلدياتنا».