العمل المنظم وعدم الإجهاد المستمر البوابة الذهبية للانجاز، ويؤكد ذلك الفيلسوف الأميركي هنري ثورد في ملاحظته الجيدة التي تقول: «إن الإنسان الذي يعمل بكفاءة حقيقية لا يزحم يومه بالعمل»..

وفي المقابل نرى أشخاصا يفقدون الشخص السيطرة على كافة جوانب حياتهم ويقضون يومهم كاملا منذ استيقاظهم وحتى وقت ذهابهم للنوم وهم غارقون في العمل على حساب صحتهم وعلاقاتهم العائلية والإنسانية، وهم يشعرون خلال هذا كله بالقلق والتوتر العصبي لإحساسهم بأن كل ما يبذلون ـ رغم اجتهادهم ـ هو غير كاف !«الحواس الخمس» يسلط الضوء بين هذه السطور على إدمان العمل الذي تكون نتائجه أمراضا كثيرة مثل ضغط الدم وقرحة المعدة والصداع النصفي.:زوجة تشكو إدمان زوجها ::وفي هذا الإطار يقول علي أحمد - موظف في دائرة حكومية وصاحب مشروع خاص : تشكو زوجتي حرصي على العمل بأنه إدمان، وتتهمني بإهمال بيتي وأبنائي، مُتناسية بأني أعمل من أجل تأمين مستقبل الأسرة في نهاية الأمر.:طفح الكيل ::أما «أم حامد» فتقول بمنتهى الضيق : طفح بي الكيل عندما جاء موعد عطلة زوجي وقرر أن يتنازل عنها ويتركنا نسافر دونه لانشغاله بتفاصيل مشروعه في العقارات،أعرف أنه يحب عمله كثيراً لكن هذا غير طبيعي فهناك من هو مجتهد في عمله ويقضي مع عائلته أوقاتا سعيدة أكثر منه.

مفارقة مُضحكة:

المفارقة المضحكة التي يذكرها المُوظف نبيل عبدالكريم أن غالبية الموظفين يفرحون كثيراً بالإجازة ويعتبرونها مكافأة مستحقة لهم، إلا الأشخاص المدمنين على العمل فإنهم يتعاملون مع العطلة كعقاب لهم، ويحاولون بشتى الطرق تفادي هذا العقاب، وهم يخترعون مبررات عديدة وأسبابا كثيرة حتى لا يذهبوا في إجازة !

إدمان العمل يقتل 355 يابانياً :

ازداد عدد الوفيات الناجمة عن الإفراط في العمل في اليابان على الرغم من حملة حكومية للحد من نظام الساعات الإضافية المنتشر إلى حد كبير في المؤسسات، وأعلنت وزارة الصحة اليابانية أن حوالي 355 موظفاً أصيبوا بأمراض خطيرة أو توفوا لهذا السبب.

ومن أصل هذا العدد توفي 147 موظفاً إثر الإصابة بجلطة دماغية أو أزمات قلبية، ووفاتهم مرتبطة بالعمل المفرط وهي ظاهرة باتت تشكّل آفة اجتماعية حقيقية خلال مرحلة النمو الاقتصادي الكبير الذي سجلته اليابان بعد الحرب.

وقد ازداد الضغط خصوصاً على الشبان الموظفين المناوبين الذين يتنامى عددهم في اليابان كما أكّد ميكيو ميزونو المحامي المتخصص في شؤون الوفيات بسبب العمل.ولفت هذا المحامي إلى أن الشبان ممن تتراوح أعمارهم بين 20 و30 عاماً ما زالوا يتمتعون بالحيوية ويميلون إلى تجاوز حدود قدراتهم.

وهم يصابون باضطرابات قلبية مما قد يؤدي إلى الوفاة، والإفراط في العمل هو السبب الوحيد الذي يفسر ذلك.وقد حاولت السلطات مكافحة هذه الظاهرة من خلال تشجيع الموظفين خصوصاً على أخذ عطل لتكريس أوقات لعائلاتهم.

وأفادت دراسة أخرى بأن العمل طوال الوقت وعدم وجود وقت للترفيه يحول الإنسان إلى شخص متبلد الحس وغير سعيد.وخلصت الدراسة التي أجريت في سنغافورة إلى أنه كلما كان الانسجام بين العمل والحياة أفضل كانت النتيجة إيجابية في كل مظاهر الحياة.

إشارة لمدمن العمل

ربما لم تعترف لنفسك بهذه الحقيقة، ربما أنت تشعر بالرعب إذا أخذت يوماً اجازة، ان شخصاً آخر سوف يحتل مكانك، أو يكتشف المديرون أنه يمكن الاستغناء عنك..ربما تخاف أن تكتشف حقيقة أنك لست مهماً لهذه الدرجة.

ربما كل ما تفعله هذا هو محاولات مضنية للتغطية على رسائل سلبية تتردد داخلك منذ الطفولة وتتهمك بعدم القيمة أو الأهمية، أو ربما صرت مدمناً لكلمات الإعجاب والإطراء ولا تستطيع الحياة بدون هذه الكلمات. حتى أنك ضحيت بزوجتك وأولادك على مذبح هذا الإدمان القاتل، وتخاف من يوم تسكت فيه هذه الأصوات إذا توقفت عما تقوم به أو صار الذي.

تقوم به عادياً يقوم به أشخاص آخرون بكفاءة لا تقل عن كفاءتك. الشك في النفس والصورة السلبية عن النفس، والخوف من الرفض هي المشاعر التي تحرك الرغبة في السيطرة والرغبة في السيطرة بدورها هي وقود الإدمان ولكن النتيجة النهائية المحتومة هي فقدان السيطرة.!

يتحتم على العامل في إجازته ألا يتناول الموضوعات المتعلقة بالعمل خلال لقائه بأسرته، وإغلاق أجهزة الهاتف المحمول خلال هذه الأوقات إلزامي، بالإضافة إلى ممارسة الرياضة بانتظام ولو لمدة نصف ساعة يومياً، والاسترخاء لفترة مماثلة.

دبي - جميلة إسماعيل