لا يأتي في بال أحدنا الجهود التي بُذلت لنشاهد برنامجًا على أي من القنوات الفضائية، والتي يظهر فيها الإعلامي اللامع صاحب الأجر الكبير، فلا يمكننا وقتها التفكير في كل عامل أسهم في ظهور العمل وتقاضى مقابل ذلك أجرًا زهيدًا، على الرغم من صعوبة اكتمال العمل دون جهوده.
لكن الشهرة والأموال تذهب لمقدم البرامج وبالطبع لشركات الإنتاج التي نفذت وصرفت القليل وحصدت الثروات بعد بيع هذه البرامج للقنوات التليفزيونية، فهل يستمر مسلسل امتصاص دماء الواقفين وراء تنفيذ هذه البرامج لصالح صاحب رأس المال المنتج؟، كيف نُقيم الأزمة؟، وإلى أي مدى تؤثر في العاملين بهذه البرامج؟..الهوة الواسعة بين أجور العاملين على إعداد البرنامج وأرباح شركات الإنتاج تثير التساؤلات، فنسمع عن حصول مقدم البرامج على مبلغ مالي ضخم أو حصول جهات إنتاجية على مبالغ خيالية لقاء بيع برامجها إلى قناة فضائية، لكننا لا نفكر بفريق العمل الذي يتقاضى بالكاد ربع ما يجب أن يتقاضاه.على الرغم من أنه وراء هذا العمل الكبير، فيتقاضى هؤلاء المغلوبون على أمرهم بضع مئات من الجنيهات، في حين يتقاضى الآخرون النجوم أمام الكاميرات مئات الألوف وأحيانًا الملايين، كذلك تستفيد شركات الإنتاج التي تستهلك عامليها وتمتص دماءهم بثمن بخس نتيجة بيع برامجها لفضائيات عربية.
أزمة توزيع أدوار
يعلق الإعلامي جمال الشاعر بقوله: «هناك عدم عدالة في توزيع الأموال والأدوار، فهؤلاء العاملون في شركات الإنتاج يؤدون أكثر من عمل بما يستنفد طاقاتهم، ولا يستفيدون بقدر ما يقدمون، في حين يكون المستفيد الأول مقدم البرامج النجم وشركة الإنتاج التي تدير الجميع برأس المال المتحكم.
وهذا ليس عدلاً، ولا يمكن فهم كلامي باعتباره دعوة لتساوي الأجور، ولكن لا بد أن يتم تقييم مستوى البرامج وتوزيع الأدوار بشكل متوازن، كما يجب أن يكون هناك تفاوت في الأجور حسب هذه الأدوار والمسؤوليات».
مكافآت زهيدة وشروط جبارة
بينما تؤكد المذيعة هبة الأباصيري أن هذه المشكلة من الممكن أن تمتد أذرعها لتطال بعض مقدمي البرامج أيضًا، وليس العاملون من مخرجين أو مصورين أو معدين أو غير ذلك، وبالتالي لا بد من حلٍ لهذه الأزمة التي يحتكر فيها رأس المال جهود العاملين تحت لوائه، والذين يكونون فريق عمل البرنامج، ويستحقون المشاركة في الربح..
تضيف: «لقد استغل بعض أصحاب رؤوس الأموال الأزمة الاقتصادية العالمية وقلة فرص العمل في مجتمعنا النامي؛ ليفرضوا رواتب ومكافآت زهيدة مقابل اشتراطهم مجهودات جبارة في العمل، إضافة إلى ارتفاع عدد ساعات العمل بشكل لا يتناسب مع الطبيعة البشرية، ولا يتوافق مع المعدلات الصحية للعمل، الأمر الذي يضطر فيه العامل، أي كانت وظيفته وقيمته، إلى قبول ما يُفرض عليه، حتى يستطيع إكمال دوره في الحياة في ظل تزايد المسؤوليات الأسرية عليه».
إضراب منع الاستغلال
أما محمد المولى، مسؤول التسويق الخارجي لمدينة الإنتاج الإعلامي، فيؤكد أن أي عمل فني يعد صناعة تحقق هدفها الفني والمادي، وبالتالي فمسألة بيع البرامج من قبل الجهات الإنتاجية لجهات أخرى بأسعار مجزية أمر طبيعي، لكن الجميع يرفض استغلال جهود العاملين وعدم إعطائهم ما يستحقون من أجور طالما أن الأمر مبنيٌّ على حصول كل شخص على ما يساوي جهده ومسؤولياته..
أضاف أن المنتج السينمائي مثلاً عندما يعرض فيلمه في السوق ويحقق إيرادات ليس مطلوب منه أن يوزع مكسبه على جيوب من عملوا في الفيلم، بل مطلوب منه أن يعطي كل شخص مستحقاته أثناء العمل حسب دور محدد لكل منهم سلفًا..
مشيرًا إلى أن الضغط الذي تمارسه بعض شركات الإنتاج على عاملها لا يقتصر فقط على الشركات الخاصة، بل إن العاملين بالحكومة أيضًا يتعرضون لمثل هذه الضغوط بدليل الإضرابات التي يقوم بها عمال كثير من الشركات في مجالات مختلفة، ويبدو أن الأزمة الاقتصادية والأوضاع الاجتماعية تلعب دورًا في استمرار هذه المشكلة، ما يسبب رضوخ البعض للأمر والوقوف عند حد الشكوى الشفهية فقط.
ولا حل من وجهة نظره لرفع مثل هذا الظلم عن فريق العمل في الشركات الإنتاجية إلا من خلال إضراب لمنع الاستغلال، وقتها فقط سيضطر أصحاب هذه الشركات إلى إعادة تقييم الأوضاع، ورفع مستوى الأجور للعاملين أصحاب الربح الحقيقي، ما يقدم استثمارًا في العنصر البشري وليس احتكارًا لمجهوده..
أزمة عالمية
ويؤكد كريم دياب، أحد معدي البرامج، أن مسألة حصول بعض العاملين والموظفين في البرامج على أجور ضعيفة رغم ما تحققه هذه البرامج من نجاح أو رغم بيعها بأموال طائلة، أزمةٌ لا نهاية لها، فعندما ظهرت الأزمة الاقتصادية العالمية كانت هناك قرارات من بعض أصحاب هذه البرامج والقنوات بتخفيض الأجور وإيقاف أجور البعض، رغم أنه من الممكن أن يكون هناك عائد لهذه البرامج.
وإلا تم إيقاف البرنامج نفسه، لكن بكل أسف فالأزمات الاقتصادية لا يقع عبؤها إلا على العامل أو المصور أو الموظف، أما صاحب رأس المال فدائمًا ما يكون في موقع الرابح.. ويضيف دياب أن استغلال المعد والمخرج والمصور والمونتير الذين ينفذون العمل بالفعل سيستمر طالما أن سياسة الإنتاج مستمرة في منهجها التجاري وعدم إعطاء كل ذي حق حقه..
عرض وطلب
في حين يرى المنتج جمال مروان أن مسألة بيع أو شراء البرامج ليست لها علاقة بالعاملين، فلا يمكن أن يرضى أحد أن يُستغل أو يحصل على أقل من حقه؛ لأن ذلك ليس في صالح الجهة المنتجة، فهذه السياسة ستقلل من جهد العامل وإخلاصه، فنحن في عمل يتطلب الإبداع والتفاني في تقديم الأفكار والتنفيذ المتقن لكل شيء، فلو تم استغلال أحد أفراد فريق العمل في أجره فلن يقدم أي شيء لصالح العمل، ما يعود سلبيًا على العمل ككل..
أضاف أن مسألة الأجور تحددها مسؤوليات كل شخص ودوره، وليس له علاقة ببيع جهة إنتاجية لبرنامج أو قناة، أو حتى ما يحققه أي عمل من نجاح، فهذا أمر منطبق على الجهات الإنتاجية الخاصة أو الحكومية، فالموضوع محكوم بالعرض والطلب، وعلى أي فرد من أفراد العمل أن يبحث عن مصلحته في مكان آخر إذا وجد أنه مهضوم الحق في الشركة التي يعمل بها.
سيادة المنفعة الفردية
وتعلق د. نسرين بغدادي، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية بقولها: «إن الكلام عن استغلال أي عامل يقف وراء نجاح الواقفين أمام الشاشات قد يعيدنا للحديث عن الرقيق بعد إلغائه بقرون، فقد عاش الإنسان فترات طويلة من الزمن يحارب فكرة الرق والاستعباد، لكن يبدو أننا في عصر استعباد من نوع آخر تتم فيه العبودية برضا الطرفين، العبد والسيد، ويقتنع المجتمع بهذه العبودية الرأسمالية.
فيقف موقف المتفرج المقهور على المشهد، فما يحدث من سلوك احتكاري لمجهود وموهبة البعض يؤكد سيادة المنفعة الفردية لصاحب رأس المال، ما يلقي بظلال نفسية سيئة على العاملين الذين يشعرون بسلب حقوقهم، فلا بد أن يعلم أصحاب الأعمال الاستثمارية أن خير استثمار ليس استثمار الذهب والفضة، وإنما الاستثمار في الفرد نفسه، وأول خطوة للاستثمار فيه أن يأخذ ما يساوي جهده وموهبته، خاصة في الأعمال التي تتطلب نوعًا من الإبداع».

