«لو لم أكن مترجمة فورية؛ لتمنيت ان أكون مخرجة أفلام وثائقية، حيث إنني نشأت في بيئة إعلامية، وبين أحضان أسرة تنتمي لهذا الوسط، إلا أن مهنة الترجمة الفورية أتاحت لها فرصة السفر وزيارة بلدان عدة، تعرفت خلالها إلى معالمها، وحملت معي كاميراتي الخاصة.
أكتب شهادة ميلاد الأشياء الجميلة التي أمر عليها، وألتقط روح المكان مثلما ألتقط بترجمتي روح المتحدث»، بتلك العبارات المقتضبة عبرت، ريم عويس، عن مشاعرها وإحساسها إيذاء مهنتها، التي ترى أنها مظلومة في العالم العربي، في حين أنها تأخذ مكانتها الطبيعية في العالم الغربي.ريم عويس، مترجمة محلفة، وعضو الرابطة الدولية للمترجمين الفوريين، أحد الجنود المجهولين وراء نجاح المؤتمرات والندوات، التي تنعقد بصفة رسمية أو شخصية، فهذه المؤتمرات، على حسب تعبيرها، تهتم بنقل ثقافة الآخر، والتعرف إليه، وهي «نافذة ضرورية إلى حوار ثقافي، يؤمن بالتعددية والاختلاف في الفكر والرؤى».ريم التي في جعبتها ترجمة أكثر من 500 مؤتمر لمختلف الشخصيات من بينها رؤساء دول ووزراء وعلماء، نقلت بيدها وعبر ترجمتها رواية «ترمي بشرر» للروائي السعودي عبده خال، الحائز على جائزة البوكر العربية في الرواية عن روايته تلك، إلى العالم الغربي.وترى عويس أن الثقافة والسرعة والصوت الرخيم والأداء السليم والذكاء والثقة بالنفس وحفظ الأسرار من أهم مقومات المترجم الفوري الناجح، الذي من المفترض أن ينقل الرسالة بأسلوب جذاب، وصوت إذاعي متدرب، إضافة إلى أنه لابد أن يتجرد من ميوله وأهوائه حتى يكون منصفا مع من يترجم له حتى وإن اختلف معه.
عويس التي تتغير وجوه المحاضرين بين مؤتمر وآخر، إلا أن هذا الوجه يبدو مألوفا بين الكثير من المؤتمرات، تقول ردا عن سؤالنا؛ هل مهنتك تجعلك في عمق الأحداث، أم تجدينها مجرد وظيفة سرعان ما تنتهي منها بانتهاء الحدث: مهنتي تجعلني دائما في قلب الحدث، حيث إنني أنقل رسالة معبأة بالمشاعر والأحاسيس، بكل صدق وشفافية، وهي تجعلني على اطلاع دائم على ما يحدث في العالم أول بأول.
وإذا كانت الرياضة قوام الجسم السليم؛ فعويس ترى أن الرياضة الذهنية هي السبيل إلى الاحتفاظ بلياقة عقلها والاحتفاظ بحضورها، إضافة إلى الدراسة والقراءة بصفة مستمرة، تقول: الدراسة مرحلة مهمة جدا في حياة المترجم، فقد درست 7 سنوات، وحصلت على ماجستير في الترجمة.
بعدها جاءت مرحلة التمرس في مختلف المؤتمرات والندوات والأحداث المختلفة، كل هذه الأمور عملت على ثقل مهاراتي كمترجمة، إضافة إلى أنني دائمة القراءة في مختلف الثقافات العالمية.
لا توجد مهنة خالية من المصاعب والمشاكل؛ الامر الذي لا تخفيه عويس حيث ترى ان بعض المتحدثين يتمتعون بقدرة على التلاعب بالألفاظ، وحول هذا المأزق تقول: هناك صعوبات خاصة في الترجمة السياسية، فبعض المتحدثين بعدما يقومون بتصريح معين، ويرون أنه أثار غضب الموجودين في القاعة، يلقون بالخطأ على المترجم.
وهذا يحدث في أحيان كثيرة، الأمر الذي جعل منظمة الأمم المتحدة تقوم بحماية المترجم من خلال تسجيل الجلسات والخطابات التي تقام، وإذا تراجع المتحدث عن تصريحاته، فيقومون بإعادة سماع الحديث مرة أخرى؛ للتأكد من صدق كلامه.
في أحيان كثيرة يلقي المتحدث خطابا يحمل أفكارا مشتتة ومعقدة؛ وإيذاء ذلك على المترجم إن ينقلها بأسلوب واضح ورصين، تقول عويس عن ذلك: في البداية يمكن للمترجم أن يخطئ.
ولكن مع الخبرة تتلاشى هذه الأخطاء، ويحاول نقل الأفكار حسب الثقافة سواء كانت عربية أو انجليزية، فمن الناحية الفنية يقوم المترجم بثلاث خطوات في الوقت نفسه، تبدأ بتلقي الرسالة من المتحدث، ثم التفكير فيها، وفهمها ثم توجيهها بلغة أخرى غير التي تحدث بها المتحدث.
وحول أهم الصفات التي يجب أن تتوافر في المترجم الفوري، تقول ريم عويس: لابد من توافر الثقافة والسرعة والأداء السليم والذكاء والثقة بالنفس وألا تكون الترجمة خالية من الأحاسيس التي تنتقل بدورها للمتلقي فتؤثر فيه، وعلى المترجم أن يتابع الجديد في المصطلحات اللغوية، وعليه أيضاً أن يتابع الأحداث الجارية، ويتابع الأخبار المحلية والعالمية أولاً بأول.
ولكن للأسف هناك متطفلون كثر في مجال الترجمة الفورية، وربما كان هذا أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت هذه مهنة مظلومة، ولم تأخذ حقها حتى اليوم في بلداننا العربية، ومن المواقف المضحكة والمؤلمة في الوقت ذاته.
والتي تعكس حال المترجم، هو فيلم «المترجمة الفورية» الذي تمت ترجمته عنوانه في مصر إلى «مغامرة في مبنى الأمم المتحدة»، حتى يكون أكثر جاذبية للمشاهد، وعلى العكس تماما هناك احترام وتقدير لهذه المهنة في أوروبا.
تعد مهنة الترجمة الفورية مهنة حساسة لا تحتمل الخطأ مما يجعلها مليئة بالصعوبات، وحول أصعب المواقف التي صادفته عويس أثناء عملها، تقول: أثناء ترجمتي للروائي السعودي عبده خال الحائز على الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر».
وذلك عن روايته «ترمي بشرر»، بدأ جسدي في الارتعاش وارتفعت درجة حرارتي، ولكنني تمالكت نفسي حتى عدت إلى البيت وتناولت دواءً.
ريم على الرغم من أن يومها دائما مشحون بالمتحدثين وجدول أعمالها اليومي، لا تخفي أنها مثل أي امرأة عاملة تعاني من التوفيق بين اسرتها وعملها، تقول: محاولة الموازنة بين العمل والأسرة، أمر تعاني منه معظم السيدات العاملات، وليس قاصرا على المترجمة الفورية، ومن جانبي أحاول أن أكون عادلة ولا يطغى جانب على آخر.
يقولون دائما ان على المترجم أن يكون متجردا من أهوائه وميوله حتى يكون منصفا في نقل ما يسمع، ولكن أحيانا تكون هناك مؤتمرات تحمل طابعا إنسانيا؛ الأمر الذي من الممكن أن يصيب المترجم نوع من الاكتئاب، تقول عويس عن ذلك: لا يمكنني نسيان المؤتمر الذي تحدث فيه مجموعة من العراقيين عن المعاناة والمآسي التي تعرضوا لها في عهد صدام وبعد سقوطه، فقد تعاطفت كثيرا معهم وانتابني حالة من الاكتئاب استمرت لأيام عدة.
ريم التي تترجم ما لا يقل عن 20 مؤتمرا سنويا، الأمر الذي يجعلها تنسج علاقة صداقة بينها وبين المتحدثين، لا تخفي سعادتها عندما يختتم اللقاءات والمؤتمرات بنجاح ويمتد هذا النجاح إلى رسائل شكر وتقدير، تقول: هناك لحظات جميلة أمر بها، وذلك عندما يشكرني متحدث مدرك لأهمية الترجمة مثلما فعل الفنان عمر الشريف.
والمخرجة الهندية ميرا ناير التي وجهت لي الشكر على المسرح في إحدى المهرجانات أمام مئات الجماهير، إضافة إلى أنه يوجد نوعان من المتحدثين؛ واحد أنساه بمجرد خروجي من القاعة، والآخر يظل في ذاكرتي لتميز أرائه وأفكاره.
مهنة لا تسلم دائما من الخطأ وخصوصا أخطاء «زلات اللسان»، التي ترى فيها عويس أنها أشبه بكبوة الحصان، تقول: كنت أترجم لفنانة شابة لبنانية، وكانت تتحدث عن قدرتها على انتقاء الأدوار الجيدة.
خصوصا أنها ليست طفلة صغيرة، فمن دون قصد مني بدلا من أن أترجمها بالإنجليزية أنا لست فتاة صغيرة، قلت أنا لست صغيرة، وقتها غضبت مني هذه الفنانة بشدة، إلا أنني اعتذرت إليها موضحة أنها في النهاية «زلة لسان».
وأخيرا تترجم ريم عويس شخصيتها في كلمات معدودات: أنا إنسانه حساسة وعاطفية وواضحة ومباشرة في آرائي وأفكاري.
دبي- عبادة إبراهيم

