يوم الخميس مميز عندنا، فالطعام يكون مختلف النكهة إذ تحرص أمي في هذا اليوم على أن تطبخ بشكل مميز لأنه موعد عودة أخوتي الذين يدرسون في أبو ظبي إلى البيت، فأشعر أن طعام أمي يكون ألذ وأطيب، وهي تكون مسرورة في المطبخ وكأنها تطبخ للمرة الأولى في حياتها.
هكذا تصف مريم الأشخري - طالبة طهي أمها وتغيره حين تطهو لأبنائها الغائبين، فالطعام يرتبط بالمحبة وهو طريقة للتعبيرعن الاهتمام بالآخر، ولا يكفي الاتقان وحده لإعداد وجبة شهية، وهو ما تؤكده مريم عن نفسها قائلة : تعلمت الطهي من أمي وتفوقت عليها، ولكنني لا أستطيع الطهي بمهارة الا حينما أرغب في إعداد طعام مميز، فلا يمكنني أن أتعامل مع الطهي على أنه واجب، وفي البيت الكل ينتظر المعكرونة بالبشاميل التي أعدها لهم.
والطهي لمن نحب يشكل حالة عاطفية خاصة، يمكن أن تجعل من وجبة بسيطة جدا غاية في اللذة إذا ما تم إعدادها بحب، لذا يكون أكل الأمهات طيبا عند الأبناء لا يقارنونه بأي طعام آخر، فسالم بدر - موظف لم يستطع أن يحب طعام زوجته في بداية زواجهما لأنه كان يقارنه بطعام والدته، لكنه مع مرور الوقت بدأ يدرك أن المرأة التي تحبه تبذل جهدها لتقدم له الطعام الذي يحب.
وهو يتذكر تلك الأيام قائلا : كنت في بداية شبابي ولم أكن أدرك صعوبة تلك المقارنة على زوجتي التي تحاول إجادة الطهي من أجلي، لكن والدتي نبهتني إلى أنه يجب أن أكف عن تلك المقارنة، وبدأت بالفعل أشجع زوجي وامتدح طعامها فصارت تطبخ بشكل مميز حتى صارت أمي تتباهى بطبخها أمام الضيوف.
وتلك ليس حال سالم وحده وانما حال أبناء وبنات كثيرين يعشقون طعام أمهاتهم ولا يرون ما هو أفضل منه، فكليثم الدرمكي طالبة تقول : أنا لا أعرف الطبخ ولا علاقة لي به، لكنني أحب طعام أمي ولا يمكنني الأكل إلا من يدها، وأشعر أن أمي هي الأفضل في اعداد الطعام.
وقد لاحظت أن طعامها يكون أطيب إذا زارنا أحد من أخوالي، فهي تعد لأخوانها وجبات مميزة وتحتفي بهم ويكون الطعام بوجودهم حدثا مهما، وهي بطبيعتها تحب أن تطهو لنا ما نحب فإذا رأت أننا أحببنا وصفة معينة تعيدها لنا عدة مرات حتى نقول لها كفى، وأنا أعرف أن كل ذلك نابع من حبها لنا.
ويمكن لكثير منا أن يميز الطعام المعد بحب ورغبة عن الطعام الذي يكون قد تم طهوه من باب رفع العتب، فأميرة قاسم - طالبة جامعية تقول : أمي تطبخ بشكل جيد وأنا أحب طهوها، لكنها حين تكون مريضة أو في مزاج سيء يكون طبخها غير لذيذ أبدا.
وأنا أطبخ بشكل جيد لكنني حتى الآن لا أجيد طهو الأرز مع ذلك فأنا أعد الحلويات المميزة بشكل خاص لأخي حين يأتي لزيارتنا وهو يحب طعامي أكثر من أي طعام، كذلك يعتمد أهلي عليّ في اعداد الحلويات والمعجنات للضيوف.
ليلى علي أحمد ربة بيت وأم لعدة أبناء تؤكد أن الطعام يكون مختلفا مع أنها تستخدم المكونات نفسها حين يكون عندهم ضيف عزيز أو تكون لديها رغبة بالطبخ، قائلة : سبحان الله أحيانا الطبخة نفسها لكن طعمها يختلف تماما حين أعدها لأحد اخواني حين يزورنا، وقد كان ابني يدرس في الجامعة خارج البلاد وحين يزورنا في الإجازة أكون هيأت نفسي لإعداد وجبات مميزة له.
وعادة يلاحظ أبنائي وبناتي الأخرون هذا الأمر فتبدأ التعليقات الغيورة على الطعام وهمٌ يؤكدون لي أن الطعام يكون أطيب بوجود أخيهم، وربما كان هذا الأمر صحيحا لأني أفكر به طوال الوقت وأتمنى لو أني قربه لأعد له الطعام، وأنا الآن أحاول تعليم بناتي فن إعداد الطعام لأنهن سيجدن أنفسهن بحاجة إلى تلك الخبرة في المستقبل.
والناس عموما تقول الطعام نفس، أي أن هناك خصوصية بين الأشخاص في اعداده وهو كذلك يقدم نوعا من التواصل الاجتماعي كما تشير اليه الباحثة الاجتماعية سحر الهاشمي ، حيث تقول : لم يعد تناول الطعام يعبر عن الرغبة في الأكل وسد الجوع فقط وانما هو وسيلة تعبيرعن الحب والتقدير وكرم الضيافة.
كذلك الاجتماع على وجبات الطعام يعد طريقة تواصل جيدة لذا نجد أن أماكن تناول الطعام سواء في البيوت أم المطاعم تشكل أهمية خاصة تأخذ أبعادا جمالية كثيرة.
وغالبا من تكون العاطفة ظاهرة في الوجبات المعدة للأبناء وللأهل والضيوف المقربين، فالمرأة تجتهد في أن تكون دقيقة في وصفات الطبخ التي تعدها لأحبتها في محاولة لإسعادهم لذا تكون الوجبة مميزة ويلاحظ المحيطون بها تميزها لأنها أكثر اتقانا وجودة.
دبي - دلال جويد
